الإرهاب الحكومي الصيني في تركستان الشرقية

يرجع تاريخ الإرهاب الحكومي الصيني في تركستان الشرقية إلى فترة زمنية بعيدة فمنذ معارك الغزو الصيني المنشوري للسيطرة على الأراضي التركستانية (1758 – 1760 م) شهدت كافة أنحاء تركستان مذابح هائلة راح ضحيتها أكثر من (1.2) مليون نسمة من أهل تركستان فضلاً عن تهجير ونفي ما يزيد على (22.500) ألف أسرة تركستانية مسلمة إلى داخل الصين، وذلك على يد قوات الاحتلال الصيني المنشوري، وذلك لقمع الشعب التركستاني الثائر ضد احتلال أراضيه ([21]).

وذلك فيما يمكن أن يطلق عليه حاليًّا عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي وقد استمرت السياسة الصينية العنيفة تجاه تركستان الشرقية لقمع الشعب التركستاني والقضاء على كافة مظاهر المقاومة والكفاح السلمي أو المسلح للشعب التركستاني ضد الاحتلال الصيني وسياساته الرامية لطمس الهوية الدينية والحضارية والعرقية لتركستان الشرقية وإجبار شعبها بشتى الوسائل على الاندماج أو التكيف مع الثقافة والهوية الصينية، وكذلك لتوطيد أقدام المحتل الصيني داخل الأراضي التركستانية واستيعاب تركستان أرضًا وشعبًا داخل الصين دون أي اعتبار لتميزها الجغرافي والتاريخي والسياسي والحضاري والديني والثقافي عن الصين.

وقد اتضح ذلك من ممارسات السلطات الصينية المنشورية في مواجهتها وقمعها لثورات الشعب التركستاني الكثيرة ضدهم ومنها على سبيل المثال: ثورة حميد الله بك 1763م، ثورة جهانكير خان 1819، 1823، 1826، ثورة ولي خان تورة 1855 وصولا إلى نجاح يعقوب بك في الاستقلال بتركستان الشرقية عن الصين في الفترة ( 1865 – 1878 ) وكانت كل حركات الاستقلال والمقاومة تتبعها عمليات قتل وقمع وتهجير واسع النطاق ضد الشعب التركستاني. وكذلك قمع ومنع الكثير من الممارسات الدينية والثقافية للشعب التركستاني.

وظلت الإدارة الصينية على عنفها وإرهابها للشعب التركستاني حتى انهيار الحكم المنشوري 1911 وقيام الحكم الجمهوري في الصين.

في العهد الجمهوري ضعفت قبضة السلطة المركزية في الصين على تركستان وغيرها من مقاطعات الصين وتولي السلطة في العديد من المناطق جنرالات الجيش فيما عرف بعصر أمراء الحرب، وقد حُكمت تركستان في تلك الفترة من قبل عدد من قادة الجيش الصيني (يانج – زينج- شين) (جين- شو- رين)، (شين شي تساي ) – الذي راح ضحية حكمه الذي استمر نحو 10 سنوات ما يزيد على (100) ألف تركستانى مابين قتل ونفي وسجن – وقد تميز حكمهم جميعًا بالإرهاب والدموية والقسوة الشديدة في إدارة تركستان التي شهدت تدهورًا كبيرًا في كافة أوضاعها الحضارية والدينية والثقافية والاقتصادية.

وقد شهدت فترة الحكم الجمهورى العديد من الثورات كان أهمها ثورة 1933 التي استقلت بتركستان الشرقية، وثورة 1944 التى أعلنت الاستقلال أيضًا وحاولت إحياء الهوية الدينية والحضارية لتركستان الشرقية إلا أن قدوم الاحتلال الشيوعي الصيني لتركستان أجهض تلك المحاولات؛ ومع دخول الشيوعيين إلى تركستان واحتلال أرومجي 20 أكتوبر 1949 تم قمع المقاومة الشعبية للاحتلال الشيوعي وقُتل وسُجن الآلاف، كما غادر الكثير من أبناء تركستان بلادهم هربًا من الاضطهاد وحفاظًا على هويتهم ولإبلاغ قضيتهم للعالم. ([22])

مارس الحكم الشيوعي الصيني فى تركستان سياسات عنيفة لتحقيق السيطرة السياسية ومنع أي معارضة للحكم الشيوعي وكانت سياساته في مجال الدين والحياة الثقافية التركستانية شديدة التطرف فكريا وعنيفة وإرهابية عمليا ضد أي محاولة للتمسك بالهوية التركستانية وعدم مسايرة الوضع الجديد الذي تحاول السلطة الشيوعية الصينية في تركستان فرضه على مواطني تركستان.

شملت الممارسات الشيوعية التضيق على ممارسة الشعائر الدينية والعادات والتقاليد الشعبية التركستانية المتوارثة عبر الأجيال، ولقد سجن وأعدم وعذب الآلاف من علماء الدين وحرقت الكتب الدينية والتاريخية والعربية ونسخ القران الكريم وألغيت الأعياد الإسلامية ومُنع الأهالي من أداء الصلوات وأغلقت آلاف المساجد وصودرت الأوقاف ([23]).

بالتزامن مع القمع الأمني حاول الشيوعيون الصينيون إحداث تغييرات حاسمة وملموسة في الحياة الاجتماعية والثقافية في سائر أنحاء الصين والتأثير على التمسك بالهوية الدينية لدى الأقليات الدينية بالصين ومن ضمنهم الأويغور، وذلك لصالح سيادة الأيديولوجية الشيوعية وذلك عبر شن العديد من الحملات الفكرية والسياسية؛ فمنذ عام 1950م تم وضع مصطلح العادات الصحيحة وغير الصحيحة وذلك بالطبع من وجهة النظر الشيوعية، ومن نماذج تلك الحملات:

– الحملة ضد الانحراف الثقافي 1955.

– سياسة دع مئة زهرة تتفتح ومئة مدرسة فكرية تتباري فبراير 1957 والتي أدت للكشف عن استمرار نفوذ التيارات والأيديولوجيات القديمة من وجهة نظر الشيوعيين داخل المجتمع في الصين وقد انتقد التركستانيون سياسات السلطة الصينية تجاهم.

– الحملة ضد اليمينيين يونيو 1957.

– حركة الوثبة الكبرى للأمام 1958 – 1960.

في تلك الحملات والتي كانت مصطلحاتها غير واضحة ومحددة؛ كان يتم الاعتداء على عادات وتقاليد الأقليات بصورة منظمة إذا ما كانت مخالفة لمعايير الهان وكان يكفي أن يدعي أحد العمال أن بعض العادات تعوق الإنتاج لحظر تلك العادات، كما هوجمت كافة الاتجاهات التى لم تندمج داخل المنظومة الشيوعية ([24]).

في تركستان الشرقية تم استجواب (100.000) مواطن ومحاكمة 830 وإعدام 53 من الكوادر الحزبية التركستانية، كما هوجمت الحريات الثقافية والدينية وأصبح الاندماج القسرى للثقافة التركستانية داخل الإطار الصيني خيارًا لا بديل عنه، وحذرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية من نمو مشاعر ودعوات القومية الطورانية التركية التي تقلق القيادة الصينية. ورغم البعد الاقتصادي الظاهري لحركة الوثبة الكبرى للأمام حيث ألحق معظم سكان تركستان في 450 مزرعة تعاونية (كوميونة) Comun تضم الواحدة نحو 20 ألف شخص وشملت أنشطتها مزارع ومراعي وصناعات خفيفة وأفران صهر الحديد. وقد مثلت الكوميونة حجر الزاوية في بناء النظام الاشتراكي وفي الإسراع بدمج مختلف القوميات داخل تركستان الشرقية في بناء فكري وثقافي واحد وإبقاء السكان الأتراك تحت السيطرة الدقيقة للسلطات الصينية([25]).

وقد مثل ذلك الأسلوب تدميرًا للحياة الاجتماعية والثقافية والدينية للتركستانين وتحويلهم إلى مجرد آلات تعمل في إطار مصم لإحداث تغيير لكيانهم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بما يكفل إضعافه أو القضاء عليه؛ وجرت هذه العملية بالإكراه والعنف لتحقيق الأهداف السياسية والثقافية للسلطات الشيوعية قسريا.

كان من أخطر وأعنف محاولات الدمج والاستيعاب الثقافي والفكري في الصين والذي عانت منه تركستان الشرقية بقسوة فترة الثورة الثقافية (1966 – 1976) والتي لم تتسم بأية خطة أو هدف للنهوض بالثقافات القومية في الصين، وإنما عُدت بمثابة فترة فوضوية أثرت على الوضع الثقافي في الصين بصورة عامة، حيث مورست عملية تحطيم الثقافات المنتشرة في الصين بدعوى تحطيم الأشياء الأربعة القديمة التي ذكرها الرئيس الصيني (ماو تسي تونج) في بيانه المنشور في 16 مايو 1966 وهي : التقاليد القديمة – العادات القديمة – الأفكار القديمة – الثقافة القديمة؛ وقد نجم عن الثورة الثقافية ارتباك وفوضى داخليه كبيرة في النظام السياسي والحياة الاجتماعية داخل الصين ([26]).

وقد اعتبرت فترة الثورة الثقافية إرهابًا جماعيًا من قبل الدولة في الصين عبر تنظيمات الحرس الأحمر والذي طاف شبابه أرجاء الصين لتدمير الأهداف السياسية المستهدفة ومعارضى النظام المزعومين. إن السلطة الدكتاتورية في الصين حاولت ولا تزال تحاول فرض السيطرة الكاملة على شعبها عبر الخلايا الحزبية جيدة التنظيم ونظام تسجيل المنازل ونظام الأمن الداخلي الذي يستهدف الحفاظ على دولة الحزب الشيوعي والاستقرار الاجتماعي من وجهة نظرها، الأمر الذي يتطلب قمع المعارضين – وهم أصحاب الأفكار التي يعتبرها الحزب غير مقبولة أو مهددة له – وإرسالهم إلى معسكرات العمل أو السجون ([27]).

بنهاية حكم (ماو) وانتهاء فترة الثورة الثقافية شهدت تركستان الشرقية بعض الانفراج وتخفيف الضغوط على الممارسات الدينية والثقافية وحرية التدريس والسفر والاجتماع والنشر وكذلك الحريات الاقتصادية ؛ وقد استمرت تلك الفترة من عام 1978 حتى بدأ حجم الحريات في التراجع داخل الصين وذلك بعد أحداث مظاهرات الطلبة المطالبة بالديمقراطية في ميدان السلام السماوي في بكين مايو 1989 ([28]).

في تركستان الشرقية تدهورت أوضاع الحريات الدينية والثقافية عن سائر أنحاء الصين وذلك نتيجة لوضعها الخاص وتباينها الثقافي والديني والعرقي مع الصين، فضلا عن مخاوف الصين من تداعيات انهيار الاتحاد السوفيتي السابق واستقلال جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية التركية، والتي كانت خاضعة له الأمر الذي قد يثير مشاعر الحماسة الوطنية والرغبة في التحرر لدى أبناء تركستان الشرقية الخاضعة للصين والمجاورة لتلك الدول، كما ازدادت حدة القمع والتضيق على الحريات المختلفة للتركستانيين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وبداية ما أطلق عليه الحرب الدولية ضد الإرهاب والتي وجهت في معظمها ضد أتباع الدين الإسلامي واستثمرتها الصين لإرهاب الشعب التركستاني لحمله على إخفاء أو التنازل عن هويته الدينية والثقافية والاندماج واعتماد السياسات التي تحددها السلطات الصينية في تركستان ([29]).

تعتمد الصين سياسات مراوغة وقوانين ونصوصًا دستورية ذات لغة صياغة غامضة وغير محددة ويمكن تفسيرها وانتهاكها حسب رغبة وتوجه النظام الحاكم، فدقة الصياغة ذات أهمية خاصة في التطبيق العلمي للنصوص القانونية والتي تعبر عن رؤية المشرع للقضية التي يريد معالجتها وموقفه والإطار النظري الذي يتحرك فيه ومن ثم الإطار العملي والذي يسمح للسلطات الصينية بالتضييق على الشعب التركستاني وإرهابه للتخلي عن هويته الدينية والثقافية.

ومن السياسات والممارسات الحكومية الإرهابية في تركستان الشرقية سياسة تحديد النسل، ففي حين تنص المادة 49 من دستور الصين والمادتان 2، 12 من قانون الزواج في جمهورية الصين الشعبية على وجوب تطبيق قواعد تحديد النسل والتزام الزوج والزوجة بذلك ([30]).

وبالنسبة للمناطق ذاتية الحكم الخمس في الصين وبعض الولايات ذاتية الحكم يسمح له للزوج من الأقليات القومية بإنجاب طفلين أو ثلاثة، وبالنسبة للأقليات القومية في المناطق الحدودية – كما في حالة تركستان – والمناطق ذات الظروف الرديئة أو القوميات قلية التعداد السكاني فيسمح لها بإنجاب ثلاثة أطفال أو أكثر ([31]).

إلا أن التطبيق الصيني العملى فى هذه المسألة يخالف التوجه النظري الرسمي الذي يمنح الأقليات طفلين في المدينة وثلاثة في القرية، وتمارس السلطات الصينية ضغوطا كبيرة لتخفيض العدد إلى طفل واحد مع الأخذ في الاعتبار وجود حصة مواليد لكل منطقة خلال مدة معينة ويمكن لمسئولي تنظيم الأسرة رفض التصريح للزوجين بالحمل لعدد من السنوات حتى تسمح الخطة – وهي بالطبع خطة غامضة وغير معلنة لتسمح بمساحة واسعة من القمع والسيطرة على أعداد السكان الأتراك – وفي حالة المخالفة تتعرض الأسرة ومصادر رزقها للخطر، كما أن عمليات الإجهاض والتعقيم القسري من الأمور المألوفة في تركستان الشرقية، وتُجري عمليات الإجهاض بعد انتزاع النساء عنوة من منازلهن على أيدي أشخاص لهم صفة رسمية مثل موظفي تحديد النسل وقد تجري لنساء بلغن الشهر التاسع من الحمل وتجري العملية في عنف وإهمال قد يؤدي إلى وفاة المرأة ([32]).

ويؤكد تقرير الخارجية الامريكية لعام 2002 الصادر في 31 مارس 2003 على أن الحكومة الصينية تضغط على الأقليات لجعل عدد المواليد لديهم مثل نظرائهم من الهان، كما يقر بوجود العنف ضد المرأة فى التطبيق العملى لسياسة تحديد النسل والإجهاض والتعقيم الإجباري، وتتركز تلك الانتهاكات في شينجيانج (تركستان الشرقية) ([33]).

فهنا تتخذ السلطات الصينية سياسات عنيفة ومثيرة للخوف وتبث الذعر في أوساط عامة الشعب التركستاني، وذلك بالمخالفة للقوانين التي تصدرها في هدف واضح وهو إرهاب الشعب التركستاني لكي تعزز الصين من هيمنتها السياسية على الإقليم بالسيطرة على تعداد الشعب التركستاني ودفعه للانقراض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد