محمد شامخ

170

محمد شامخ كنت على الدوام رجلاً يحاول مواجهة الحقائق وتقبل واقع الحياة كما تكشف عنه المعارف والخبرات الجديدة .

170

وبعد تجربة اجتماعية، يجب علينا أن لا نصدق كل شيء يدعي التجربة الاجتماعية، ما يجب هو أن نعتبر تلقائيا كل التجارب المعنية في تقييم سلوك المجتمع – في الماضي والحاضر والمستقبل – مجرد هراء حتى يتم إثبات العكس، أي إثبات أنها فعلا ذات فائدة حقيقية يتم من خلال نتائجها تقييم السلوك والنقد لتصحيحها وإرسال العادات والمفاهيم الخاطئة إلى جهنم.

أما القول بأنه من الممتع جدا أن تقوم التجربة الاجتماعية على إدخال مجموعة من العلل غير النزيهة لأجل كسب مزيد من المال أو الشهرة أو كليهما أو إظهار أسوأ ردات الفعل أو عقد سيناريو معد مسبقا لأجل فرض وجهة نظر معينة على المشاهد، أو فرض أسئلة موضوعية في نطاق مقالي أو فرض أسئلة مقالية في نطاق موضوعي، أو قد يصل حد التلاعب في استغلال بعض التجارب الاجتماعية إلى السرقة والضرب الجسدي والضغط النفسي والنصب والاحتيال ونشر الرذيلة والديموغاجية.

لعل المتابع البسيط لليوتيوب اليوم يرى عن كثب كمية التجارب التي يخضع لها المواطن البسيط في الشارع والمقهى والجامعات، ولأن المواطن لم يكن مخيّرا على الظهور في تلك التجارب، فإنه بدا أشبه بفأر التجارب الذي يساق إلى حتفه أينما ذهب. ولأن معظم المحتوى واحد ومتشابه تقريباً، فإن العناوين بين الحين والآخر تختلف لجلب مشاهدات أكثر فهناك من يطلق عليها لفظ مقالب اجتماعية أو دراسة واقعية أو بحث استبياني، وفي كل مرة يخرج المشاهد مصطهجا منتعشا لما شاهده للتو قبل أن يقف مذهولا على حقيقة أنه لم ينل أي فائدة.

والحقيقة أن بيئة التجارب التي يتم إخضاع المجتمع عليها يجب أن تكون بيئة نقية خالية من أي علل، ذاك النوع من العلل الذي يفرض واقعا معينا على الأشخاص الذين يزج بهم في تلفزيون الواقع، أو أن يتم تعميم ردة فعل صادرة من بعض الناس على مجتمع كامل، أو أن يتم مضايقة الناس بطريقة فجّة لمجرد إثبات جانب الشر، لأن تلك الأمور الدخيلة على جو التجربة سوف تؤثر حتما على نتائج وتداعيات التجربة نفسها. وهذه المثالية التي نقول بها بعيده كل البعد عن معظم التجارب والمقالب التي نراها ونسمع عنها هذه الأيام. فالبشر سيفعلون أي شيء في سبيل حصولهم على المال والشهرة، وهذا الاندفاع الرهيب نحو اللهو والشكليات – على نحو لم يسبق له مثيل – ما هو في تصور الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكّار سوى عبارة عن محاولات للتعويض عن السعادة الحقيقة التي فقدها كثير من الناس نتيجة انخفاض مستوى التزامهم، واتساع الهوة بين ما يعتقدون وما يفعلون.

وفي أوطاننا العربية أصبح سوق الكاميرا الخفية وتلفزيون الواقع سوقا مربحة، بالرغم من كونه مستهلكًا، وانتفخ سحره بتردد الناس على مشاهدته، بالرغم من اعتبارهم له بأنه لا يعد حلا أصلا لأصغر المشاكل. إن صناعة هذا النوع من المحتوى يزداد كل يوم ليجتاح الأرض دون هوادة، وهذا التوجه لهو كفيل بأن يشكل خطرا على الحريات العامة ويحجب الرؤية عن المحتوى الإيجابي، بالرغم من كثرته ليصيبه في مقتل. والحقيقة تقال إن المحتوى المبتذل غالبا ما يأخذ وقتا أقصر في إعداده وتنفيذه، بالتالي فهي فرصة لضخ أكبر قدر ممكن، لا سيما أن أوقات معظم شباب أمتنا هو وقت ضائع، وما أبرع شبابنا وشبّاتنا في تقليد المحتوى الغربي الساقط الذي يغشاه عتمة الانحراف والتقصير وما أبخسهم في إنتاج المحتوى الذي يهم مستقبلنا ويلامس احتياجاتنا في مواجهة الحروب المقبلة.

ما جعلني أعد مقالا مفصلا عن قضية التجارب الاجتماعية، هو شعوري بالانزعاج حيال كثرتها وقلة الفائدة منها، أتخيل نفسي دوما في مكان الأشخاص الذين يتعرضون لمضايقات هذه الكاميرات الخفية والأسئلة الغبية، وما يمكنني أن أفعله إذا ما تعرضت لنفس الموقف، إنها ولا شك تدخّل في خصوصيات الناس وتعدي على حرياتهم والاستهانة بأوقات وحدتهم مع أنفسهم، فالواقع العربي السيئ ليس بحاجة برأيي لتجارب أكثر سوء وأكثر حماقة، إنني أتساءل دوما كيف لهؤلاء الشبان أن يوقفوا الفتيات ليسألوهن قبلةً أو حضنا، أو الفتيات اللاتي يوقفن شبابا لأخذ رقم هاتف أو طلب موعد عشاء، لا أدري أي بجاحة تبرر لهم نشر ذلك، ولا أدري ما الهدف الاجتماعي النبيل لتبرير تلك الأخلاقيات.

ففي هذا خدش للحياء العام وفيه أيضا تشهير بأعيان الناس وشخوصهم، وإن خطر هذه التجارب ووقعها النفسي على الناس لا يقل خطورةً وغباءً من تجربتي ملقرام وسجن ستانفورد مثلا. نستثني من كل ذلك تلك التجارب القليلة التي يكون لها فائدة ويكون لنتاجها تحمل الناس جزءا من المسؤولية وعرض مشاكل حقيقة يعيشها العالم العربي. إنني أطالب مجالس الرقابة والجهات المعنية في بلادنا العربية بالتركيز على محتوى تلفزيون الواقع، وإشعار أصحاب قنوات اليوتيوب وغيرهم بأخذ الموافقات الأمنية قبل الشروع بالتصوير واستجواب الناس، ومنع كل من تتسول له نفسه التلاعب بالناس وإشعارهم بالخوف بالمضايقة النفسية والبدنية وتصويرهم ونشر صورهم على الملأ، لأجل كسب المال والشهرة أو كلاهما.

أخطر ما أعتقده حيال الأفراد الذين يقومون بالتجارب الاجتماعية، هو اعتقادهم في قرارة أنفسهم بأنهم على درجة من النضال الإعلامي، وأنهم بالنشاطات اللامنهجية التي يقومون به يظهرون عيوب المجتمع وجوانبه المظلمة، وإن كانوا حقا يبحثون عن هذا الشرف فعليهم تصحيح مسار محتواهم، وإظهار الأسباب والنتائج والنقد ما إن كانوا جادّين حقا، فالنضال لأجل مسيرة التقدم والحضارة تكون في وضع منهجية لتقييم السلوك وتشترط أن تكون بصورة محترمة غير انتقائية وغير خادشة للأدب، ومشاركة نتائجه للجمعيات والنقابات والمجالس المسؤولة لعرض الحلول ودراسة وتحليل تلك المشاكل، أما أن تكون مسيرة التقدم مزحومةً بعرض التفاهة والسفاهة والانتفاح أسوةً بالغرب فهذا غير مقبول وهو موقف ضعيف جدا وهش، وليس على شيء.
.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك