الجغرافيا تلعبُ بمصائرِ البشرِ حرفيًّا، فالأحاديثُ على ضفافِ نهرِ الرّاين لا تشبهُ إطلاقًا الأحاديثَ تحتَ سماءِ دمشقَ، أو في شوارعِ بيروت المظلمة، كما أنّها عمومًا تفضحُ أسرارَ هويَّتِنا وانتماءاتِنا وقضايانا ونمط حياتِنا، وتُنَصِّبُ نفسها مرآةً لنا.

في العالمِ الموازي يبكي النّاسُ لضياعِ فرصةِ عملٍ ما، أو بسببِ زميلٍ مزعجٍ في المكتب، أو لرسوبٍ في أحدِ امتحاناتِ الجامعة، أو بسببِ فراقٍ مع حبيبٍ أو قطّةٍ أو كلبٍ منزليٍّ، بينما نحن، فإنّنا نبكي منَ الملل، منِ اعتيادِ الخوفِ والفقر، منْ ذاكرتِنا الغبيّة، منْ كلامِنا عنِ البلادِ التي قطعناها مشيًا على أقدامِنا، منْ معرفِتنا بأسماءِ جميع المُهرِّبينَ وطعمِ مياهِ كلِّ بحارِ العالم، منِ امتلاكِنا خبرة جيّدة مع الموتِ وأصواتِ القذائفِ ومهارة -لا بأسَ بها- بالتَّفريقِ بينَ أشكالِ الرَّصاصات.

نبكي لفقدانِنا مجمل أحبَّتِنا، وزهدِنا منَ الحنين، واعتيادِنا الذّهاب بلا عودة، نبكي بسببِ كلِّ وداعٍ ينتهي بجملةِ أراكَ عمّا قريب، وخوفِنا منْ أنَّ هذا القريب ربّما لنْ يأتي أبدًا.

لذا، قدْ يبدو طبيعيًّا جدًّا أنْ تُصبِحَ الأساسيّاتُ في حياتِنا حلمًا، وأنْ يغدو توفّرها أمرًا مُثيرًا للسّعادة، وأنْ نُصبِحَ بمرورِ الوقتِ أكثرَ ضعفًا، فنشكر كلَّ مَنْ سلبَ حقوقَنا منَّا على منحنِا القليل منها، ونشكر كلَّ مَنْ سَجَنَنا على عدمِ إقدامِهِ على قتلِنا مثلًا، أو أنْ نبتسمَ بوجهِ مَنْ قَتَلَ 20 شخصًا على عدمِ قتلِهِ المزيد، وحينَ نجوعُ نفكِّرُ بمَنْ يموتونَ جوعًا، وحينَ نمرضُ أو نفشلُ أو نُظْلَمُ، نتحمَّلُ ونحمدُ اللهَ وننسى، وهكذا.. شيئًا فشيئًا نعتادُ كلَّ قهرٍ وظلم، ونجهلُ حقوقَنا أكثر، ونتحوَّل تدريجيًّا إلى حيواناتٍ مطيعة.

نحنُ أبناءُ تلكَ الأرضِ وهذه الفترة الزَّمنيَّة نملكُ -للأسفِ- ذاكرةً معطوبةً غير قابلة للإصلاحِ مهمَّا تبدَّلتِ الظُّروف، ونحيا على أملِ شفاءِ الأجيالِ القادمة.

في العمل قبل أسبوعين تقريبًا، كانَ يعاني أحدُ زملائي مِنْ بدايةِ يومٍ سيّئٍ جدًّا لأنّهُ لمْ ينمْ بشكلٍ جيّد، وقد اضُطَرَّ إلى أنْ يقفَ في ازدحامٍ مروريٍّ، وعلى سبيلِ المواساةِ أخبرَهُ آخرُ عنْ تأخُّرٍ في توصيلِ مُنتَجٍ كانَ قد طلبَهُ عبر الإنترنت، وآخرُ كانَ قد سردَ حكايةَ عطلٍ في حاسوبِهِ الشّخصيّ، وخسارةٍ في إحدى ألعابِ الفيديو، وهكذا اتّسمَ اليومُ منْ غيرِ قصدٍ بمزاجٍ شاحب، وأنا حينها كنتُ أسمعُ جيّدًا وأصغي وأتأثّر، فليسَ منَ العدلِ أنْ أستسخفَ قصصَهم الّتي ستزعجُني أيضاً إنْ حدثتْ لي، وهذه ليسَتْ محاولة إطلاقًا لإظهارِ مدى تفاهتهم مثلًا ومدى عمقِنا أو شيءٍ مِن هذا القبيل، فليسَ ذنبهم أنّهم منْ بلادٍ تحترمُ الإنسانَ وأنّني منْ بلادٍ تعتبرُ الكهرباءَ بدعةً وتطوّرًا، ولا يحقُّ لي أصلًا أنْ ألعبَ دورَ المعذَّبِ في الأرضِ وأنا أسكنُ فيما بينهم، لكنَّ عدّة أسئلةٍ قد لاحتْ في ذهني وقتَها: ماذا لو تبَّدلتِ الأدوار؟ هل كانوا سيفكّرونَ ويشعرونَ بالطَّريقة نفسها؟ وكيفَ سيكونُ تعريفُهم للأسى وللظّلم وللحزن؟ وفكّرت، ماذا لو أتيحتْ لي إمكانيّة أنْ أروي لهم بعضَ عذاباتِنا، فعن أيّ شيءٍ كنتُ سأتكلّمُ بالضّبط؟

عنْ عمرِنا الّذي قفزَ فجأةً عقدًا أو عقدين منَ الزّمن؟ عنْ جيرانِنا وصبايا حارتِنا اللّواتي لمْ يتزوجنَ حتّى اليوم؟ عنِ الشَّبابِ الّذين لا يستطيعونَ تأمينَ ثمن وجبةٍ يوميّة؟ عنِ الفقر، عن الخوف، عن فوبيا المستقبل؟ عنِ الوجوه الكثيرةِ الّتي كبرتْ في الغياب؟ عنِ مصائرِ صداقاتٍ تبدّلتْ بفِعلِ الهجرة؟ عنْ وجوهِ أمّهاتِنا وآبائِنا الّتي لنْ نراها مرّة أخرى؟ عنِ الزَّوجاتِ اللّواتي يستمررن بزواجهنَّ لعدمِ وجودِ خيارٍ آخر؟ عنِ الشَّبابِ اللّاهثينَ خلفَ الزّواج لكي ينضمّوا إلى فئةِ «الجميع»؟ عن عمرِهم الّذي ضاعَ وراءَ هذا الهدف؟ عنْ أهالي الشّهداء والمفقودين، عنِ المشرَّدينَ والنّازحين واللّاجئين، عنِ الوحيدين في غربتِهم والبعيدين في المنفى؟ عنْ تحوّلِنا إلى كائناتٍ إلكترونيّة؟ عنِ الوقتِ الّذي نقضيهِ صامتين؟ عنْ أربعِ جدرانٍ ووحدة؟ عنْ قلقِ اللّيلِ الطَّويل؟ عنْ رغبتِنا بالعودةِ والإقبالِ على الحياة؟ عنْ شوقي للصَّباحِ الّذي كنتُ فيهِ أهتمُّ بشكلي لألفتَ نظرَ إحداهنّ؟

عنْ أيّ شيء تحديدًا؟

لا أعلم!

حينها لم أشاركْ بشيءٍ، فأنا عمومًا أحتاجُ إلى ساعتين منَ القهوةِ كلَّ صباح كي يُقلعَ نظامُ تشغيلي بشكلٍ سليم، وكنتُ قدِ اكتفيتُ بقولي إنّني أعاني أيضًا منْ صداعٍ قاسٍ، وهذا كانَ كافيًا للحصولِ على صكِّ انتماءٍ لذلكَ اليوم السّيِّئ.

ولمساوئ الصُّدَف، وبعد عدّةِ أيّامٍ رَوَتْ لي جارتي عنْ تفاصيلِ يومِها، عمّا فعلَته صاحبةُ البيتِ المجاورِ مِنْ قِلَّةِ تقدير حينَ قامَتْ ببيعِ منزلِها دونَ أنْ تسألَها إنْ كانَتْ تنوي شراءَه، فجارتي كانَ لديها حلمُ التّوسّعِ دائمًا، ومبلغ مليون يورو ربّما لن يقفَ عائقاً في سبيلِ هذا الحلم.

تخطَّتِ القصَّةَ وتابَعتْ. فهي تستثمرُ حاليًّا بمشروعٍ آخر، أخبرتَني عنْ أولادِها، وعن واجبِنا في التَّقليلِ منِ استهلاكِ البلاستيك، واللّجوءِ إلى الطَّاقةِ البديلة، والتّفكيرِ بالبيئة بشكلٍ أكثرَ جدّيّة ومسؤوليّة، وسألَتني عمّا يمكنُ أنْ تفعله بهاتفِها القديم وكيف يمكنُ لها إتلافه، بعد أنْ قمتُ بطَلَبِ هاتفٍ مستعملٍ بديلٍ لها، والسَّبب لاختيارِ هاتف مستعمل، كانَ قناعتها التّامّة بعدمِ حاجتِها إلى امتلاكِ هاتفٍ جديد، فهذا قدْ يضاعِفُ في المستقبلِ من كمّيّةِ النّفايات.

رَوَتْ لي كثيرًا عنْ مظاهراتِ العنايةِ بالبيئةِ الّتي تنظِّمُها، عنْ مشروعِها السَّكَنيّ متنوّع الثّقافات والأجيال الّذي بدأَتْ به، عنْ جارةٍ يهوديّة قديمةٍ كانتْ قدِ انتقلتْ إلى العيشِ في لندن لعدمِ وجودِ خياراتٍ للتّسوّق لليهودِ في هذهِ المدينةِ ولأسبابٍ عنصريّةٍ أيضًا.

وسأَلَتْني بكلِّ براءةٍ: كيفَ يمكنُ للإنسانِ أنْ يكونَ عنصريًّا وشرّيرًا ويكرهَ أخاه الإنسان؟

أنا مصدومٌ منْ سذاجتِها، من عدمِ قدرتِها على تخيّلِ القباحةِ والشّرّ، من سؤالِها عنْ توقّعاتي بالانتخاباتِ السّوريّة!

أذكرُ حينها، أنّني لمْ أُجب عن أسئلتِها بشيء، حاولتُ فيما بعد أنْ أكونَ طرفًا طبيعيًّا في الحديث، أن أتكلَّمَ لها عنْ شيءٍ عادي، عن مشكلةٍ يوميّة، عن حَدَثٍ مررْتُ به، إلّا أنّها سأَلَتني عنِ البلادِ وأحوالِ أهلي بها، عن أخي، عن مصدرِ عيشِهم، عن مدارسِهم، عن توقّفِ الحربِ وبدايةِ الأمل، عنِ الكهرباء، عن إمكانيَّةِ هجرتهم، عن تصوّري للحلِّ في سوريا.

كانَ الحديثُ حينَها يشبهُ جلوسَكَ أمام التّلفازِ وتغييرَكَ للمحطَّةِ منْ قناةٍ ترفيهيَّةٍ للأطفال إلى قناةٍ إخباريّة.

إنَّ خَلْطًا وتناقضًا كهذا لا يبدو صحّيًّا على المدى الطّويل، كما أنَّه كافٍ للإصابةِ بالجنون، ومسؤولٌ عنْ هذا الانطفاءِ والبرودِ الحاصلِ في مشاعرِنا، عن هذا العدمِ المُزمن.

ولأنَّ للوجعِ -كما للإنسانِ- مقامات على ما يبدو، فإنّنا لا نملكُ رفاهيّة الألم، وإنَّ شعورَنا قد لا يكون مفهومًا عندَ مَنْ لا يعرفونَه، وكذلك يبدو تعاطفُنا مع الآخرين، تافهًا جدًّا.

ولأنّني رهينُ ثقافتين وأرضين أجدُ نفسي من غير قصدٍ وبشكلٍ شبه يوميّ مُقدِمًا على المقارنةِ بين كلِّ شيءٍ أراه وأسمعه، ومع تقادمِ التّجاربِ أستطيعُ أنْ أقول: إنَّ إثارةَ الحديثِ حول تأثيرِ ساعةٍ إضافيّةٍ منَ الكهرباءِ في نفوسِنا لنْ تختلفَ كثيرًا عنْ إثارةِ الحديثِ حولَ تأثيرِ تخفيضِ نسبةِ الضَّرائبِ لديهم.

ولأنَّني مُعَلَّقٌ بين أرضين أجدُ نفسي تائهًا ومشتَّتَ الشّعور، فأحزنُ للوطنِ وللمنفى وأفرحُ لهما، والفارقُ بين هذا وذاك أيّاً كان شاسعٌ جدًّا، ومحكومٌ بالإحداثيّات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد