في خِضم الأحداث التي تسُود المنطقة العربيّة في السّنوات الأخيرة، برز إلى العالم وجهٌ آخر للمُثقّف العربي! والذي قد أُطلِقُ عليه مُصطلح «المُذَرْقَف» حتّى لا يكون والمثقّف في الكفّة سواء، ويمكِنُ حصرُه في فئتين رئيسيّتين، هما: مثقّفو الأبجديّة وباعة المبادئ.

هم فئاتٌ مستفزّة، النّاظر إليها لا يدري كيف يتصرّف؟ أَيكتَفي برميِهم بنظرة احتقارٍ واشمئزاز لأنّ الخوضَ معهم في أيّ جدالٍ سيكون عقيمًا في كلّ الحالات، أم يتصدّى لهم بحُرقة المثقَّف الواعي الذي يغير على أمّته، فيَضعُ حدًّا للامبالاتهم بما حولهم.

إنّ السؤال الذي يطرحُ نفسهُ على هؤلاءِ «المُذَرقَفِين» هو: كيفَ يواجهون هذه الوقائع الصّادمة والدّماء وتهجير الملايين إلى المجهول بهذه البرودة؟ في حين كان من المفروض أن توقِظَ فيهم همّة الحراك في المجتمع.

مثقّفو الأبجديّة هم أولئك الغارقون في نُصوصهم الأدبيّة وتهويماتهم اللفظيّة، فلا يسطرون حرفًا عن الوقائع والأحداث العربيّة من حولهم عالميّة كانت أم دوليّة، يكتفون بالفرجة عن بعد، في شرفاتهم الظليلة أو على أرائكهم الفاخرة عبر شاشات التلفاز، يعتنقون الصّمت أو الحياد، بل وينصرفون إلى الكتابة عن تجاربهم الشّخصيّة وتجريداتهم الذهنيّة في مقالاتٍ أدبيّة لا تخدُم العالم، مثقلة بالبيان والمقولاتِ التي بَطلَ سِحْرُهَا والتي لا تُغيّر في الحياة شيئًا! مختلسة من مُتون نُقَّاد ومُؤَدلجين انتهت فعاليتهم، يشيحون بوجوههم عن الواقع، فلا تهزّهم فواجع الحاضر العربي الذي ينتظر منهم ولو تحليلاتٍ بسيطة أو استقراء لما سيأتي، أن تَصدر منهم ولو كلمة واحدة، المُهم أن يكون لهم موقفٌ يحفّز التقدّم، فتنعكسَ بذلك إشعاعات إبداعهم الأدبي والفكري على الدروب التي تضمخها دماء الضحايا.

لكنّهم يفضّلون السّلامة على المُواجهة، والدّنيا حولهم نهبٌ لحريق، يواصلون الاسترخاء والاتكاء على أفكارهم المُجهضة التي نحَرتها التجرُبة، بأنّهم المبعدُون عن السّاحات المهمَّشون أصحابُ الخبرة والعقول النيّرة والمشاريع المُذهلة الذين تتجاهلهم المؤسّسات، فلم تبذل لهم ما يستحقون من تقدير واعتبار، أفكارٌ سلبيّة تتعاظم بتعاظم الوهم لديهم.

هم باعة التشاؤم والخنوع، تجدهم يتصدّون لكلّ مبادرٍ يحتقرون أحلامه ومشاريعه، لا تُحرك مخيّلاتهم فكرة السّعي نحو مُستقبلٍ أفضَل، بل يزرعون بذور اليأس والتعجيز، ويسقونها من آبارِ الذلّ والرُّضوخ للواقع الذي أصابنا زعمًا منهم أننا نستحقه وعلينا الدّعاء وانتظار بزوغ فجر المعجزات.

يترجمُون الأحداث بما يخدمُ أوهامهم فيتصيّدون الأخطاء من هنا وهناك، ليعلّقوا على عاتقها محنة البلاد وانهيار اقتصادها وما آلت إليه أوضاعها الاجتماعيّة، مكتفين بالشكوى والتحسر وهم يقفون على حافات السلامة ويعتصمون بما يقيهم من الضرر.

أمّا باعةُ المبادئ، فهم فئة تدّعي الرّشاد وهي في حقيقة الأمر تميل حيث تميل بها رياح الجاه والسلطة، هذا الصنف من «مُذَرقَفي السّلطة» لا يقيمون وزنًا لأيّ مبدئ طالما تغنوا به وأظهروا الدفاع عنه، وأكّدوا أنهم يفدونه بأرواحهم، ينحازون دائمًا لما يُطلب منهم ما دام هناك مشترٍ يدفع الثمن!

يتمثّل هذا النّوع بكثرةٍ في دعاة الليبرالية والعلمانية وبعض العازفين على الوتر الإسلامي! وأمثال هؤلاء قد أبرزتهم أحداث العراق، وسوريا، ومصر وأزمة الخليج، وحتّى لا أكون من المُجحفين فإنّ من الليبراليين والعلمانيين من بقي ملتزمًا بما نادى به على قلّتهم.

إنَّ حديثي هُنا لا يشملُ السّياسيّين، بل يتضمّن الطّبقة التي تدّعي الثقافة من إعلاميّين وكتّاب، والتي يفترض فيها النزاهة والثبات على المبادئ التي يتبنّونها.

فمثلاً، «مذَرْقَفي» السلطة السورية، سواء أكانوا من مُدّعي التديُّن مثل كلابِ الدّولة كالمُفتي وغيره، يعلمون أنّ الأسد لم يصل إلى الحُكم بطريقةٍ شرعيّة ديمقراطيّة، ومُدركون جيّدًا لما يجري حولهم في السّاحات السياسيّة والجرائم اليوميّة التي تُرتكبُ في حقّ الشعب الذي كان ذنبُه الوحيد أنّه طالب بحريته، لكن رغم ذلك فهم لا يعترفون بذلك، بل ويقفون إلى جانبِ حاكِمهم «العادل»!

أمّا في مصر، رغم أنّ الرئيس السّابق «محمّد مرسي» حقق قواعد «اللعبة الديمقراطية» التي يُندد بها علمانيو مصر، فوصلَ إلى الحُكم بطريقة ديمقراطيّة نزيهة، إلاّ أنّه باعتباره شخصًا وتنظيمًا لا يُحقّق مصالحهم بل ويُهدّدها، فكان لا بدّ من خلعه ولو كان ثمنُ ذلك حكمًا عسكريًا مستبدًا.

وعلى إثر ذلك اعتقل كلّ من كان من المُحتمل أن يقِفَ في وجه الانقلاب من إعلاميّين وغيرهم ممّن لهم نفسُ التّوجّه، هُنا كان على الفئة المثقّفة – إيّاهُم -أن تُقيم الدّنيا ولا تُقعِدها انتصارًا للحريّات التي لطالما تنادوا بها وهزّوا العالم بضجيجهم من أجل الدّفاع عنها كما يزعمون، لكنّهم ضربوا كلّ ذلكَ عرض الحائط، فسقطوا سقوطًا مدويًّا، ومع معرفتي المُسبقة بتلونهم إلا أنني لم أكن أتوقع أن يصلوا إلى هذا المستنقع الذي وصلوا إليه!

ورغمَ كلّ الأزمات الحاصِلة في مصر مُنذ الانقلاب إلى يَومنَا هذا، من قرارات اعدام في حقّ شباب ٍ بريء، واختطافات وتفجيرات… وغيرها من وسائل تُمارسُها السّلطة لطمس الدّين وكل من ينتمي إليه ويدعو له من الإخوان المُسلمين أو غيرهم من أفراد وجماعاتٍ ذات المنهج الإسلامي، ناهيك عن الأوضَاع الاجتماعيّة المتقهقرة التي قسمت ظهر الشّعب، كلّ هذا وما زال هؤلاء المُذرقفين من كلاب الدّولة يندّدون «هننتخبه ثاني عشان يبنيها»! أيّ بناء بربّكُم؟!

وفي أحداث الأزمة الخليجيّة، انقسم المُثقّفون العرب إلى مؤيّدين للمقاطعة، وهم كما وصفهم الأستاذ صلاح القادري بالتابعين الذين لا يملكون في القرار ناقة ولا جملًا، فهؤلاء وقعوا في فخ الاصطفاف السياسي الأعمى بتأييدهم للحصار، رغم عِلمهم المُسبق بأنّها أزمةٌ مُفتعلة، لها أهدافٌ خفيّة أبعد ممّا صُرّح به، في حين لزمَ آخرونَ الصّمت وتحفّظوا على رأيهم فلم يصدُر منها أيّ موقف.

إنّ هذه ما هي إلاّ أمثلةٌ عن البؤس الفكري والعهر الإعلامي الذي يَجتاحنا، ففي كلّ مرّة تحصُل صِدامات بين الحقّ والباطل في السّاحات السياسيّة ويقع الأبرياء ضحايا أمام حيوانات السّلطة، تجِدُ هؤلاء «المُذرقفين» من الإعلاميين والكتاب لا يقولون كلمة حقّ واحدة، يظلّلون الشّعوب بتصريحاتهم المغلوطة، ويختارون الانسياق وراء الادّعاءات غير المبرّرة، والانسلاخ من أي تفكير عقلاني رصين، ولن أقول أخلاقيًا، فالأخلاق باتت نسبيّةً في منطقتنا، أمّا المبادئ فهي تحت الأقدام! ويتبنّون بدل ذلك مبدأ النفاق السّياسي، وهذا الأخير ليس وقفًا على فئة أو دولة دون أخرى، بل هو منحى اتّخذه أغلب المستبدّين العرب، من أجل سلطة زائفة علموا مسبقًا أنّهم لن يصلوا إليها، هي طريقةٌ بائسة قد جعلت من المثقفين قيمة رخيصة بائسة، يَنظُر إليهم المُثقّفُ الواعي نظرة ازدراء واحتقار رفسُوا مبادءهم في سبيل تحقيق مصالحهم أما نفاقهم فحدث عنهم ولا حرج، وهذا ما يمثل قمة الانحطاط!

إنّ حاجتنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى ثورة على الأهواء، وإلى تخلّي كلّ مثقّفٍ عن نرجسيّة اللامبالي التي يرتديها، فالواقع الذي نعيشه اليوم شاء أم أبى هو جزءٌ لا يتجزأ منه، يؤثر فيه ويتأثّر به، حقيقة لا مفرّ منها مهما استغرقه ذهول السّادرين في الكهوف، وإلى الالتحام بهويته الإسلامية والعربية التي تبني ولا تهدم، أما دجاجلة الإعلاميّين ومدعي التدين فهؤلاء لهم مزبلة التاريخ، وبئس المكان!

المُذَرقف: مصطلح شعبي ابتكره الأستاذ إبراهيم عتيق هواري، وهو دمج بين كلمة «الذر» وهي كلمة جزائرية عاميّة تعني الفتى غير البالغ، وكلمة مثقّف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد