دلالة النص، وتسمى: فحوى الخطاب ولحنه، أي مقصوده ومعناه. ويسميها الشافعية: مفهوم الموافقة؛ لأن حكم المسكوت فيها موافق لحكم المنطوق.

النص في الاصطلاح يطلق على عدة إطلاقات.

الأول: عرفه السادة الحنفية، فقالوا: اللفظ الذي يدل على معناه دلالة واضحة، ويحتمل التأويل والتخصيص، ويقبل النسخ في زمن الرسالة، وهو المقصود الأصلي من السياق.

وعند الجمهور: ما دل على معناه دلالة قاطعة، ولا يحتمل التأويل أو التخصيص، وبعضهم قال: أو يحتمل التأويل أو التخصيص احتمالًا مرجوحًا.

ومثال ما احتمل التأويل احتمالًا مرجوحًا، كألفاظ العموم، فإنها موضوعة للعموم، مع احتمالها الخصوص احتمالًا مرجوحًا.

الإطلاق الثاني: يطلق النص على لفظ الكتاب والسنة، سواء كان قطعي الدلالة أو ظني الدلالة، يقال: الدليل إما نص أو معقول، وهذا الإطلاق أكثر استعمالا عند الفقهاء وأهل الحديث، ومن قولهم: «نصوص الشريعة متضافرة بذلك». والإجماع الذي له مستند من الكتاب والسنة فرع عن ذلك، وما ليس مسندًا فهو مقابل للنص.

والقياس إن كانت علته منصوصة فهو متفرع عن معنى النص بهذا الإطلاق، وأما ما كانت علته مستنبطة فهو مقابل للنص، وليس فرعًا عنه.

ومن استعمالات الأصوليين في ذلك: الدليل في المسألة عموم النص أو إطلاق النص، وإذا لم يكن للمسألة دليل من الكتاب والسنة قالوا: ليس فيها نص.

وقد قسم الحنفية دلالةَ اللفظ على الحُكم – وباعتبار نطقه أو فهمه من النص بغير نطق – إلى أربعة أقسام: عبارة النص، وإشارته، ودلالته، واقتضائه.

القسم الأول: عبارة النص، وهي: ما سِيق الكلامُ لأجلِه وأريد به قصدًا؛ ففي قوله تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» [البقرة: 275]، أفاد النصُّ بعبارتِه ولفظِه حِلَّ البيعِ، وحُرمةَ الربا، كما أفاد عدمَ المماثلة بينهما؛ فهما مقصودانِ من اللفظ، إلا أن الآيةَ إنما سِيقَتْ لأجل نفي المماثلة بين البيع والرِّبا، وردًّا على المشركين الذين ادَّعَوْا مماثلتَهما.

وهذا المعنى هو المقصودُ أصالةً من سياق النص، والمعنى الآخر – وهو حلُّ البيع وحُرمة الرِّبا – مقصودٌ تبعًا؛ لأنه كان يمكن الاكتفاء بنفي المماثَلة دون تعرُّض لحِل الرِّبا؛ ولذا كان هذا المعنى مقصودًا من سِياق النص تبعًا؛ ليدل على حرمةِ الربا، وليتوصل به إلى إفادة المعنى المقصود أصالة من النص، وهو نفيُ المماثَلة، وهذا هو الذي دلَّتْ عليه عبارةُ النص.

والقسم الثاني: دلالة الإشارة، وهي العمل بما ثبَتَ بنظمه لغة، لكنه غيرُ مقصود، ولا سِيق له النص، وليس بظاهرٍ من كل وجه، ومثاله: قوله تعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا» [الأحقاف: 15]، فوجهُ الدلالة: أن هذا النصَّ أفاد بعبارته ظهورَ المنَّة للوالدة على الولدِ؛ لأن سياقَه يدلُّ على ذلك، كما أفاد أيضًا حَصْرَ مدةِ الحمل والرَّضاع في ثلاثين شهرًا، لكنه دلَّ بالإشارة على أن أدنى مدةِ الحمل ستةُ أشهر؛ لأنه قد ثبت تحديدُ مدةِ الرَّضاع في آية أخرى بحولينِ كاملين في قوله عز وجل: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ» [البقرة: 233]، وقوله تعالى: «وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ» [لقمان: 14]، وإذا كانت مدةُ الرَّضاعة بلا حمل عامين (24 شهرًا)، وحمله ورضاعه مجموعينِ (30 شهرًا)، فإن هذا الأخيرَ فيه إشارةٌ إلى أن أقلَّ مدةِ الحمل ستةُ أشهرٍ.

والقسم الثالث: دلالة اللفظ، وهي دلالةُ اللفظ على ثبوت حُكم منطوقٍ لمسكوت لفهمِ مناطه وعلَّتِه بمجرد اللغة، ودلالةُ اللفظ تسمى عند الحنفية (مفهوم الموافقة)؛ لأن مدلولَ اللَّفظِ في حكم المسكوت عنه موافقٌ لمدلوله في حُكم المنطوق إثباتًا ونفيًا، ومثاله: قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» [الإسراء: 23].

فهذا النصُّ أفادت عبارتُه تحريم التأفيف في حقِّ الوالدين، والتأفيف له صورةٌ معلومة، ومعنًى لأجله ثبتتِ الحرمةُ، وهي الأذى، وهذا المعنى المعلوم لغة: يجعلُ الحرمة ثابتةً في كلِّ ما يحقق الأذى قولًا كان أم فعلًا؛ كالضرب ونحوه، بل هو في الضربِ أَوْلى؛ ولذا فإن هذا النصَّ دلَّ على حُرمةِ ضرب الوالدين، كما أفاد بعبارته حرمةَ التأفيفِ في حقِّهما.

والقسم الرابع: مقتضى النص، وهو زيادة على النص لا يتحقَّقُ معنى النص إلا به، ويسمى عند الأحناف (دلالة المنطوق).

ومنه: ما أضمر ضرورة صدق المتكلم؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رُفِع عن أمتي الخطأُ والنِّسيان وما استُكرِهوا عليه).. فوجهُ الدلالة: أن عبارةَ النصِّ أفادت أو دلَّتْ على رفع الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف تُرفَعُ هذه الأمور بعد وقوعها، وهو أمرٌ مستبعَدُ ولا يُصدَّقُ؛ لأن الخطأَ والنسيان يقعانِ بكثرة؟

ولذلك كان لا بد لصِدق الكلام من تقديرِ معنًى يقتضيه صدقه، وهو: رفع حُكْم الخطأ أو إثمه.

ومنه ما أضمر لصحة الكلام عقلًا؛ كما في قوله تعالى: «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا» [يوسف: 82]: فوجه الدلالة: أن عبارةَ النص أفادت سؤالَ القرية، والقرية جمادٌ لا يُسأَلُ، وإذًا كان لا بد من إضمار معنًى يصبح النصُّ به مقبولًا، وهو: واسأَلْ أهل القرية، وهذا نوعٌ من بلاغة القرآنِ الكريم.

ومنه ما أضمر لصحة الكلام شرعًا، فإذا قال شخص لآخر: أعتِقْ عبدَك عنِّي بألف، هذا اللفظ يدلُّ بعبارته على طلب من الغير إعتاق عبده، فإذا أعتَقَه وقَعَ العِتقُ على الآخر (الطالب)، وعليه الألف؛ لأن الأمرَ بالإعتاق عنه يقتضي تمليكَ العينِ منه بالبيع ليتحقَّقَ الإعتاقُ عنه، وهذا المقتضى يثبُتُ متقدمًا، ويكونُ بمنزلةِ الشَّرط.

أما جمهورُ الأصوليِّين – غيرَ الحنفية – فالكثرةُ منهم قسموا دلالةَ اللفظ على الحُكم باعتبار نطقِه أو فهمِه من النص إلى قسمينِ:

القسم الأول: ما يدلُّ على الحُكم بلفظِه وصيغته ومنظومه، وهو المسمى بـ(المنطوق).

القسم الثاني: ما يدلُّ على الحُكم لا بلفظه؛ وإنما بفحواه ومفهومِه، وهو المسمى بـ(المفهوم).

ويلاحظُ من مقارنة تقسيم دلالة اللفظ على الحُكم عند الحنفية وعند غير الحنفية الالتقاءُ في دلالة واحدة، وهي: عبارة النَّصِّ؛ فالحُكمُ مستفادٌ عند الحنفية مباشرة؛ لأن النصَّ سِيق لأجلِه، وأريد به قصدًا؛ ولذا فإنها تدلُّ على الحُكم بنفس العبارةِ.

وهذا متحقِّقٌ عند غير الحنفية في المنطوق، فإنه يدلُّ على الحُكْم بصيغتِه ومنظومه.

ومما تقدَّمَ يكونُ المنطوقُ عند غير الحنفية مرادفًا لعبارةِ النص عند الحنفية؛ فالقسمان متَّفقانِ في المعنى.

أما الأقسامُ الثلاثةُ الباقية عند الحنفية: (وهي دلالة الإشارة والدلالة والاقتضاء)، فإن الأحكامَ لم تؤخَذْ من عبارتها أو لفظها، وهو الجامع بينها؛ ولذا فإنها تعتبر دلالات المفهوم، لكن الحنفية قصروا واحدة منها – وهي دلالة اللفظ – على مفهومِ الموافَقة، فسمَّوْا دلالةَ اللفظ (مفهوم الموافقة).

وقد اختلَف غيرُ الحنفية في حصر أقسام المفهوم… فمنهم من أدرَجَ الدلالات الثلاث (الإشارة والاقتضاء والإيماء) في المفهوم، ومنهم مَن جعَلَ المفهومَ على قسمين: مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، الذي لم يتعرَّضْ له الحنفيةُ ولم يعتبروه من دلالاتِ اللفظ على الحُكم.

دلالة النص إما ضرورية كحرمة ضرب الابوين لقوله (فلا تقل لهما أف)، وإما نظرية، ومثال دلالة النص النظرية:

«ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة».

جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة أن القتل على ثلاثة أنواع.

الحنفية يقسمون القتل الخطأ إلى قسمين:

1- قتل خطأ.

2- ما جرى مجرى الخطأ .

وعلى هذا فتكون أقسام القتل عندهم أربعة، وذهب إلى مثل ذلك بعض الحنابلة.

وبعض الحنفية يضيف إلى أقسام الخطأ قسمًا ثالثًا:

3- وهو القتل بالتسبب.

وعلى هذا فتكون الأقسام عندهم خمسة.

ويرى بعض أهل العلم أن هذه التقسيمات اصطلاحية والخلاف في كوﻧﻬا ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة خلاف لفظي لايترتب عليه حكم، لأن النتيجة في النهاية واحدة.

فالخلاف إذًا بين أصحاب هذا القول لفظي، والخلاف الحقيقي مع قول المالكية الآتي.

وعند التحقيق: فإن الخلاف في كون القتل الخطأ قسمًا واحدًا، أو اثنين، أو ثلاثة، لا يترتب عليه اختلاف في الحكم الشرعي عند الحنابلة، وكذلك عند الأحناف بالنسبة لتقسيم القتل الخطأ إلى قتل خطأ محض، وقتل يجري مجرى الخطأ، فإن أحكامهما واحدة عندهم.

أما تقسيم القتل الخطأ عند الحنفية إلى قتل بالمباشرة وقتل بالتسبب فهذا ليس صوريًا إذ يترتب عليه اختلاف في الحكم، فالقتل بالمباشرة: فيه الكفارة والحرمان من الميراث.

بخلاف القتل بالتسبب: فلا كفارة فيه ولا يحرم المتسبب من الميراث على المشهور من المذهب الحنفي.

القتل الخطأ عند الأحناف ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

1 – قتل خطأٍ محض بالمباشرة.

2- قتل بالمباشرة يجري مجرى الخطأ.

فهذان القسمان لا يختلفان في الأحكام ففيهما الدية المخففة والكفارة والحرمان من الميراث.

3 – قتل بالتسبب :وهذا فيه الدية دون الكفارة ولا يحرم القاتل من الميراث.

والصحيح أن حكم القتل بالتسبب كالمباشرة.

القول الثاني:

وهو المشهور من مذهب المالكية ، وهو أن القتل على نوعين فقط :

1- عمد.

2- وخطأ.

وليس ثمة شبه عمد، فهم يجرون أحكام القتل العمد على القتل شبه العمد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد