عجبًا لهؤلاء الأشخاص الذين يتظاهرون من أجل العيش والسكر، خرجوا وتجمهروا من أجل بطونهم لا من أجل كرامتهم، وتبًا لحاملي الماجستير والدكتواره وكل من يتظاهر من أجل مطالب فئوية، فكيف لهم أن يتظاهروا ويعبروا عن مشاكلهم في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، غير واضعين في اعتباراتهم أننا نحارب الإرهاب وفي فترة عصيية وعلينا التحمل وعليهم من الله ما يستحقون، تلك الفئة التي تطالب بعودة الشرعية وبإسقاط النظام، حيث الإفراج عن الرئيس المعزول ورموز نظامه.

هكذا أصبحنا وتفرقنا، وبهذه اللهجة صرنا نتحدث، بعد أن باتت الخيانة والعمالة وعدم الانتماء، كلمات نتهم بها بعضنا البعض في كل وقت وحين، لذلك اعتقد أن بهذا الشكل والتفكير لم تقم ثورة بعد اليوم في بلدي مصر .

فالمظاهرات أو الاحتجاجات تعني خروج جماهير غفيرة من الناس أو فئة بعينها، تشعر بالظلم والاستبداد تجاه شيء معين، فتخرج إلى الشوارع والميادين العامة للمطالبة بحقوقهم التي سلبت منهم، تكون أحيانًا فئوية أو عامة، فالأولى تقتصر على أصحاب المشكلة نفسها وعدد الخارجين فيها ليس بالكثير الذي يعطل حركة المرور، ولا بالقليل الذي يستهان بتجمهره.

والثانية يخرج فيها جميع فئات الشعب، وتتمثل في خروج جماهير غفيرة من كافة الطبقات، جمعت نفسها بنفسها على قلب رجل واحد، من أجل إيصال صوتهم معبرين عن المشكلة التي يعانون منها، وعن رغبتهم في التغيير وإصلاح حالهم للأفضل، وغالبًا ما تكون هناك أزمة كبيرة أو عدة أزمات يعاني منها أغلبية الطبقة الكادحة من الشعب، بجانب بعض التعديلات التي تخص نظام الحكم في البلاد والوضع السياسي القائم، لكن المبادرون بالنزول هم الأشجع والأقوى في المواجهة.

ويطلق عليها ثورة، حينما تتحول هذه التظاهرة الكبيرة إلى أكبر، ويشجع الناس بعضهم البعض، فينكسر الخوف في قلوب من اعتادوا الجلوس في البيوت ومشاهدة برامج التوك شو، ويظهر التأييد من بعيد لبعيد لهذا الحراك الحادث في الشواع، فيقررون النزول والمشاركة، وثورة 25 يناير خير دليل على ذلك .
وفي مصر، أعتقد أنه لا ثورة بعد اليوم، بعد أن أصبح الشعب منقسمًا لأكثر من فئة، فئة تتظاهر تنديدًا بالاعتقالات والاختفاءات القسرية والوضع المزري داخل السجون ودماء الشباب الذي يضيع هباءً .
فئة أخرى تثور من أجل عودة الرئيس المعزول محمد مرسي للحكم، والإفراج عن رموز نظامه الذي حكم البلاد بعد ثورة يناير .

فئة ثالثة، رأيناها تثور من أجل الأرض إبان تنفيذ اتفاقية تيران وصنافير والتنازل عنهما للمملكة العربية السعودية، وقد صمدت حتى النهاية رغم الاعتقالات التي حدثت للكثيرين من الشباب، ومازال منهم حتى الآن من هم داخل السجون .
وفئة أخيرة تقدم رجل وتؤخر الأخرى، ولم تحسم قرارًا نهائيًا في مسألة الخروج والتنديد بالأحوال الاقتصادية التي تعيشها البلاد بعد تنفيذ قرار تعويم الجنية إلا حينما يتعقد الأمر، وهؤلاء رأيناهم بوضوح في أزمة ألبان الأطفال، ارتفاع ثمن السكر واختفاؤه من الأسواق، وعدم صرف الخبز لأصحاب البطاقات الورقية.

ولن تقوم ثورة فيك يا بلادي إلا إذا تجمعت كل هذه الفئات في الشوارع والميادين متفقين على مطالب محددة، هي نفس مطالب ثورة يناير، عيش حرية عدالة اجتماعية، وأرى أنهم لن يتجمعوا إلا حينما تأتي الهداية من عند خالق البرية، لأن كل فئة تسفه وتتفه من أسباب نزول وتظاهر الفئة الأخرى، وترى في مطالبهم حقًا، لكنه غير مشروع في هذه الآونة بل الأحق والأولى مطالبهم هم .

لذلك سيبقى الوضع على ما هو عليه، حتى تقتنع كل فئة بأهمية تحقيق مطالب الفئة الأخرى، ومساندتها والوقوف بجوارها من أجل الالتحام والقوة التي تأتي من الكثرة والإيمان بمبادئ ثابتة، والإصرار على تحقيقيها مع إرادة وعزيمة قوية نحو تحقيق حياة كريمة وآدمية تليق بالمواطن المصري وبمكانة مصر في الشرق الأوسط، وأن نراعي ضمائرنا ونخاف الله في جميع تصرفاتنا وأفعالنا، لأن الله سبحانه وتعالى لا يصلح عمل المفسدين.

ويقول جل جلاله في كتابه العزير، بسم الله الرحمن الرحيم  «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» صدق الله العظيم .

إذن فكلنا فاسدون إلى أن يثبت عكس ذلك، وحينها سينصلح حال البلد ويعم الرخاء والأمن والآمان وننعم بالحرية والحياة الآدمية الكريمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد