لا يخفى على أحد الدور الكبير الذي لعبه مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية السابق، والحائز على جائزة نوبل، الدكتور محمد البرادعي، في مسار التغيير الذي حدث في مصر بعد عودته إليها في 19 فبراير (شباط) 2010، وإعلانه تأسيس جمعية وطنية للتغيير من أجل الضغط على النظام لتعديل الدستور، وإلغاء الطوارئ، وإجراء انتخابات شفافة من أجل نقل سلمي للسطلة من نظام استمر 30 عامًا كاملة، وفي نفس العام دعا البرادعي إلى مقاطعة انتخابات مجلس الشعب الهزلية، وحاول إقناع الإخوان المسلمين وحزب الوفد بعدم خوض هذا السباق، الذي انتهى بتزوير فاضح وسيطرة حزب السلطة على جميع مقاعد المجلس، وخروج الإخوان والوفد خاليي الوفاض.

(المصدر: Wikipedia)

حاول النظام اغتيال البرادعي سياسيًّا ومعنويًّا عبر إطلاق شائعات بأنه السبب في غزو الولايات المتحدة للعراق، وأن ابنته متزوجة لشخص بريطاني مسيحي، كما سرب النظام صورًا عائلية خاصة بأسرة البرادعي تخترق حرمة حياتهم الشخصية، وذلك للتأثير في الرأي العام بأي شكل ممكن.

وأثناء الثورة تعرض البرادعي مثله مثل باقي المشاركين في الثورة لعنف قوات الأمن المركزي، وأثناء خروجه يوم جمعة الغضب من مسجد الاستقامة عقب الصلاة، قامت القوات بمهاجمته هو والثوار بخراطيم المياه، وقنابل الغاز.

(المصدر: Wikipedia)

إلا أن البرادعي الذي رآه مئات الآلاف من الشباب رمزًا للتغيير، وأملًا في إرشادهم لطريق بناء الوطن على أساس ديمقراطي، وطموحهم أن يتولى رئاسة الجمهورية، أو على الأقل رئاسة حكومة تكون نواة لتنفيذ مشروع تغيير حقيقي، لم يقم بأي من ذلك مسببًا خيبة أمل كبيرة لقطاعات واسعة من الشباب الذين آمنوا به، وبقدرته على قيادة الجموع الثائرة نحو المستقبل، وخصوصًا بعد مغادرته أرض الوطن في أغسطس (آب) 2013، عقب تقديمه استقالته من منصبه نائبًا لرئيس الجمهورية للشئون الخارجية، وانقطاعه عن أي عمل سياسي أو حزبي، مع اكتفائه بتغريدات من حين لآخر على تويتر.

ظل البرادعي صامتًا من وقتها عن أي لقائات تلفزيونية أو صحفية، وظل الجمهور متشوقًا لمعرفة ما في جعبة هذا الرجل من معلومات وأسرار كثيرة، وخصوصًا وأنه شارك في العديد من الأحداث المصيرية مثل مشاركته في تأسيس جبهة الإنقاذ في 24 نوفمبر (تشرين ثان) 2012 بعد الإعلان الدستوري الشهير الذي أصدره رئيس الجمهورية وقتها الدكتور محمد مرسي، وأيضًا لمشاركته في أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، وظهوره مع القوى الوطنية في بيان 3 يوليو (تموز) 2013، الذي أذيع تليفزيونيًّا لإعلان إطاحة الرئيس مرسي، وبدء خارطة طريق جديدة، وأيضًا خلال الفترة الانتقالية الذي ترأس فيها رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور البلاد، مرورًا بأحداث فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس (آب) 2013، الذي قدم بعدها مباشرة استقالته، وغادر البلاد.

خرج البرادعي عن صمته أخيرًا، وتحدث للمذيع خالد الغرابلي عبر سلسلة حوارات أسبوعية تحت عنوان «وفي رواية أخرى» تذاع على قناة العربي التي تبث إرسالها من لندن بالمملكة المتحدة، وفي الحلقة الثالثة من السلسلة ألقى البرادعي الضوء على الفترة منذ عودته للقاهرة في فبراير (شباط) 2010، وحتى مايو (آيار) 2012، عشية انتخابات رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من كم المعلومات التي كشف عنها البرادعي، وخصوصًا حول دور المجلس العسكري في الفترة الانتقالية، ودور الإخوان المسلمين، إلا أن رؤيته ظلت غير واضحة ومشوشة لدوره الشخصي في الثورة، وفي الوضع السياسي عمومًا، ولخصت الحلقة مجموعة أخطاء وقع الرجل فيها، وكان يمكن تفاديها بسهولة، بل وربما تفادي المسار التي وصلت إليه مصر حاليًا، وتحويله إلى مسار آخر يضع البلد على طريق عملية تحول ديمقراطي حقيقية.

(المصدر: alaraby .tv)

الخطأ الأول: لا رؤية

منذ قدومه لمصر كان الدكتور البرادعي يروج لفكرة التغيير، ولأفكار سامية ومجردة تخص الحرية والعدالة والكرامة… إلخ، لكنه لم يستطع صياغة ذلك في شكل رؤية متكاملة لمستقبل مصر، لا قبل الثورة ولا بعدها. وعلى سبيل المقارنة، كان للقائد والملهم المهاتما غاندي رؤية للتغيير في الهند أثناء مقاومته للاحتلال البريطاني، تتمثل في استقلال الهند، وتحقيق تنمية إنسانية شاملة، عبر تفعيل العمل الاجتماعي والخدمات المجتمعية، وإحياء الثقافة والتراث الهندي، وغرس ثقافة اللاعنف والتعايش بين أطياف المجتمع الهندي، والترويج لثقافة العيش البسيط والتأمل العميق. كانت هذه رؤية ملهمة للشعب الهندي للالتفاف حول الرجل الذي كانت حياته تطبيقًا عمليًّا لهذه الرؤية. البرادعي لم يشكل لجماهير الثوار أي رؤية، فقط مجرد فكرة ورمز.

الخطأ الثاني: لا برنامج

أيضًا لم يضع البرادعي بعد الثورة برنامجًا أو خارطة طريق تستطيع مساعدة الشعب المصري على تحول ديمقراطي حقيقي، والسير على خطى التنمية. وحتى بعد تأسيسه لحزب الدستور في 2012 لم يستطع قيادة الحزب في وضع برنامج يستطيع في المستقبل المنافسة به لقيادة الحكومة، أو تقديمه مقترحًا يساعد به القيادة السياسية –أيًّا كانت- في وضع سياسات اقتصادية واجتماعية وأمنية وثقافية ودبلوماسية كاملة ومفصلة، تتحول لخطط تنفيذية ببرامج زمنية. فقط كتب مقدمة لبرنامج محدود تقدم به بعض الشباب للحزب باجتهاد شخصي محدود للغاية. لكن الرجل لم يتسغل إمكانات الحزب أو الشباب أو العديد من الشخصيات المهمة والمؤثرة التي التفت حوله في وضع مثل هذا البرنامج الوطني.

الخطأ الثالث: لا سياسة

لم يمارس الدكتور البرادعي أبدًا لعبة السياسة، والتي هي «فن الممكن» بتعبير المستشار الألماني «بسمارك»، وكما قال في البرنامج كان دوره منحصرًا في إعطاء النصائح. البرادعي كان له ظهير شعبي على الأرض يمكنه من الضغط سياسيًّا وتحقيق مكاسب عظيمة ومؤثرة للثورة، لكنه لم يفعل، ولم يستطع استخدام أوراقه السياسية إطلاقًا. في أحداث محمد محمود بنوفمبر (تشرين ثاني) 2011؛ احتجاجًا على فض اعتصام مصابي الثورة بميدان التحرير بالقوة، كانت الأحداث قد أثارت غضب شعبي عارم، وكانت حكومة «عصام شرف» على وشك السقوط، وكانت مطالب الشباب تشمل تشكيل حكومة جديدة برئاسة البرادعي، وبحسب البرادعي لم يكن لدى المجلس العسكري مانع، إلا أن الإخوان معترضون عليه كشخص، وبحسب كلامه أيضًا فقد تحدث إلى الدكتور «سعد الكتاتني» -أمين عام حزب الحرية والعدالة ورئيس مجلس الشعب لاحقًا- ونفى الرجل وجود أي فيتو من الإخوان على البرادعي. لماذا إذًا لم يتقدم البرادعي ويستجب لطلب الميدان، وينتزع للثورة حق تشكيل الوزارة؟ لا إجابة، لا سياسية.

الخطأ الرابع: لا دبلوماسية

واحدة من أهم أدوات البرادعي هي «الدبلوماسية» التي يمارسها الرجل منذ التحاقه بوزارة الخارجية المصرية في 1964، ثم مشاركته في تمثيل البلاد في بعثتها الدائمة للأمم المتحدة، وعمله عام 1974 مساعدًا لوزير الخارجية إسماعيل فهمي، والتحاقه بالوكالة الدورية للطاقة الذرية عام 1984، واختياره رئيسًا للوكالة لثلاث مدد. وبطبيعة عمله، فلدى البرادعي شبكة عملاقة من العلاقات في جميع أنحاء العالم، تضم وزراء وسفراء ومؤثرين ودبلوماسيين ورجال فكر ورأي. إلا أن تلك الأداة لم يظهر أثرها جليًا أثناء إدارة البرادعي لمجهوداته أثناء الثورة، وبعدها. كان يمكنه استخدام علاقاته في تقديم دعم سياسي واقتصادي لمصر؛ بل ولدور الربيع العربي جميعًا، كمشروع مارشال لضمان استقرار سريع لتلك الدول، وعدم تعرضها لأخطار أمنية وإرهابية وتقسيم وتدخل من قوى إقليمية، وانهيار اقتصادي مثل الذي نعيشه حاليًا في دول مثل سوريا واليمن وليبيا. إلا أن رؤية البرادعي كانت محدودة، واستخدامه لأدواته المتاحة كان أيضًا محدودًا. وهنا لا نحمل الرجل فوق طاقته، فقط نستعرض إمكانيات وخيارات كانت موضوعة على الطاولة، ولا نعرف تحديدًا لماذا لم يستخدمها.

الخطأ الخامس: لا قراءة للواقع

لم يحسن الدكتور البرادعي قراءة واقع المجتع المصري الغارق في تهميش سياسي، وسيطرة حكم الفرد الواحد منذ ثورة 23 يوليو (تموز) 1952. المجتمع الذي تم تجريف وعيه وثقافته وتعليمه وإغراقه في مستنقع الفقر والمرض والجهل. وبالتالي فمتوقع أن يحتاج هذا المجتمع مجهودًا كبيرًا وتعاونًا مع أطراف عدة، وشركاء كثيرين من النخبة المصرية لعلاج أمراض هذا المجتمع على مهل؛ ليتعافى رويدًا رويدًا ليصبح قادرًا على المشاركة الحقيقية في تحول ديمقراطي مؤثر. إلا أن البرادعي صدم عندما قدم إلى مصر، وربما شعر بالإحباط أيضًا من عدم قدرة المجتمع على التحرك بسرعة، ومدى تأثير القوى الرجعية فيه، وشعوره بالقلق من غموض التغيير القادم. وعلى الرغم من أن البرادعي تنقل في أغلب محافظات مصر في 2010 للترويج لفكرة التغيير والانتقال السلمي للسلطة، إلا أن قراءته لواقع المجتمع كانت استسلامية، وفضل مخاطبة المصريين عبر تويتر (الذي كان يستخدمه مجموعة محدودة في هذا الوقت)، بدلًا من مخاطبة القاعدة الشعبية الحقيقية برؤى واضحة تطمئنهم، وتبث الحماس فيهم من أجل التغيير والبناء.

الخطأ السادس: لا استعداد للمخاطرة

عندما خرج الشباب يوم الثلاثاء 25 يناير (كانون ثاني) 2011، مطالبين بالتغيير، كانوا مدركين حجم المخاطرة الذين هم مقبلون عليها، كان يمكن القبض عليهم جميعًا، وإيداعهم المعتقلات، وإيذاء عدد كبير منهم (وهو ما تم حقيقة في فض الاعتصام بميدان التحرير مساء نفس اليوم). كان على البرادعي أن يصبح أكثر جرأة، وأكثر قدرة على المخاطرة، وخصوصًا مع الظهير الشعبي والمكانة الدولية التي يحظى بها. حس المخاطرة كان يمكن أن يدفع به ليكون رئيسًا للجمهورية، أو رئيس للحكومة، أو أن يصر على إنشاء مجلس رئاسي يتسلم السلطة من المجلس العسكري في 2011، أو يصر على تأجيل التصويت على التعديلات الدستورية الكارثية التي دعا إليها المجلس العسكري مباشرة بعد الثورة. لكنه افتقد هذا الحس بشدة، رغم شبكة الأمان التي كان يمكن أن تؤمن كل خطوة قوية يبادر بها.

الخطأ السابع: لا تفعيل للشباب

لم يلتف الشباب المصري حول شخص مثل التفافهم حول البرداعي منذ 2010 وأثناء الثورة، كم الحب والاحترام والمشاعر القوية والاستعداد للاستجابة لقيادة هذا الرجل كان عظيمًا. إلا أن البرادعي لم يحسن استخدام كل هذه الموارد البشرية الشابة الممتلئة طاقة عظيمة في لحظة استثنائية، وتاريخية مثل لحظة الثورة والفترة التي تلتها. كان يمكن للبرادعي عبر حزب الدستور أن يطلق برامج إصلاحية اجتماعية، ومدينة شاملة تمتص طاقة الشباب وتحولها لعمل نافع، كان يمكن للحزب أن يمحو أمية مصر كلها في ثلاثة سنوات فقط، كان يمكن أن ينظم قوافل توعية سياسية تجوب مصر شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، كان يمكن أن يطلق قناة تليفزيونية، وجريدة تساهم في رفع الوعي في كل مكان، كان يمكن أن يؤسس بنكًا للتمويل الجماعي مثل تجربة بنك جرامين الذي أطلقها قائد الحراك المدني البنغالي محمد يونس لدعم المشروعات متناهية الصغر التي أصبحت عمودًا للاقتصاد البنغالي فيما بعد. كانت هناك آلاف الأفكار التي يمكن أن تستوعب طاقة الشباب بشكل منظم، لكن ذلك لم يحدث.

الخطأ الثامن: لا نفس طويل

قال البرداعي أنه اتخذ قرار الرحيل عن مصر أكثر من مرة بعد أحداث الثورة، لأنه لم ير أي فائدة في وجوده، أو في استعداد الشعب المصري أو قياداته التقليدية للعمل على تغيير حقيقي. نفس البرادعي قصير للغاية، والثورات تحتاج عشرات السنين لكي تنجح، وحتى هو استشهد في برنامج «وفي رواية أخرى» بالثورة الفرنسية (1789) التي استغرقت 80 عامًا كاملة حتى بدأت تحقق أهدافها، وتعرضت لنكبات كبيرة مثل التي تتعرض مصر لها حاليًا، حتى نجحت في القضاء على الملكية الاستبدادية، وإعلان جمهورية حقيقية في 1871. لكن على الرغم من اعترافه بطبيعة التغيير التدريجي، وطويل الأمد التي تحتاجه الثورات، لم يستطع البرادعي صبرًا، وشعر بالسأم واليأس سريعًا.

الخطأ التاسع: لا تحالفات

لم تقرأ قوى الثورة طبيعة المشهد السياسي والاجتماعي في مصر جيدًا، كانت منتشية للغاية بنجاح إطاحة مبارك، وبقدرة الجماهير المحتشدة في كل أنحاء مصر على التغيير، ولم تنتبه إلى القوى التقليدية الكبرى الموجودة في البلاد، من مجلس رئاسي، وبيروقراطية عتيدة، وإخوان مسلمين، وتيار سلفي، ورأسمالية لها مصالح… إلخ. كان يمكن بناء تحالف مع القوى التقليدية على أرضية مشتركة لتحقيق سلسلة أهداف بشكل أسرع، وبأقل تكلفة، ودون صدامات. وهذا بالضبط ما قامت به القوى التي سعت للتحول الديمقراطي في البرازيل، إذ تحالفت مع قوى إصلاحية داخل قيادات الجيش الذي كان يحكم البلاد، وضمنت للقيادات حماية مصالحهم مقابل الإصلاح التدريجي الذي انتهى لانتخابات رئاسية ديمقراطية عام 1985. لم يحاول البرادعي أن يقيم تحالفات حقيقية إطلاقًا.

الخطأ العاشر: لا حقائق

في اللقاء مع خالد الغرابلي مع البرادعي كان الأول يحاول استخلاص معلومات وحقائق محددة من البرادعي، الغرابلي محاور بارع ومثقف، إلا أن البرادعي كان مترددًا غير واضح، ويتملص من الإجابات على الرغم من إصرار الغرابلي في حق المشاهد للمعرفة. وعلى سبيل المثال قال البرادعي أن المجلس العسكري أخبره أن لجنة تعديل الدستور (برئاسة طارق البشري) خدعت المجلس العسكري وأوقعته في مآزق، لم يحدد البرادعي من الذي خدع المجلس العسكري بالضبط، وأية مآزق وضعه فيها. وألمح أكثر من مرة في الحوار بين تحالف بين المجلس العسكري، والإخوان المسلمين لكنه تفادى الحديث عن أي تفاصيل. كذلك تحدث عن مبادرته لنقل السلطة التشريعية من المجلس العسكري لجهة قضائية، أو لجنة مدنية عقب حل مجلس الشعب في 2012، ومخاطبته للمشير طنطاوي، والفريق سامي عنان، وترحيبهم بالفكرة، إلا أنه لم يفصل ماذا حدث لاحقًا، ولماذا لم يتم تنفيذ الاقتراح. كل تلك الحقائق وغيرها الكثير مما لدى البرادعي تفاصيل ضخمة عنها هي من حق الشعب المصري ليتعلم من التاريخ والتجارب والإخفاقات، ومن حق الأجيال الحالية، والقادمة ليتشكل وعيها السياسي والاجتماعي والتاريخي بشكل سليم، لكنه يفضل ألا يتحدث، لماذا؟ لا نعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد