فيك انطوى العالم الأكبر، هنا داخل جدران صرحك العالي تعيش دولة ومملكة، ومشاعر وأفكار، وحركات وذبذبات، وخبطات وإحباطات، نجاحات وابتسامات، تردد وحيرة، قهر وكسرة، قلب وقبضة روح، واختلال في المفاهيم، وأفكار متلاحقة، وعقل عن إدراكها أو صدها عاجز.

هذه هي الصورة المصغرة لبعض الحالات التى تعتري هذا الإنسان الضعيف االموكل بحمل أمانة هذه الأرض.

كيمياء وسر إلهى وذبذبات تتحرك بدواخلنا. صور تظل في الذاكرة ومشاعر تحفر داخل القلب، تراكمات من الهم والوهم، أفكار وأفكار وميزان مختل من الأزمات .

وما إن اختلت إحداهما اختلت معه أفعالنا، وإن اختفت عمن حولنا، فنحن ندرك هذا الاختلال، فالحقيقة أننا جميعنا مرضى نفسيون بدرجات مختلفة؛ نتيجة تربية أو أفكار أو صور أو كلمات أو مجتمع وضعنا داخل «أكليشيهات» و«بروايز» وأصبح علينا أن ندخل داخلها ونبتسم؛ كي «تطلع الصورة حلوة»، مُرضية لمجتمع مريض، أو ليس له معايير واضحة.

ولكن هل يعيق المرض النفسي الحياة؟

عالم الفيزياء الشهير «جون فوربس ناش» الفائز بجائزة نوبل كان يعاني من انفصام، وكان يظن أن هناك شخصًا يعيش معه في الغرفة.

وفان جوخ كان يعاني من مرض الاضطراب ثنائى القطبين، والذي يتميز مريضه بأن حالته المزاجية تتأرجح ما بين الاكتئاب إلى الهوس مع فترات من المزاج الطبيعى بين هذين القطبين المتضادين.

وأبو حيان التوحيدى الذى يعتبر من الفلاسفة العباقرة فى التاريخ الإسلامى يقال إنه أصيب فى أواخر أيامه بالاكتئاب الشديد، وانخفاض المزاج، وأحرق جميع كتبه، ومؤلفاته؛ نظرًا لأنه كان يعيش فى عصر ملئ بالمنافقين والكاذبين والوشاة، وهو كان يتميز بالعبقرية الفذة والحساسية الشديدة، فلم يحتمل الحياة، وأصيب بالاكتئاب، والرئيس الأمريكى السابق إبراهام لنكولن، وملكة إنجلترا السابقة إليزابيث الأولى، والكاتب الإنجليزى الشهير تشارلز ديكنز.

وبيكاسو الرسام أصيب بمرض الفصام، والذي يتميز مريضه بنظرة مغايرة للواقع وعدم القدرة على التواصل الاجتماعى. إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية الأرضية الذي كان يعرف بأنه غريب الاطوار ويميل للعزلة…

ومن حولنا أصبح المرض النفسي من الأمور المعتادة، والتى لا تتعجب إن أدركت أن أحد أصدقائك يذهب للعلاج النفسي، ليس لضفعنا، ولكن لاختلالات تراكمت من صور صورتها العين من العالم الخارجي؛ فانعكست صورتها داخل الروح، وانغرست، وظلت تكبر حتى تشوهت ملامحها، فعبرت عن ضعف وعدم قدرة على الاستمرار في مواصلة الحياة.

لربما كبرنا ورأينا الكثير، لكن مازال هناك الأمل في أجيال أخرى تدرك أنه حينما تمرض النفس، فالعلاج ليس عارًا، بل هو حقها، فالنفس هي رأس المال، والتى بها تسير في عجلة الحياة.

لكن المرض النفسي ليس عائق عن الإبداع، بل كما يقال إن الابداع يتولد من المعاناة، ولا يوجد أشد من معاناة النفس البشرية، فلا تتعجب إن رأيت أن أكثر الناس إبداعًا هم أكثرهم تألمًا وأنينًا صامتًا داخل الروح يتحرك في صورة إبداع مستتر .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد