مقدمة

من أشد وأسوأ أنواع الإرهاب، وأكثرها عمومية وتنظيمًا ودقة واتباعًا للأساليب الوحشية المقننة! وغير المقننة، إرهاب الحكومات، والذى مورس ويمارس عبر التاريخ في شتى أرجاء الأرض، دون رادع حقيقي من المجتمع الدولي، بل تترك تلك الحكومات الإرهابية في غيها حتى تسقط بصراع داخلها أو مع شعبها، والأمثلة في ذلك كثيرة: كالإمبراطورية الرومانية والفارسية، والصينية، وحتى الخلافة والدول الإسلامية والعربية؛ إذ لم تخل كافة الأنظمة على اختلاف توجهاتها السياسية وعقيدتها الدينية وبالمخالفة لها – بالتأكيد في حالة الأديان السماوية الصحيحة– من ممارسة الإرهاب في أغلب مراحلها التاريخية. ويمارس الإرهاب الحكومي بغية الحفاظ على سلطة النظام القائم، وحمل سائر المنظمات والجماعات العرقية والدينية داخل الدولة على تبني الرؤى السياسية والدينية والثقافية لمن بيده السلطة والانصياع التام لها. وتمارس تلك الحكومات الإرهاب عبر آلة قمع رسمية، تمثل جزءًا من منظومة الدولة ومؤسساتها مثل: الشرطة والجيش وأجهزة المخابرات، مستعينة بسيطرتها على وسائل الإعلام، والهيئات القضائية، والسجون، والمؤسسات الديمقراطية الشكلية، وكلها أجهزة وتنظيمات شرعية معترف بها داخل الدولة وخارجها، مما يسمح للحكومة الإرهابية بممارسة القمع والإرهاب على نطاق واسع يتمتع بغطاء قانوني وتبرير إعلامي، بل أخلاقي مزيف.

ومن أعنف عمليات الإرهاب الحكومي في التاريخ الحديث والمعاصر: الإرهاب الفرنسي في الجزائر، ومقتل 1,5 مليون شهيد جزائري غير مئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين، الاضطهاد السوفيتي البشع، ومقتل عشرات الملايين من سكانه أو ترحيلهم، مأساة الروهينجا في ميانمار، أزمة كشمير، الصين ومحاولتها تدمير عقيدة وثقافة أعراق متعددة داخلها في التبت وتركستان الشرقية، مشكلات الشيعة والسنة في العراق وإيران، حالات الاضطهاد والتمييز العنصري التاريخي غير المسبوق ضد السكان الأصليين والسود في الأمريكتين وأستراليا وغيرها.

ويعد مصطلح الإرهاب أحد المصطلحات الأكثر شيوعًا في الصراعات الداخلية أو الدولية ذات الأبعاد الإيديولوجية، أو الدينية، أو العرقية والثقافية؛ لمحاولة إلحاق صفة الإرهاب بالآخر، وذلك للحد من التعاطف القومي أو الإقليمي أو الدولي مع قضيته أو مطالبه. ولا أشهر الآن من مصطلح «الإسلاموفوبيا» وإلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين؛ ليبرر من يشاء ما يريد.

وقد ازداد استخدام المصطلح كثيرًا على الأصعدة كافة، الإعلامية، والسياسية، والقانونية عقب أحداث11 من سبتمبر (أيلول) 2001، في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي اتُهم تنظيم القاعدة بالتدبير لها، كما اقترن ذلك المصطلح كثيرًا بالحركات ذات الأصول المسلمة، بغض النظر عن صحة توجهاتها الدينية الإسلامية ومدى توافقها مع معايير الدين الإسلامي ومبادئه في التعامل مع الآخر.

وسنحاول في هذا البحث تحديد مفهوم الإرهاب في اللغة والقانون الوضعي الدولي، وكذلك مفهوم التطرف، كما سنحاول التمييز بينه وبين أعمال العنف المشروع؛ كأعمال المقاومة والكفاح المسلح الذي تمارسه الشعوب والجماعات التي تتعرض للاستعمار والاضطهاد من قبل قوة أخرى.

وسوف تقسم الدراسة إلى عدة أقسام: مفهوم الإرهاب والتطرف في اللغة والدين، وفي القانون الدولي وفي رؤية المنظمات السياسية الدولية، مع التفرقة بين الإرهاب وبين أعمال المقاومة المسلحة للمحتل، وكذلك المفهوم الصيني للإرهاب والتطرف .

ثم نعرض لممارسة الأويغور للشعائر الدينية، وهل تخرج عن الإطار الذي حددته الشريعة الإسلامية أم لا؟

ثم نلقي الضوء على ممارسات الحكم والسلطة الصينية في تركستان الشرقية، وهل تنطبق عليها معايير الإرهاب وتعريفاته أم لا؟

الإرهاب والتطرف: في المفهوم والسياسة

يأتي الإرهاب في اللغة بمعنى الخوف والفزع من الفعل (رَهِبَ– يَرْهَبُ- رَهبَةً) ورُهْبًا بالضم ورَهَبًا، وأَرْهَبَه ورَهبَهُ، واستَرهَبَه أي أخافه وأفزعه.[1]

وقد ورد معنى الرهبة في العديد من الآيات القرآنية بما يشير إلى معاني الخوف والخشية من عقاب الله ووعيده «وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» من الآية 40 سورة البقرة «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا» من الآية 90 سورة الأنبياء.

وجاء أيضًا في القرآن الكريم بمعنى الردع العسكري والنفسي للأعداء، وحملهم على تغيير سياستهم العدائية تجاه المسلمين بإلقاء الرعب والخوف في قلوبهم من عواقب المواجهة «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إليكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ» الآية 60 من سورة الأنفال.

ويشير المصطلح Terror إلى معاني الخوف والقلق، أو إلى تهديد غير مألوف أو متوقع، ويرتبط بمعاني الرهبة والترويع والذعر، وكل ما يوقع الرعب في النفوس.[2]

والإرهاب هو اللجوء إلى العنف غير القانوني، أو التهديد به لتحقيق أهداف سياسية أو فكرية، سواء من الأفراد، أو الجماعات، أو من الحكومات.[3]

وعادة فتعريف الإرهاب معقد ومثير للخلاف، وقد بدأ استخدام المصطلح في الغرب عام 1790م في فترة الثورة الفرنسية؛ للإشارة إلى الخوف والهلع الذي أثاره واستخدمه الثوار ضد معارضيهم. وفي دائرة المعارف البريطانية الإرهاب هو الاستخدام المنظم للعنف لخلق مناخ عام من الخوف بين قطاع من السكان لتحقيق أهداف سياسية معينة.

ويمكن أن يمارس الإرهاب عن طريق منظمات ذات أهداف وتوجهات سياسية أو دينية، أو حتى من قبل ثائرين ضد ممارسات لا يرضون عنها، كما يمكن أن يمارس عن طريق مؤسسات الدولة مثل: الجيش، المخابرات، الشرطة وغير ذلك.

وقد مورس الإرهاب عبر التاريخ عن طريق الدول والشخصيات الاعتبارية، أو الأفراد عبر العالم، واستخدمت وسائل مثل مصادرة الممتلكات والإعدام والاعتقال أساليب لمنع المعارضة لأنظمة الحكم أو إضعافها.

والدولة التى تستخدم الإرهاب ضد رعاياها أو ضد دولة أجنبية أو جماعة يطلق عليها دولة راعية للإرهاب.[4]

ولا تعد الأفعال العنيفة مثل الجرائم الشائعة كالسطو المسلح وغيرها، والتي تحدث لتحقيق أهداف شخصية ضمن الإرهاب، رغم تشابه الأفعال فى أحيان كثيرة، إذ يعد العنف الذي يصنف إرهابًا أنه الاستخدام غير القانوني للقوة أو العنف ضد المدنيين أو الممتلكات لأجل دوافع وأهداف سياسية؛ إذ يهدف هذا العنف لتحقيق التوجهات السياسية، أو الاجتماعية، أو الدينية، أو الاهتمامات الإيديولوجية لمرتكبيه.

ويعتقد الإرهابيون أن قضيتهم عادلة، وأن العنف هو الملاذ الأخير لمواجهة القمع وعدم استجابة الدولة أو المجموعات العرقية الأخرى أو النظام الدولي لمتطلباتهم.[5]

وقد أبدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة 40 قلقها من أعمال الإرهاب التي تعرض للخطر أرواحًا بشرية بريئة أو تودي بها وتهدد الحريات الأساسية، وتنتهك بشدة كرامة الإنسان.

كما دعت لدراسة الأسباب الكامنة وراء أعمال العنف التي تنشأ عن البؤس وخيبة الأمل، والتي تحمل بعض الناس على التضحية بأرواح بشرية بما فيها أرواحهم، محاولين بذلك إحداث تغييرات جذرية.[6]

التطرف Extremity

في اللغة طرف كل شيء منتهاه، والطرف أيضًا الناحية من النواحي، والطائفة من الشيء والجمع أطراف، وكل مختار طرف، وأطراف الأحاديث مختارها، وتأتي أيضًا طرائف الحديث أي مختاره، والطرف الطائفة من الناس.[7]

وترد الكلمة بمعاني الشدة والصرامة والنهائية في المواقف والإفراط في الإجراءت إلى أقصـى مدى.[8]

ويستخدم مفهوم التطرف في الإشارة إلى الخروج عن القواعد الفكرية والقيم والمعايير الدينية، والأساليب السلوكية الشائعة في المجتمع، ويتميز الشخص أو الجماعة المتطرفة بتبني قيم ومعايير مختلفة عن القيم والمعايير المعتادة في مجتمعه، كما أن التطرف قد يتحول من مجرد فكر إلى سلوك ظاهري، وقد يعبر عن موقفه بالعزلة أو السلبية والانسحاب، أو الدفاع عن أفكاره إلى حد قد يصل إلى الاتجاه نحو العنف في شكل فردي، أو سلوك جماعي منظم، أو عمل سياسي يهدف لإحداث التغيير في المجتمع وفرض الرأي بالقوة على الآخرين، متخدًا من الأساليب المختلفة وسيلة لتحقيق الأهداف التي يؤمن بها صاحب الفكر المتطرف.

كما أن المتطرف يأخد بطريقة معينة في الفهم، ويرى أن مذهبه أو رؤيته هي الصحيحة؛ ويدل ذلك على الخواء الفكري والإحساس بالضعف في مواجهة الخصوم، وعدم القدرة على فهم القواعد التي تحكم المجتمعات الإنسانية وكيفية إدارة عمليات التغيير المنشودة داخل أي مجتمع.

ويرتبط التطرف بالجمود العقائدي والانغلاق العقلي؛ أي الأسلوب المغلق للتفكير، والذي يتسم بالعجز عن تقبل أي معتقدات تختلف عن معتقدات الشخص أو الجماعة، أو إمكانية التسامح والتعايش معها، كما أن المتطرف يحاول فرض معتقده على الآخرين بالقوة، وفي هذه الحالة يصل إلى مرحلة الإرهاب.

وتلعب الخلفية العقائدية والفكرية، والتوجه السياسي لمن يُطلق تعبير التطرف على شخص أو جماعة، دورًا مهمًّا في تحديد مفهوم التطرف ومن هو المتطرف.

إذ يستعمل تعبير التطرف لوصف أفكار أو أعمال ينظر إليها مُطلقه على أنها غير مبررة من ناحية الأفكار، كما يستعمل لوصف الاتجاهات السياسيه البعيدة عن التوجه السياسي للمجتمع أو السلطة الحاكمة، وكذلك لوصف المنهجيات العنيفة المستعملة لمحاولة إحداث تغييرات سياسية أو اجتماعية.

ولا يطلق شخص أو جماعة على نفسها وصف التطرف، بل يطلقه عليهم الآخرون، وقد يعبر هذا المصطلح عن سوء فهم للآخر، ويرسم صورة ذهنية خاطئة عنه، كما أن تصنيف مجموعة أو شخص كمتطرف قد تكون تقنية لتحقيق هدف سياسي، خاصة لدى الحكومات؛ إذ يستعمل لتمرير قوانين معينة وإقصاء الآخر أو حتى شن الحروب.

ومن الاتجاهات التي توصف بالتطرف النازية، والفاشية، والحملات الصليبية، التفرقة العنصرية، الجماعات التكفيرية الإسلامية.

ولم يرد مصطلح التطرف الديني في الشرع، وقد استعمله بعض العلماء وعُني به الوقوف في طرف الشيء والخروج عن الوسط والاعتدال فيه، وهو يشمل الذهاب إلى طرف التشديد، أو إلى طرف التساهل؛ فالغالي في الدين متطرف، والجافي عنه متطرف، لكن المشهور استعماله في التشدد والغلو.

وضابط التطرف هو المبالغة والزيادة على الحد الشرعي المأذون فيه، فالشرع هو المصدر الوحيد في تعيين مدلول التطرف الديني وإطلاقه على أي قول أو فعل أو سلوك؛ فمن زاد على الحد الشرعي كان متطرفًا، ومن نقص عن الحكم الشرعي كان مفرطًا متساهلًا وكلا المسلكين مذموم شرعًا.

ومن ثم فإذا جاوز المسلم الحد الشرعي في كل شيء بالغلو فيه؛ أي المبالغة في الشيء والتشدد فيه، بتجاوز حدود الشرع في الاعتقاد أو العبادات والمشاعر والسلوك، فقد وقع في التطرف.[9]

والتطرف حالة من حالات التكوين النفسي والفكري الخاطئ لصاحبه يجعله معدًّا للتطرف في العديد من المجالات.[10]

 

هوامش

[1] ابن منظور: لسان العرب، الجزء الخامس، ط 3. بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1999. ص337.

[2] منير البعلبكي: قاموس المورد ط 15. بيروت، دار العلم للملايين، 1981. 96 P. مادة Terror

[3] إمام حسانين عطا: الإرهاب البيان القانوني للجريمة دراسة مقارنة. دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية، 2004. ص97.

[4] www.britannica encyclopedia.com.

[5]– Suzanne Ogden : “Inoculation against terrorism in china”, In William crotty democratic development and political terrorism: the global perspective”, North easter university press, 2005. p. 227

[6]  www.un.org A/res /40/61 2/12/1985

[7] ابن منظور: المرجع السابق، ج 8. ص ص 114- 149.

[8] منير البعلبكي: المرجع السابق مادة Extreme.

[9] صلاح الصاوى: التطرف الديني والرأي الآخر. القاهرة، الآفاق الدولية للإعلام، 1993. ص ص9- 14.

[10] زكي نجيب محمود: رؤية إسلامية. القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1995. ص ص5 10- 109.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد