تتسارع الأحداث والتصريحات وردود الأفعال في الإقليم الذي نحيا فيه، ويتزامن مع ذلك موجة عارمة من التصنيف والتصنيف المضاد، ومهما حاول الإنسان أن ينأى بنفسه، ويغمد قلمه، أو حتى يصل إلى حد من المازوشية فيقطع لسانه، يضطر إلى الكلام والكتابة وليس بالضرورة أن تكون الكتابة ردًّا.

يشكل الكلام النابع من أصحابه، إن تصريحًا أو ردًا، يشكل ذلك الكلام حقيقة ما يحتويه الوعي الفردي عندنا، وما يتم تشكيله في اللاوعي كمخزون للحظة كلام أو كتابة، من المهم حينها الحديث عن طبيعتنا في الاختلاف حول أي مسألة، حيث نضطر للعودة إلى مربع قبول الآخر وتصنيفه، بما أننا نحيا في زمن ناتج مباشر عن مرحلة الاستعمار المباشر، حكامًا وشعوبًا، واللاعب الأساس في تشكيل هذا الوعي كان بريطانيا بسياستها الشهيرة «فرق تسد»، فوصلت هذه السياسة حدًا لا يمكن التعايش معه، حيث يرى الفاعل الناشط نفسه مفضلًا على من يسميه القائل، ويرى المنظر نفسه على الحق المطلق في حين يعتبر المتلقي عنده خطأ يمشي على الأرض، ويرى الحر في التنقل والتصرف والقول نفسه ملكًا في حين من تعاديه الظروف والأنظمة الشمولية يعتبر عبدًا على أحسن تقدير أو أَمَة عليها الاحتجاب، وهكذا دواليك فمن يتكلم من أي فريق يهاجمه الفريق الآخر بضراوة نمر جائع يقتل للمتعة ليس إلا.

ولو نظرنا في الأمر، لوجدنا أننا نتحدث عن أمة أقرب للشلو الممزق منها للكيان الواحد وإن بصورة وجدانية، وربما تجد حالًا مشابهة لفترة الردة الكبرى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالأعراب ينسلخون من العروبة والإسلام والقومية شيئًا فشيئًا، متحصنين بجدر من المال الزائل، ومتسلحين بأمريكا وسياساتها وزبانيتها في المنطقة، ومن ثم يزحفون بعد الانسلاخ من العروبة إلى حضن عدو الأمة الأبدي؛ ألا وهو الكيان الصهيوني، وما يستتبع ذلك من تطبيع وتضييع للهوية، وبما أنهم نتيجة مباشرة لسياسة بريطانيا الراعي الرسمي لوجودهم قبل أن تتبناهم أمريكا، وحجهم الموسمي إلى لندن يأتي تحت باب صلة الرحم لا السياحة الترفيهية، وهم الآن معول هدم في جسد الأمة لا ساعد بناء.

كما تجد الفرس الكسرويين يحتلون العراق وسوريا وجزءًا من لبنان، ويحاولون في اليمن في مغامرة طرفها الآخر الأعراب، ويمتاز الفرس بالقدرات والمال، والأهم تصدير الثورة. وهنا يستغل الفرس الحالة العامة للأمة وتشتت ولاء جماعاتها الكثيرة، لإقحام نفسها ككيان مؤثر ذي قيم وأخلاقيات ومبادئ ومحور ممانع.

يبقى في الصورة المختفية جزء مهم؛ ألا وهو الأقليات المتناثرة في الإقليم، والتي تشكل المدخل المباشر للغرب، بعنجهيته وصلفه، لإقرار الواقع الذي يريد، وهذا الواقع للأسف يعني دويلات ذات طابع عرقي قومي بحت وبصبغة واحدة، فدولة للأكراد وأخرى للأمازيغ وثالثة للنصيريين ورابعة للمارونيين وهكذا حتى نصل إلى تجزيء المجزأ، وتقسيم المقسم عنوة.
بعد كل هذا الحديث نصل إلى حالتنا الفكرية والسياسية، فنحن ننظر للصراع مع العدو على أنه كل شيء إلا كونه عقديًا، وننظر للمخالف حتى وإن في شرح كلمة تحتمل التأويل على أنه كافر خارج من الملة، شاق للصف الوطني والقومي وثاقب للأوزون.

من هنا يمكن القول إننا نقف بين فسطاطين رئيسين، فسطاط الواقعية المتعلقة بالجزء؛ أي الوطن بصيغته الناتجة عن الاستعمار، وهنا تأتي شعارات الجزء أولًا، والجزء فوق الجميع، أو أكبر من الجميع، وعليه تكون النظرة السياسية والفكرية جزئية، أي متعلقة بطبيعة الجزء المسمى وطنًا، حيث يشكل هذا الفهم الجزء الأول من منظومة الردح العربي المعاصرة.

يبقى الجزء الثاني من الصورة؛ أي المكون الآخر لمنظومة الردح العربي المعاصر، وهو فسطاط الأمة؛ أي الذين يتخذون وحدة الأمة هدفًا وغاية، من خلال وسائل متعددة ومؤصلة عند كل فريق، يختلف أنصارها حولها إلى حد التشرذم. وربما أصاب جزءًا من هذا المكون حساسية مفرطة تجاه أي كلمة أو قل حرف سواء من معسكرها أم المعسكر الآخر، وطبيعة أنصار هذا المكون طبيعة دينية أي أن الخلاف يكون بصورة ما مؤديًا إلى حتميات معروفة فقهًا، ذروة سنامها التكفير.

بعد وصف حالة التشظي الملازمة للمكون السني من الأمة، يبقى السؤال عن الحل. وربما يكمن الحل في إعادة التموضع لجميع أفراد الأمة، وإعادة تعريف العدو، العدو بمعنى من يعادي الأمة ومحاولات النهوض بها، وهنا يصبح ساسة الأعراب أعداء، سواء بسواء مع مغتلمي الفرس المتترسين بالتقية، وكذلك كل من يسعى لإقامة كيان جزئي يزيد من حالة تشرذم الأمة وتمزقها.

وهذا الحل ليس من باب التنظير، بل من باب الاقتداء بالعدو في سياساته القائمة على المفاصلة والدعم للتشرذم، وهذا الحل يستوجب على المكون السني، وهو الأغلبية، أن يدعم بعضه بعضًا بصورة فعلية، لا بصورة قمم المترفين المتخمة بالشعارات، والتنظير الفارغ، وإلا فلا لوم على مظلوم يقبل معونة عدو لمواجهة عدو أخطر، وفي صفه أعراب وأموال ونخب فاسدة.

يبقى أخيرًا الحديث عن الحالة الوجدانية التي يعانيها شق معادلة الجهاد، ألا وهي حالة الصبر ففي معادلة الجهاد هناك مجاهد وصابر، وهي حالة يمكن اعتبارها سنة من سنن الكون، ولكن الصابر يجب أن يشعر بالعلو والعزة كما المجاهد لا أن يذل في عين نفسه فيهون في عين شقه المجاهد قبل أن يستبيحه عدوهما معًا. والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد