منطق الثورات

إن الخوض في المسائل الخلافية بالتاريخ الإسلامي، خاصة تلك المرتبطة بالتحولات التي مست طبيعة الدولة في صدر الإسلام وغاياتها لهو بحق من الأمور التي ما أحوجنا إليها، فما نعيشه من قلاقل في حاضرنا المأزوم هي امتداد لما حصل بالأمس، ونتاج طبيعي له، وستظل متجذرةً تعيد نفسها وبشكل أعنف من السابق.

ومن منطلق هذه الأهمية فمن الضروري أن نعيد قراءة تاريخنا الإسلامي وأحداثها بتجرد من كل المسلمات المسبقة، وأن ننسلخ من الأحكام الجاهزة، وذلك أقل ما يمكن أن نقدمه ابتغاء للموضوعية، ومن بين الأحداث الخطيرة التي لا زالت الأمة تعاني آثارها مسألة الفتنة الكبرى، فهي كانت محورًا لشقاق مذهبي خطير، ولتجذر معضلة الاستبداد باسم الدين.

الجذور الاجتماعية للفتنة الكبرى

تشكل قضية الفتنة الكبرى أحد أخطر محطات التاريخ الإسلامي، بدأت باغتيال الخليفة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وانتهت فصولها بلحظة تنصيب معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – ليبدأ معها الملك العضوض الذي أزال رسم الخلافة وبمفاهيم العصر كانت أحداثها حرب أهلية قسمت الأمة إلى شيع وطوائف، ولذلك لطالمت حظيت بقدر كبير من النقاش والجدل وحولها تحتدم الآراء.

تميل معظم التفسيرات خاصة المصادر القديمة المعتبرة لدى أهل السنة أن ما حصل من تمرد على سلطة الخليفة عثمان بن عثمان كان نتاجًا لعامل المؤامرة، ولوجود يد خفية أججت العداء الشعبي لسياساته الاجتماعية، وحرضت على الثورة عليه، وخلعه بالقوة، ونجد إجماعا فيها على الدور المشبوه لشخصية يهودية غامضة يدعى عبد الله بن سبأ  الذي انتحل الإسلام، إذ نلحظه حاضرًا في كل أطوار الفتنة، ثم سرعان ما يختفي عن المشهد نهائيًا بعد نجاحه في تنفيذ مخططاته.

وهنا يتضح عنصر الغموض والغرابة، فكيف لذمي أن يتنقل بسهولة بين الأمصار جاهرًا بدعوته في العصيان على السلطة دون أن تناله يد السوء، ما لم يكن هناك تواطؤ ضمني معه من قبل عناصر مؤثرة داخل المجتمع الإسلامي، ومن جهة لا يمكن لفرد واحد أن يحوز كل هذه القدرة الخارقة في توجيه الرأي العام والتأثير على عموم المسلمين، وتهييجهم للثورة على السلطة المركزية، ثم ما مصير عبد الله بن سبأ بعد اندلاع الفتنة الكبرى، وكلها افتراضات كفيلة بنسف بهذه الرواية التي لا يستسيغها المنطق جملة وتفصيلًا.

والواقع أن هذه الشخصية مختلقة لا وجود لها، فقد صنعها المؤرخون لتبرير هذا الصدام الخطير الذي أصاب المجتمع الإسلامي، خاصة أن أبطالها كبار صحابة، كانوا إلى حدود وقت قريب إخوانا في الدين والجهاد، والحقيقة المغيبة أن المحرك الأساسي وراء ذلك كان العامل الاجتماعي بدرجة كبيرة، وهو رأي يؤكده الوردي في كتابه سوسيولوجيا الإسلام، حيث يرى بأن عهد عثمان عرف احتدام حالة من الاستقطاب الطبقي بين ارستقراطية قرشية وعموم المسلمين، وفي القلب منهم أهل السابقة من البدريين، وانبعاث عصبية قبلية لنحتكار السلطة يبرزها ذلك الخلاف الذي احتدم حول منصب الخلافة بعد وفاة الرسول ص بين القرشيين والأنصار، وكذلك الصراع حول كبفية تصريف الثروة وتوزيعها بين المسلمين، على الرعم من نجاح أبي بكر الصديق وعمر بن خطاب رضوان الله عليهم في احتوائه بفضل ما عرف عنهم من كياسة وحسن تدبير وفهم عميق لمقاصد الإسلام، فلقد ظلت هذه التناقضات الكامنة تتحين الفرصة للبروز متى توفرت المسببات.

كانت تولية عثمان بن عفان عفان نتيجة لحملة قادتها النخبة الارستقراطية من كبار التجار مثلها عبد الرحمن بن عوف، حيث مثلوا مراكز قوة ونفوذًا مؤثرًا، ولذلك فقد استغلوا مواقعهم في قمة الهرم الاجتماعي للتأثير على عملية انتقال الخلافة، والدفع بمرشحهم المفضل، وقطع الطريق على المرشح الثوري علي بن أبي طالب، الذي يشكل خطرًا على مصالحهم المادية؛ ولكونه يمثل جناح المستضعفين والمهمشين داخل المجتمع الإسلامي.

الفتنة الكبرى والصراع السياسي

ساهمت شخصية عثمان بما عرف عنه من ليونة ومحاباة للأقارب في إحداث تحول مهم في طبيعة توجهات الدولة الاجتماعية؛ فلقد أدت سياساته إلى اغتناء نخبة من بني أمية بشكل سريع لم يتقبله منطق المجتمع الإسلامي الذي كان ما يزال تحت تأثير مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده، يذكر المسعودي في مروج الذهب تلك الحالة:

وفي أيام عثمان اقتنى جماعة من الصحابة الضياع والدور، ومنهم سعد طلحة بن عبيد الله التيمي، ابتنى داره بالكوفة.. وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار.. وابتنى سعد بن أبي وقاص داره بالعقيق، فرفع سمكها ووسع فضاءها وجعل أعلاها شرفات.

والمؤكد أن مراكمة ثروات بهذا الحجم لابد أن يكون وراءه سياسات مالية ميزها الشطط في جباية الضرائب وإثقال كاهل الرعية وهذه النزعة من التملك بشكل يتناقض مع تعاليم الإسلام القائمة على التقشف، والعدل بين المسلمين، ومعاداة نزعة التملك والاكتناز والتسلط على رقاب الناس، وعلى خلاف ما تذكره السىرديات التاريخية من كون عثمان بن عفان كان ضحية مكر عشيرته من بني أمية حينما استغلوا طيبوبته وعفويته للتحكم في شؤون الدولة، وهذا رأي يتنافى مع الواقع؛ فلقد أتبثت مواقفه العديدة كونه كان مبالغًا في تقريبهم، وإطلاق يدهم للتطاول على رقاب الناس، واستغلالهم، ولعل أبرزها حينما رد على جموع الثوار الذين حلوا ببيته للاعتراض على شطط أقاربه حينما قال لهم لو كانت مفاتيح الجنة بيدي لأدخلت بني أمية لها، كما كان قاسيًا في التعامل مع معارضيه، بل نكل بهم أيما تنكيل؛ اذ نفى أبا ذر الغفاري – رضي الله عنه – وأهانه، وشتمه، وضيق على عمار بن يسار، وعزل عبد الله بن مسعود – رضي الله عنهما – حينما اعترض على تدخل أحد أقارب عثمان بن عفان في بيت المال.

وأفضى هذا الخلل إلى عملية توزيع الثروة، وتنعم أقلية بالامتيازات على حساب الأغلبية المحرومة والمضطهدة لنمو حراك ثوري قادها جناح علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، إذ اعتبرت أن توجهات عثمان بن عفان كانت انقلابًا على توجهات الإسلام التي تحرم اكتناز المال ومراكمته والغنى الفاحش والتسلط، أيًا كانت مظاهره، فكتب العديد منهم إلى أمصار الدولة الإسلامية قائلين إذا اردتم الجهاد فهلموا إليه، فإن دين محمد قد أفسده خليفته، وفي ظل هذا التجاذب العنيف تهيأت ظروف العصيان والثورة الشعبية فقادت في النهاية إلى اغتيال الخليفة عثمان.

بيد أن هذا الحادث الخطير عوضًا عن أن يجتث الخلاف، فاقم من حدته، خاصة بعد أن أجاد تيار بني أمية توظيفه لتحقيق مآربهم فصار قميص عثمان مبرر براجماتي للوصول إلى الحكم، وتكشفت معالم صدام عنيف بين فهمين للدين: إسلام ثوري يقدس المساواة والعدالة الاجتماعية مثله علي وشيعته، وفي مقابله إسلام النخبة التجارية، ومثله معاوية بن أبي سفيان الذي يطبع مع التكسب والاغتناء من منطلق أن فضلنا بعضكم على بعض في الرزق، ومن جهة أخرى تصادمت مثالية علي مع واقعية معاوية الذي تيقن بأن ظروف المجتمع الاسلامي وتناقضته وروح العصر باتت تميل لصالحه خاصة أن عقلية عامة أضحت تميل لترف والبذخ بعد أن تدفقت الثروات على خزينة الدولة فلم يعد من المستساغ قبول شظف العيش والتقشف، وعليه فإن هذا التحول سيستغل لكسب الولاء وشراء الذمم، وهو ما يفسر تماسك معسكر معاوية بن أبي سفيان في مقابل الانشقاقات التي ميزت معسكر علي، وهو ما ساهم في اندحاره النهائي في تلك الحرب النفسية مفسحًا المجال، ثم اكتملت دورة التاريخ بعد أن نجحت النخبة الأمية الحاكمة في إرساء دعائم ملكية وراثية، ولنشوء معضلة الاستبداد والطغيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد