الغرور آفة من آفات النفس التي تَجلب لها الهلاك والنكوص على الأعقاب، تملأ القلب نارًا مستعرة، لا يبطئ توهجها إلا مزيد من حطب الحقد على الغير، فسرعان ما تشتعل ويزداد توهجها فتأكل نفسها وتحرق من بجوارها.

الغرور لا يترك سكينة في القلب إلا ويجعلها عاصفة تهيج من عيني صاحبه، فتقتلع أكثر الناس صلة به ولو كان من صلبه، هي ريح عاتية لا يقوى البدن المسكين على إثارتها أو تحمل تبعاتها، إلا أن النفس إن تُرِك لها أَن تَجول وتصول دون ضوابط ولم يُجْبرها العقل والقلب على أن تسير في القالب الرباني الذي أنزله الله تكون فرعونًا وتصيح بأعلى صوت أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، فيسمعها القاصي والداني، لكن هذه النفس حينما يقودها الغرور إلى الهلاك، وتخرج من غفوتها تقول بصوت لا يسمعها إلا هي ومن خلقها «آمنت برب مصر والأنهار التي تجري أمامي».

يقول الله عز وجل: «فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ». (فصلت: 15، 16).

مهما اغْتَرَّت النفس بالقالب الذي تَجَسدت فيه، وبالعقل الذي أُنْعِم عليها به، فمصيرها الهلاك. الغرور كالمخدر يخدر الجسد والقلب والعقل، فلا يفيق الإنسان إلا على ألم العملية الجراحية، وهول ما كان فيه من مصيبة ومحنة ولكن هيهات هيهات.

يقول الله عز وجل: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ» (القصص: 38 – 42).

الشعور بالكمال ومقارنة النفس بالآخرين، وأن الله فضل المغرور على خلقه لحكمة لا تؤمن بها إلا نفسه، تُوَلِّد حوله ريحًا خبيثة، تجعل الناس ينفضون من حوله، فيصبح وحيدًا يسابق الزمن حتى يكون همه في الحياة الأفضلية في أمور متعلقة بالجسد الفاني فَيُهْلك الجسد والنفس.

هذه الريح الخبيثة؛ تكسر خاطرًا وتُوَلِّد كرهًا، وتعشق مدحًا حتى لو كان زيفًا، وتهلك زرعًا وحرثًا لتكون مُفَضلة، عديمة شكر المعروف، تجعل الجسد لوح خشب مزخرفًا بالكذب.

الغرور بلاء تُبْتَلى النفس بِه لكن الله عَدْل، فَكما وُجِدَ الداءْ فَله دواء، فدواء الغرور التواضع، فهو المانع من تَحَول الشعرة التي بين الثقة بالنفس والغرور إلى سكين حاد يقتل المغرور.

يقول الله عز وجل: «لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» (الحجر: 88). ويقول الله عز وجل: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا» (الفرقان: 63).

التواضع هو الدينامو الحقيقي للشعور بالثقة بالنفس، فالنفس حينما تُجْبَر على التواضع تَغْشاها السكينة، ويحدث لها اتزان، ويبدأ العقل بتحديد قدرات الجسد والسير بشكل مُنْتظم نحو تحقيق الأفضل مع الشعور الدائم أن هناك أفضل مما تحقق ينبغي الوصول إليه، إلى أن تفارق الروح الجسد، وهذا في مرحلة النجاح، وحينما لا يحقق الهدف المرجو لا تتهم الظروف والأشخاص المحيطين بها بأنهم سبب فشلها، فتنظر إلى مسببات الفشل دون الاعتقاد بأن «غباء الآخرين سبب فشلها»، وتنقل تجارب فشلها وأسبابها إلى الآخرين لتعزز الثقة بنفسها، فما النفس إلا بشر تتعلم وَتُعلم غيرها من تجاربها مطبقةً حديث النبي الكريم؛ إذ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث يزيد بن أسد القسري، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أَتُحِبُّ الْجَنّةَ؟» قلتُ: نعم، قال: «فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد