«العقد الاجتماعي» من المصطلحات أو المفاهيم التي تطبع الفلسفة السياسية ككيان قائم بذاته أو كشِق تفرع عن فلسفة الأنوار، تحيل النظرية إلى العديد من الأنماط والتحولات التي شهدها الأفراد خلال مرورهم إلى مفهوم «المجتمع»، وكذا تعني بصفة عامة الاتفاق الضمني الذي عَقده الأفراد فيما بينهم أولًا، وتجاه الدولة، أو الكيان الذي يعيشون به ويمارسون حرياتهم بين طياته ثانيًا.

«العقد الاجتماعي» ليس مصطلحًا يحيل على حقبة زمنية أو تاريخية، لكنها طريقة للتفكير والتحليل أكثر من كونها نظرية تنتمي للفلسفة السياسية لعصر الأنوار، هو المرور من «حالة الطبيعة» التي عاشَ فيها كل فرد لنفسه إلى «حالة المجتمع» من خلال اتفاق مبدئي ينص على عدة بنود تدخل فيما يُسمى بالتنظيم أو النظام البشري بكل مؤسساته ومجتمعاته الصغرى؛ الشرطة، المحكمة، البرلمان، الوزارة، الحكومة، الإدارات… إلخ.

هناك ثلاث مقاربات تختلف في العديد من النقاط بينما تتجانس في بعض الأمور الأخرى، مقاربات طبعت نظرية «العقد الاجتماعي» وجعلت منه محط الأنظار والاهتمام. تبنت النظرية الكيفية التي تتأثر بها حرياتنا والطريقة التي نعيش بها حيواتنا.

نبدأ من عندِ «هوبز» والذي اعتبر حالة الطبيعة «حالة خطر دائم» غاب فيها النظام والأمن، أي أنها حالة من التوحش لا تُنال فيها الحريات سوى على حساب الآخر، حيثُ كل شخص سيحارب من أجل تحقيق نصرهِ الشخصي، ثم يزيد عن ذلكَ بأن الكل تخلى عن حريتِه وإرادته لحاكم اتفقوا على تنصيبه، معتبرًا بأن السلطة ليست بالاتفاق الطبيعي، ولا الإلهي، ما دامت من نسج الأفراد نفسهم، والذي رأى فيه نوعًا من الخنوع والخضوع.

فيما يخص «لوك» فقد تبنى الطرح القائل بأن حالة الطبيعة هي حالة من الانسجام بين الأفراد على عكس «هوبز»، مستدركًا بأن الأفراد لجأوا لقانون عام ومشترك يمكن من صيانة حقوقهم والتزاماتهم، وذلك يرجع بالضرورة لنقص الأمن الذي ميز حالة الطبيعة، بالرغم من ذلك الانسجام الذي عم بين الأفراد وقتذاك، وهذا النقص في الأمن هدد من سير الأفراد الطبيعي وعرقل عيشهم بشكل من الأشكال، أي أن «العقد الاجتماعي»، ليسَ بذلك المرور التقليدي من حالة الطبيعة للمجتمع، لكنهُ انتقال إلى وضع يتسم بحماية الحقوق وصيانة الملكيات، وضع ينعم فيه «الحق العام» بالوجود والممارسة من قبل الأفراد المرتبطين بموجبه وهو ما أسماه «الالتزام بالتراضي».

أما المقاربة الثالثة والأكثر شمولًا، والتي أحاطت النظرية من زوايا أكثر، والتي سنحاول من خلالها تجاوز مسافات البياض في هذا الشوط واكتشاف الخيوط الناقلة في هذا الصدد، وبهذا نتيح الفهم الجيد لنظرية «العقد الاجتماعي» وامتداداتها، بل الممارسات التي قد نتبنى فيها هذا الطرح بما يعود على مجتمعاتنا بالفضل والنفع.

يعتبر «روسو» أن تنظيم الأفراد داخل كيان متين مربوط بأواصر قوية ويتسم بقوانين محبوكة ومشدودة بوشائج صحية، بما فيه احترام لحرياتهم وملكياتهم سواء الفكرية أو المادية؛ يعتبر أن هذا هو المشكل العويص الذي يُفقد النظرية الكثير من مميزاتها وخصائصها التي طبعت عيش الأفراد أنذاك، لا يهتم «روسو» بالمرور من الحالة الأولى – الطبيعة – إلى الثانية – المجتمع – بل يصب تركيزَه على الصيغة التنظيمية التي قد أسس وفقا لها هذا الكيان إن وُجد؛ والذي لخصه في قولتِه الشهيرة: «إيجاد صيغة تنظيمية تدافع وتحمي بكل القوة المُشتركة الفرد وممتلكات كل شريك، وبموجبها كل واحد يتعارض مع الكل، لا يخضع إلا لنفسه ويظل حرا كما كان من قبل».

يصب روسو مجمل نطاق اهتمامه على الصيغة التنظيمية العادلة بين كل الأفراد، كما يعتبر «الحرية المجتمعية» وليدة التخلي عن جزء من الحقوق الطبيعية، وفي حالة انتهاك الميثاق الاجتماعي المتفق عليه يعود كل واحد إلى حقوقه الأولى ويستأنف حريته الطبيعية، كما أن التخلي عن الحقوق والحريات لصالح الكيان يجب أن يتم دون أي احتياطات تعهد، بهذا يكون الاتحاد كاملًا بالقدر الذي يمكن أن يكون به ولا يتبقى لدى أي شريك ما يطالب به.

يميز «روسو» بين نوعين من العقود؛ النوع الأول حيث تتخلى وأتخلى في سبيل تحقيق «الحق العام» أو ما أسماه «بالحرية المجتمعية» التي نظفر بها على حد سواء، ثم النوع الثاني من العقود حيثُ تتخلى وأتخلى لصالح الحاكم، والذي يعتبره في نفس الوقت هو الشعب استنادًا إلى حقيقة أن العقد الاجتماعي تضمن عديد البنود والاتفاقيات التي تأسست من طرف الأفراد نفسهم، وهذا كتعبير عن «الديمقراطية العذراء» وكتفسير «للإرادة المُشتركة» والتي لأجلها يتنازل كل فرد عن إرادته المُستقلة الذاتية تحقيقا للنفع العام.

رجوعا إلى ما سماه «أرسطو» بالحيوان الاجتماعي السياسي بطبيعته، فإن الإنسان كائن ألمعي مفلول لا يمكنه أن يتنازل عن حد كبير من حرياته الشخصية في سبيل الحق العام، ولا يمكنه أن يضحي بشخصه وقوته تحت التصرف المطلق للإرادة العامة، ولو كان ذلك إزاء الضمانة التي تتمثل في كون الفرد جزء لا يتجزأ من الكل، كما أن المُشكل المطروح يبرز جليًا في الوضع الراهن وعصر ما بعد «كورونا» بكل التحديات والإكراهات؛ هذا يجعل من الصيغة التنظيمية للعقد الاجتماعي بمؤسساتها السياسية والمجتمعية محل تساؤل ونقاش.

تظل نظرية «العقد الاجتماعي» من الأحداث أو التحولات إن صح التعبير التي غيرت وأثرت في الأجندات السياسية للممالك والدول بل التي لا زالت جل الأنظمة ترتكز عليها في تشييد سياساتها وترشيدها لسير الأفراد داخل المجتمع، بيدَ أن النظرية يشوبها العديد من النقائص والركائز حتى تكتمل على بساط الواقع وفي السياق السياسي الذي يفرضه الوضع الآن، أما تاريخيًا فلَم تسلم النظرية من التفنيد والنقد، خصوصًا أن مشروع عصر الأنوار تبعته الحروب والحركات الإمبريالية الراديكالية، فضلًا عن المذابح الإنسانية والتطهير العرقي للشعوب غير الأوروبية.

لا بد عن الاجتهاد السياسي والفكري في سبيل تحصيل رؤيا موحدة ومتحدة قد تدفع بالأمة نحو مرتفعات النجاح وتنتشلها من منحطات الجهل واللامسؤولية، كما أن ترشيد السياسات بما يتماشى مع الواقِع وتكييف الإستراتيجيات وفقًا لظروف وحيثيات المجتمع أمر لا مناص منه، وليس يكتمل الازدهار إلا به ومن خلاله؛ خصوصا بالنسبة للمجتمعات التي تعاني منذ الأزل، نظرية «العقد الاجتماعي» كفيلة بأن تجنبنا مطية الاخفاق بشرط أن تكون الرؤيا والتفكير مواليًا للمنطق ويحترم الظروف والخلفيات الثقافية للأفراد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد