وتشهد مختلف المجالات في تركستان هذا الإرهاب والتمييز الحكومي الصيني على سبيل المثال:

في المجال الديني

يلعب الدين دورًا كبيرًا في تكوين ثقافة وحضارة الشعوب وفي تشكيل وتوجيه الرأي العام، ونظرًا لموقف الشيوعية بصفة عامة من الدين، فإن السلطات الشيوعية الصينية وإن منحت نظريا حرية ممارسة الشعائر الدينية فإن التطبيقات العملية في هذا المجال تستهدف التضييق على ممارسة الشعائر والدعوة الدينية ومحاولة السيطرة الكاملة عليها وتوجيهها للمنحنى الذي يتجه نحو تحقيق الأهداف السياسية والثقافية للحزب الشيوعي الصيني، والتي هي في النهاية إضعاف مكانة الدين والالتزام الديني بين الأفراد وفي أوساط المجتمع لأهم مكونات الهوية الثقافية والحضارية للأمة التركستانية.

لذا فإن كافة الأنشطة الدينية في تركستان الشرقية لا بد أن تكون خاضعة تمامًا للإدارات الدينية الرسمية التابعة للسلطات الحكومية في الصين، وأداء هذه الإدارات لا بد وأن يتفق مع التوجهات الرسمية للحزب الشيوعي الصيني وأن يعزز مكانة وسلطة وهوية وحدة والصين قبل أي شيء، كما يجب أن تكون ممارسة الشعائر والدعوة الدينية منسجمة مع الأيديولوجية السياسية الصينية([34]).

إن الإشكالية الكبرى للتعامل العنيف للسلطة الصينية مع المسألة الدينية فى تركستان تكمن أساسًا في الفكر الصيني وفي رؤية الحزب الشيوعي الصيني لأن الكثيرين فيه يؤمنون بأن الحزب الشيوعي الصيني يمثل الجانب الأكثر ذكاءً وتقدما في المجتمع الانساني المعاصر، ويرى (ماو) أن العالم الرأسمالي الرجعي هو الذي يشكل عالم الظلمة وأن الشيوعيين سيحولونه إلى عالم من نور لم يكن له وجود من قبل وهذا يستلزم المزيد من الصبر.

ويرى (ماو) ضرورة استخدام القوة ضد من وما يتعارض مع الشيوعية في أرجاء العالم في إعادة صياغتهم إلى شيوعيين إذ يقول: سيتحتم عليهم أن يمروا بمرحلة الجبر قبل أن يدخلوا مرحلة إعادة صياغتهم بمحض إرادتهم ([35]).

وبصفة عامة فإن الإسلام يشار إليه في الصين على أنه أخطر دين يهدد الاستقرار الوطني مقارنة بالمسيحية والبوذية والطاوية، كما يَعتَبر الحزب الشيوعي الصيني وطبقا للوثيقة رقم (7) التي أصدرها المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني 1996 أن مشكلة شينجيانج (تركستان الشرقية) تمثل التهديد الأخطر على استقرار ووحدة أراضي الصين أي أنها أخطر من مشكلتي التبت وتايوان ([36]).

والإطار النظري الدستوري والقانوني في الصين بأسلوب صياغته الغامض فيما يخص المسألة الدينية وغيرها، يسمح بتقديم العديد من التفسيرات التي تخدم أهداف السلطات الصينية فى إضعاف هوية تركستان الدينية على سبيل المثال:

تنص المادة (36) من دستور الصين الحالي 1982 «على أن مواطني الصين يتمتعون بحرية الاعتقاد الديني ولا يستطيع أحد من مسئولي الدولة أو التنظيمات الشعبية أو الأفراد إجبار أحد من المواطنين على اعتناق أو عدم اعتناق أية عقيدة أو التمييز ضده، كما أن الدولة تحمي النشاطات الدينية العادية، ولا يحق لأي شخص استخدام الدين للاشتراك في أي نشاطات تؤدي لفوضى أو تعطيل أو إزعاج النظام العام أو الإضرار بصحة المواطنين، أو تتعارض مع النظام التعليمي للدولة، كما أن الشخصيات الدينية لا تخضع لأي سيطرة خارجية» ([37]).

وهذاالنص الدستوري وغيره يفرض العديد من التساؤلات ويحتاج للعديد من التفسيرات لنصه المبهم الذي يميل للتعميم، فما هي النشاطات الدينية العادية؟ هل هي ما تحدده الدولة بتعسف كمنع التعليم الديني والصلاة في المساجد للأطفال حتى بلوغهم سن معينة أو للمرأة، ومنع الموظفين والطلاب من الصيام والتشدد ووضع العقبات فى سبيل من يريد السفر لأداء فريضة الحج وغير ذلك من السياسات المتطرفة والتعسفية الصينية في التمييز ضد مسلمي تركستان الشرقية! أليس من المفترض أن كل دين يحدد لأتباعه طريقة ممارسة شعائرهم الدينية؟

وكيف تتسبب النشاطات الدينية في إزعاج النظام العام والإضرار بصحة المواطنين؟ فهل الصيام مثلا يضر بصحة المواطنين أو أن صلاة الجمع و الأعياد تزعج النظام العام؟

كان لا بد من توضيح وتدقيق الصياغة كي لا تطلق يد السلطة في منع المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية وعدم تعرضهم للقمع والاعتقال إذا ما أرادوا ممارسة شعائر دينهم أو الحفاط على هويتهم الدينية و الثقافية.

إن السلطات الصينية تراقب حتى عادات المسلمين واحتفالاتهم في الزواج والجنائز بل واللقاءات والمنتديات الثقافية المعتادة كالمشارب وتتحرش السلطات بمن يرتدي أو يبدي ما ينم عن هويته الدينية.

إن تقارير المنظمات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ترصد الكثير من الانتهاكات لأبسط الحقوق الانسانية كحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية والحفاظ على الهوية الثقافية ومنع التمييز والاعتقال والسجن والإعدامات دون محاكمة، بل واعتقال أهالي المطلوبين كرهائن حتى يسلم المطلوب اعتقاله نفسه وذلك بالمخالفة للاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن المعتمدة في نيويورك 12/1979 .

إن السياسات الصينية في تركستان الشرقية تتبع وتمارس أساليب لا يمكن إلا أن توصف بأنها سياسات متطرفة إرهابية تستخدم العنف و الإكراه والتخويف المادي والمعنوي لتحقيق أهدافها السياسية والإيديولوجية.

ولا تسمح السلطات الصينية بأي شكل من أشكال الاعتراض أو الاحتجاج السلمي على ممارساتها ضد الأويغور، بل وتواجه التظاهرات السلمية للتعبير عن الرأي أوالمطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية بأقصى درجات القسوة والعنف، ويتضح ذلك في ملاحظات مختلف المنظمات الدولية على سجل حقوق الإنسان في تركستان الشرقية في مختلف الفترات و بالأخص في أثناء وبعد أحداث معينة كأحداث بارين أبريل 1990، خوتن يوليو 1995، إيلي فبراير 1997 ومؤخرًا 5 يوليو 2009 التي شاهدها العالم أجمع والتي ارتكبت فيها السلطات الصينية انتهاكات واسعة النطاق.

ولا تزال انتهاكات السلطات الصينية لحقوق الأويغور تجرى على نطاق واسع، حيث أشارت تقارير : العفو الدولية لعام 2013 وكذلك تقرير الخارجية الأمريكية عن حالة حقوق الإنسان والحريات الدينية فى العالم عن استمرار حملة اضرب بقوة الصينية في الإقليم ضد النشاطات الدينية غير الشرعية من وجه نظر الصين وتقليص حرية التعبير عن الهوية، كما ورد بالتقارير حرمان عشرات الآلاف في عموم الصين من حريتهم بحجزهم في المعتقلات ومعسكرات إعادة التأهيل والعمل الإجباري، ووجود انتهاكات رسمية حادة لحرية التعبير والحريات الدينية.

كما رصدت حالات قتل للأويغور حيث تؤكد المنظمات الحقوقية أن الشرطة تطلق النار على جماعات الأويغور فى المنازل وأثناء شعائر الصلاة، وأن هناك تعتيمًا كبيرًا على المعلومات الخارجة من الإقليم؛ كما أوردت منظمة مراقبة حقوق الإنسان في 30 يوليو 2014 خبرًا عن الأستاذ الجامعي الأويغوري إلهام توختي المعتقل بسبب تعبيره السلمي عن الاستياء من وضع الأويغور ومطالبته بحل سلمي للمشكلة، رغم تصريحاته المعارضة لاستقلال وانفصال الأويغور عن الصين، وورد بالخبر مواصلة السلطات الصينية فرض إجراءات صارمة بالإقليم واعتقال العشرات بتهم الإرهاب و الانفصال و التطرف الديني.

وورد في بيان صحفي لمنظمة العفو الدولية في 29 مايو 2014 عن إجراء محاكمة صورية علنية لنحو (55) من الأويغور، اتهموا بالإرهاب والقتل والانفصالية وحكم على ثلاثة منهم بالإعدام، وأكدت المنظمة على أن الأويغور يواجهون تمييزا على نطاق واسع في التوظيف والإسكان والتعليم وتقليص الحريات الدينية والتهميش السياسي ([38]).

في الفترة من عام 2017م وحتى الآن تصاعد القمع الصيني في تركستان الشرقية وبأساليب جماعية غير مسبوقة مع تولي (تشن تشوانجو) جزار تركستان زعامة الحزب الشيوعى في شينجيانج وهو الحاكم الفعلى للمنطقة وكان في السابق يشغل زعامة الحزب الشيوعى في منطقة التبت التي لقيت على يديه الكثير من القمع، وتواصل الحكومة الصينية وضع قوانين جديدة تحتوى على تهديدات خطيرة لحقوق الإنسان وتؤدي لقمع شديد تعاني منه المنطقة متخفية تحت ستار الأمن الوطني، كما قامت الحكومة الصينية باستحداث أساليب عديدة لمراقبة الأويغور وتسجيل أنشطتهم وحياتهم الخاصة عبر كاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان في المنطقة من الأسواق والشوارع ودور العبادة حتى المنازل.

وفرض على المسلمين الأويغور والقازاق وغيرهم نظام الاستضافة أي استضافة الأسر المسلمة للصينيين داخل منازلهم ليراقبوهم في حركاتهم وسكناتهم دون أدنى اعتبار واحترام لحياتهم الخاصة وحرماتهم؛ كما بدأت حكومة الصين في عمليات جماعية لمحو هوية المسلمين عبر شبكة معسكرات اعتقال ضخمة منتشرة في معظم أرجاء المنطقة تسميها الصين مراكز التدريب و إعادة التأهيل أو التثقيف، وتقدر وسائل الإعلام والمنظمات الدولية أن الحكومة الصينية تحتجز ما بين (800) ألف إلى (2) مليون مسلم في تلك المعسكرات حيث يجبرون على تحمل تلقين سياسي شديد وانتهاكات أخرى فظيعة، ويتم تدمير معتقداتهم الدينية، وتلك المعسكرات تعد مراكز اعتقال تعسفي خارج إطار القانون لمحاولة محو هوية التركستانيين الدينية والثقافية، وقد صرحت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة: بأن الحكومة الصينية تشارك في اضطهاد الأقليات الدينية والعرقية، وأن ما يحدث هو أكبر اعتقال للمدنيين في العالم حاليًا وقد يكون الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية ([39])

 

الخاتمة

يعد الإرهاب والتطرف من المشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمعات وتثير القلائل وعدم الاستقرار بها سواء حدثت من قبل الأفراد أو الحكومات.

– الإرهاب هو استخدام العنف أو أية وسيلة قادرة على إحداث حالة من الرعب والخوف والفزع كعمليات الإيذاء الجسدي والقتل أو الإضرار بمصالح الأفراد أو المجتمع وحالات الاعتقال التعسفي للأفراد أو أخذ رهائن للضغط على ذويهم من قبل سلطات الدولة، ويهدف ذلك العنف إلى تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو عرقية أو ثقافية.

– يجب توافر عدة عناصر لكي يكون الفعل أو الجريمة إرهابية وهي:

1- استخدام غير مشروع للقوة والعنف.

2- أن يؤدي إلى حالة من الخوف والفزع.

3- أن يهدف العمل إلى تحقيق أهداف سياسية أو دينية أو عرقية أو ثقافية بعيدًا عن الأهداف الفردية.

4- التنسيق والتنظيم لأعمال العنف.

– يمكن أن يمارس العمل الإرهابي من قبل الأفراد أو الدولة ما دامت قد اجتمعت فيه تلك العناصر.

– التطرف هو مجاوزة حد الاعتدال في كل شيء سواء بالمغالاة والتشدد أو التفريط، وقد يعتنق الفكر المتطرف الأفراد أو التنظيمات أو الحكومات ويتسم صاحب بالفكر المتطرف بافتقاد المرونة والجمود العقلي وعدم تقبل الآخر.

– يمكن أن يشكل التطرف الأساس الفكري للإرهاب عندما يتحول لعمل عنيف لتحقيق الأفكار المتطرفة التي يؤمن بها صاحبها.

– لا يعد استخدام حركات المقاومة السلاح والعنف فى مواجهة المحتل والسياسات التعسفية القهرية التي يتبعها إرهابًا إذا ما توافرت المعايير الدولية لاعتبارها حركات تحررية ومقاومة للاحتلال وسياساته القمعية.

– يعد هاجس الأمن السياسي والخوف من تفكك الصين فضلًا عن رؤية الحزب الشيوعي الصيني النظرية – والتي يضع فيها نفسه باعتباره نموذجًا مثاليًّا يتحتم على الآخر اتخاذه مرجعية عليا فكرًا وتطبيقًا ولو بالقوة – المعايير الأساسية لتحديد الإرهاب والتطرف في مفهوم النظام الصيني.

– لا تخرج الممارسات الدينية للأويغور عن وسطية واعتدال الدين الإسلامي، ولا تمثل ممارسة الشعائر الدينية لديهم أية خطورة على استقرار وسلامة المجتمع أو تدعو للانفصال وتفكك الصين.

– تعتبر السلطات الصينية أن تأدية الشعائر الدينية للأويغور تطرفًا، إن كانت لا تتفق مع ما تسمح به من تلك السلطات من الممارسات الدينية التي تحددها طبقًا لرؤيتها الخاصة.

– تمارس السلطات الصينية في تركستان الشرقية سياسات عنيفة مثيرة للرعب بين أوساط الشعب التركستاني مدفوعة بمخاوف وهواجس تكمن في ميراثها الفكري والتاريخي ولا ذنب للشعب التركستاني في ذلك سوى أنه يختلف عن تلك السلطة عرقيًا وفي هويته وعقيدته التى يتمسك بها.

– عبر تلك السياسات العنيفة في مختلف المجالات تمارس السلطات الصينية القتل – الذي لا يسلم منه أحد حتى الأجنة في بطون أمهاتهم – والاعتقال التعسفي وكبت الحريات الدينية والثقافية، وتحاول القضاء على عادات وتقاليد الشعب التركستاني دون أي مبرر سوى تثبيت أقدام المحتل الصيني وتحقيق السيادة الأيديولوجية والسياسية ودمج وتصيين تركستان الشرقية شعبا وحضارة.

– تعد تلك السياسات المنظمة إرهابًا حكوميًا تمارسه الصين في تركستان الشرقية من أجل الحصول عنوة على أهداف سياسية ودينية وثقافية في أوساط الشعب التركستاني هدفها النهائى دمجه قسرًا ودفعه للتخلى عن هويته الحضارية والدينية واستسلامه سياسيا، بل وحتى دفعه للفناء والانقراض.

إن الوضع في تركستان الشرقية سيظل قلقًا وغير مستقر طالما استمر التطرف والإرهاب الحكومي الصيني ضد الأويغور، فإن حق الشعوب في مقاومة المحتل وتقرير مصيرها أمر لا يمكن غض الطرف عنه، كما أن كثرة الظلم والعنف من قبل السلطة بالتأكيد سيواجه بمقاومة مضادة للدفاع عن النفس والهوية وبالأخص لدى الشباب اليائس من الإصلاح وتحسن الأوضاع واحترام الهوية، فبقدر ما يكون من ظلم تكون مقاومة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات