تعد هذه العبارة الجامعة من أرقى وأشهر العبارات الموظفة في التداول الاجتماعي المسلم على وجه الخصوص، وكيف لا وهي تحية الإسلام الراقية، وقد حث الشرع الحكيم على إفشاء السلام بين الناس، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتَّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ علَى شيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ» [صحيح مسلم]، ومن آداب إلقاء تحية السلام في الإسلام ردُّها بأحسن منها أو بمثلها، لقوله تعالى: و«َإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا» [النساء 86]، وقد رتب الشرع أجرًا على إفشاء هذا التحية الراقية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال: السلام عليكم كتبت له عشر حسنات، ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون، حسنة ومن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة». [رواه الطبراني]، وبالتالي فهي رابطة مؤلفة بين قلوب الناس وحضن دافئ للطمأنينة والسلام والأمان، وتغرس بذور المحبّة والأُنس والإخاء، وتجمع كل ما يمكن أن يتفتق عن زهرة مفهوم السلام من مسميات جليلة وصفات حميدة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف حال هذه (السمعلة) في حياتنا الواقعية وفي يومياتنا المجتمعية؟

للجواب عن السؤال المصوغ أعلاه، أقسم حال التحية – السمعلة – عندنا أي في المجتمع المغربي الذي أعيش فيه، إلى حالات ثلات في نظري، ولكل وجهة نظره، وهي حالات تتوزع على الشكل التالي:

الحالة الأولى: يمثلها شريحة من المجتمع تُفشي التحية المباركة بين الناس وفق ما رغَّب فيه الإسلام وقصد إليه من الحث على إفشاء هذه التحية، فالسَّلام أوَّل أسباب التآلُف ومفتاح استِجْلاب المودَّة، وفي إفشائه أُلفة ومحبّة وأنس ظاهر، وكأنّ ملقي التّحية يقول لمن سلم عليه، لك منّي السلامة والأمان فلا تخش ظلمًا ولا هضمًا، فيردّ عليه الآخرُ بالمثل وعليك السلام فلا تخف بخسًا ولا رهقًا، أي أن الأمور بخير والحمد لله.

الحالة الثانية: فيجسدها فئة من المجتمع لا تُسلم على أحد ولا ترد على أحد السلام! والسلام هنا بمعنى التحية فقط، فكم من صامت مسالم، لماذا؟ وكيف؟ لا تفعل هذه الفئة ما قيل – لا تسلم – لن أجيب هنا لأن الغرض من هذه الكلمات ليس دراسة الأسباب التي جعلت هذه الكتلة تختار الصمت عن السمعلة، وعلى كل فلها ذلك، ما يهمني هنا هو أنها موجودة في المجتمع وحاضرة، وأرى أنها فئة لا تؤذي أحدًا بتصرفها واختيارها السكوتي هذا، وذلك ما ستبرزه الحالة الثالثة وهي قصدي وغرضي من خط هذه السطور.

الحالة الثالثة: وممثلوها شريحة مجتمعية فريدة وأسميها بالظاهرة (السلام عنفية)! العجيبة ،وبيان أمرها كالآتي:

إذا سلمنا سلفًا أن مفهوم السّلام في دلالته لا يخرج عن إطار كل ما هو سبب للتَّحابِّ والتوَادِّ والألْفةِ بين الناس، فإن أي خروج عن هذه المعاني هو خرق لدلالة المفهوم واستعمالاته الأصلية، وبالتالي تقويض وهدم لهذا المفهوم بحيث استعمل ووظف في غير محله، وبالمثال يتضح المقال كما يقال، فمن ذلك أننا نجد في مجتمعنا ما يؤكد هذا الطرح التناقضي (السلام عنفي!) الغريب، فقد يحدث أن يقترب إليك شخص ما في الشارع أو في أي مكان سواء عرفته أم لا ، فيحيّيك بــ(السلام عليكم) ومعها مباشرة قد يلكمك أو يصفعك أو يدفعك … أو يشتمك إن كنت محظوظا! نعم هذا يحدث في واقعنا، فالتحية – السمعلة – مدخل مناسب لتخدير من بُطِّن له الشر لاستغْفاله ومباغتته! تحت غطاء تحية (السلام عليكم) المفترى عليها في هذه الوضعية الشاذة المُفرغة من معناها الحقيقي، وصارت تقول ما لا تعني!

فالسلام تحول إلى ضده فجأة! فعوض أن يقول المُحَيِّ المبطن للشر: الغضب والسخط والخنق عليكم ليعني ما يقول تماما، وينسجم القول مع الفعل، نجد أنه يلجأ إلى هذا التخدير المسبق بالتحية الطيبة السّلمية البريئة من أفعال متلفّظيها! سواء كان ذلك عن وعي فيكون الأمر بالتالي خسة ونذالة وجبنا، وإما عن غير وعي نظرا لاجترار الكلام المتداول دون التدقيق في معانيه ودلالته، وأرى أن الشق اللاوعي هو الغالب في الظاهرة (السلام عنفية) هذه، وبالتالي وجب الانتباه ودقيق النظر في القول المتداول عمومًا، حتى لا نسلخ المعاني عن المباني وحتى لا نفتري على أي عبارة من العبارات الراقية أو قل حتى لا يلكم أحد على حين غرة تحت غطاء السلام.

وبناءً على هذا المثال المصغر في المجتمع يمكن رصد أنواع مختلفة من الظواهر (السلام عنفية) الكبرى التي تجعل من مثل هذه المفاهيم مطية وقناعًا لبلع جقوق الشعوب وسلبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد