انتشر بشكل كبير منذ فترة مفطعي فيديو لأخ وأخت من لاجئي سوريا، تعرضا لضرب مبرح في إحدى المدارس ببريطانيا، الفتى السوري يبلغ من العمر 15 عامًا، ضربه أحد زملائه وطرحه أرضًا ثم سكب عليه الماء، وسط تهديدات عنصرية وسخرية من زملاء عدة كانوا يحيطون بهما، أصيب الفتى بكسر بذراعه، وتم تحويل الطالب البريطاني للتحقيق. وبعدها بيوم واحد تم ضرب أخت الفتى، ذات الرابعة عشر من عمرها، من إحدى زميلاتها حاولت خلع حجابها، ثم قامت المعتدية بضربها ودحرجتها على الأرض، تم فصل الفتاة التي اعتدت عليها. يثير ذلك تساؤلات عدة، هل ما مارسه هذان المراهقان من عنف شيء أصيل في تكوينهم النفسي؟ هل تلك الكراهية التي جاشت في صدورهم وبررت لهم الاعتداء على غيرهم شيء وليد اللحظة؟ أم أن ما اقترفوه كان شيئًا تمت رعايته وتنميته في نفوسهم حتى أتت لحظة إخراج عفريتهما من مكمنه.

الكراهية تجاه شيء أو مذهب أو فكرة أو شخص ما ليست شيئًا جينيًا أو وراثيًا أو كيميائيًا في أجسامنا، إنها ما نسمعه، نراه، نردده، إنها شيء نتعلمه؟ فكما قال، نيلسون مانديلا: «لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانًا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تتعلم الكراهية، وإذا كان من الممكن تعليمهم الكراهية، فبإمكاننا تعليمهم الحب». فعندما نرى نزاعات بين أطفال أو مراهقين، يرددون شعارات كراهية نحو بعضهم البعض لا يفقهون مغزاها، أو يعون ما تحتويه من أثر على غيرهم، لكنهم يتفوهون بها دون وعي، أو قد تقترف أيديهم فعلًا عنيفًا، فلا بد أن هناك من قام بتلقينهم وتعليمهم إياها، وأن أذنهم سمعتها، وامتلأت بها عقولهم ونفوسهم من قبل بالغين يحيطون بعالمهم.

الكراهية فعل خطير، ليست شيئًا نستطيع التهويل من أمره، فبداية من صلات الرحم المقطوعة والجرائم التي تشهدها المجتمعات، نهاية إلى الحروب والتدمير للمدن والقرى والبشر، وممارسات التعذيب والنفي والاستجواب غير الإنساني وكافة الممارسات غير الأخلاقية، دائما ما تُستخدم دعوات الكراهية، فهي كوقود نغذي به سعارنا الإنساني المخجل، وتاريخ البشرية وحاضرنا الحالي مليء بنماذج تلعب فيه الكراهية فعلًا رئيسيًا لإزكاء روح الخلاف، وتبرير لكل أشكال الانتقام لمن نبغض أو نختلف معه.

الأمثلة والنماذج التي تُستخدم فيهم الكراهية لتمرير أفعال عنيفة ضد الآخر كثيرة للغاية، فبقليل من الفحص نجد تاريخ المجازر والحروب الأهلية، وعمليات تقسيم المجتمع إلى فئات وجماعات مختلفة، تغذيها دعوات تبدو بسيطة لا تلفت النظر في بداية حدوثها، ثم تظل تتضخم وتكبر حتى تجرف المجتمع إلى أفعال كان من الصعب تصورها في تلك البدايات، قد تستخدام دعوات دينية أو حزبية أو عرقية، ثم تأتي الكراهية وتبريراتها للطمس على ما قد تشعر به مجموعة نحو أخرى من التعاطف، أو الحق في الاختلاف والتعايش، فالكراهية تستطيع تقسيم أمم كاملة مطمئنة، وتكوين جماعات متناحرة إلى ما لا نهاية، وهي لا تأتي فجأة من حيث لا ندري بل هى شيء يتسرب إلى نفوسنا وعقولنا ويظل يكبر ويتضخم ككرة الثلج، كلما تدحرجت تضاعف حجمها حتى تصبح كيانًا ضخمًا يستطيع تفتيت ما يقف قبالها، مهما بلغت قوته. فهل لنا أن ننتبه لما نروجه تحت تبريرات عقيدية أو مذهبية أو حزبية، نخرب به وحدة أمة واحدة تعيش على أرض أوجدها الله للبشر كافة كي يتعارفوا ويتعامل بعضهم البعض دون تفرقة بين أبيض وأسود أو بين عربي وغير عربي، أو بين مسلم ومسيحي، خاصة في أمتنا العربية التي تدفع ثمن انقساماتنا المبنية على دوافع كراهية غير مبررة وغير مجدية بغير مزيد من الخراب والدمار لجسد واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد