«هناك دب سائب في الغابة. بعض الناس يسهل عليهم أن يروه، وآخرون لا يرونه على الإطلاق، بعض الناس يقولون إن الدب أليف، وغيرهم يقولون إنه ضار وخطير. ولما كان من الصعب أن نعرف أيهم على صواب، ألا يكون من الفطنة أن تكون قوتنا مساوية لقوة الدب إن كان للدب وجود؟! »هذا جزء من بيان قديم للرئيس رونالد ريجان في خريف عام 1984.

والآن، بعد أكثر من ربع قرن عن اختفاء الدُّب المخيف وتغيُّر بوصلة السياسة الأمريكية ومن ورائها الغرب في اتّجاه مختلف عمّا عهدناه على مدى عقود طويلة من الزمن، تغيرت ضوابط كثيرة للعلاقات بين مختلف الأمم والشعوب كما تبدَّلت نواميس الفعل ورد الفعل السياسي بهذا الخصوص.

«ماذا بقي ليخيف الناس وسط الغابة؟» يسأل الأول:

«بقيت لنا ثعالب الصحراء» يجيب الثاني:

« وهل للثعالب كبير يضبط أمرها أم هي سائبة؟» يسأل أحد الخبثاء.

لا شك أن الهرج الذي أصاب أنظمة الشرق الأوسط من جرَّاء ثورات الرَّبيع العربي لا نظير له، ولم تشهد المنطقة مخاضًا سياسيًّا يماثله شدَّة منذ أكثر من نصف قرن .وإن كان مفهومًا خوف تلك الأنظمة المتسلِّطة على بقائها واستمرار سيطرتها على شعوب المنطقة، فإن المستغرب هو الدعم الكبير الذي يصلها من الدول الغربية حاملة لواء الحرية والديمقراطيّة، دولٌ بذلت جهدًا كبيرًا في النصف الثاني من القرن الماضي، للتخلُّص من الدب المنعوت بالقسوة والشر، والموصوف بعرَّاب الأنظمة الديكتاتورية.

ولكن المفارقة المذهلة هي وقوف واشنطن، ولندن، وباريس، وعواصم أخرى في وجه محاولات الشعوب في شمال أفريقيا والشرق الأوسط للتخلُّص من الاستبداد والحكم الشمولي. وتتجلَّى بوضوح سياسة تلك العواصم في ليبيا من خلال الدعم الفرنسي للمشير حفتر مما يهدد استقرار البلد ووحدة ترابه، دعم يتخفَّى وراء بعض من دول المنطقة التي لا تُنكر عداءها للربيع العربي منذ بزوغ فجره في تونس، قبل ما يناهز العقد من الزمن. ولا يقتصر دعم المشير على فرنسا وحدها وإنما السَّند القوي يأتي أيضًا من روسيا وقيصرها فلاديمير بوتين الذي أرسل مئات العناصر من مرتزقة شركة فاغنر لقتال حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًّا، ولبوتين سوابق في هذا الشأن فتدخله في الحرب الأهلية السورية، منذ سنوات، رجَّح كفَّتها لصالح نظام بشَّار الأسد ولو إلى حين. فهل اختفى الدب حقًّا من الغابة؟

إن التقارب الحاصل بين ترامب وبوتين يؤكِّد أن الدب لم يختف تمامًا من الغابة، وإنَّما صار أكثر ألفة وتعاونًا مع البقيَّة ولو نسبيًّّا، والطَّرفان يلتقيان في رؤية شرق أوسط يحكمه الطّغاة والفاسدون. و هذا يؤشِّر على وجود تنسيق عالي المستوى بين عدة قوى غربية وموسكو في أمهات القضايا الحارقة. وجميعهم لا يباركون الديمقراطيات الناشئة، وخير دليل على ذلك ضآلة الدعم الذي تلقته تونس منهم، هذا إن لم نتحدث عن محاولات متواترة لعرقلة مسارها.

لماذا يراهن الغرب على المستبدين؟

في مقال للكاتب ستيفن كوك نشرته مجلَّة «فورين بوليسي»، وقف خلاله على أهم أسباب احتفاء المسؤولين الغربيين بالقادة المستبدين في منطقة الشرق الأوسط، يقول الكاتب إنه «بالنسبة لصانعي السياسات في الغرب، يبدو أنه من الأسهل العمل مع رجال أقوياء مستبدين» وأكَّد أن الأوروبيين والأمريكيين فضلوا سحب اعترافهم بالرئيس الراحل محمد مرسي، وفي المقابل دعموا بقوة عبد الفتاح السيسي في مصر، الذي وعد بالقضاء على حركة الإخوان والتعاون مع إسرائيل، بدلً من معاداتها، وذلك رغم معرفتهم بأسلوبه العنيف والقمعي في إدارة البلاد. ويضيف الكاتب أن «الديمقراطية تصبح فوضوية بعد كل شيء. وبالإضافة إلى ذلك، قد تنتج الديمقراطية قادة أسوأ بكثير من وجهة نظر القادة الأمريكيين أو الأوروبيين».

وقد ارتفعت وتيرة الدعم الغربي للأنظمة القمعية منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، فالرجل بدا منذ البداية مولعًا بالقادة الأقوياء فوطَّد علاقته بالرئيس الروسي خاصَّة، وكلّ من السيسي ومحمد بن سلمان، وغضَّ الطرف عن سياساتهم الفاسدة والعنيفة. ويرى عدد من المراقبين أن العواصم الغربية الفاعلة تمكَّنت من صنع قفازات على شاكلة دول لإدارة مصالحها السياسية والقتصادية في المنطقة، وهي سياسات ترتكز على موروث استعماري مقيت، ولا تأبه لإرادة الشعوب، فضلًا عن محاولات مستمرة لمصادرة حقوقها في المشاركة السياسية. وهنا تتضح بجلاء حقيقة أن الثعالب لم تكن أبدًا سائبة، بل هي مطيعة ومدجَّنة وتعمل تحت إمرة سادتها في الغرب الذي يمكن وصفه بالمتوحش قياسًا لما يقدمه من دعم للثورات المضادة ودعاة الاستبداد وصناعة الحروب.

القفاز الناعم

قديمًا، لبس الإغريق القفاز لحماية أياديهم عند القيام بالأعمال الشاقة، ثم استعمله الرومان للزينة ودليلًا على الرُّقي الاجتماعي، كما جعل منه رعاة البقر في الغرب الأمريكي المتوحش واقيًا لهم عند شدِّ حبل الوهق .أما حديثًا، فقد جعل منه الغربيون أداة تخفي حقيقة أجنداتهم ومخطَّطاتهم الرهيبة لشعوب العالم الثالث عامَّة، والشرق الأوسط خاصَّة. إنه القفاز الناعم المنسوج في غرف العمليات الأمنية وأقبية الاستخبارات، الذي يحمي صاحبه من قذارة صنيعه، لكنَّه يخفق في ستر عورته السياسية.

الأكاديمي التونسي والأستاذ المحاضر بجامعة السوربون، محمد هنيد، أصاب المعنى إصابة فيها من الإيجاز البليغ والمطابقة لمقتضى الحال حين وصف، في لقاء مع قناة الجزيرة، دولة الإمارات «بالقفاز النَّاعم للغرب المتوحش»، الغرب الذي بنى مجده الراهن مستندًا على قيم الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لم يتورَّع عن صنع وكلاء له ينفذون سياسات قذرة يخجل قادته من الإفصاح عنها أمام شعوبهم. ويبدو واضحًا مراهنة قادة الإليزيه على كلٍّ من حكام أبوظبي والرئيس السيسي وولي العهد السعودي لتنفيذ أجندتهم في ليبيا، المتمثلة أساسًا في إرساء نظام مستبد يضمن لباريس نصيبًا وافرًا من كعكة النفط الشهيَّة. وما يجري الآن في ليبيا ليس سوى تعبير جلي عن رغبة صناع القرار في الغرب المضي قدمًا في سياسة تقويض ما تبقى من ثورات الحرية والكرامة، ومن ثمّ إجهاض أحلام الشعوب في تقرير مصيرها، لتبقى رازحة تحت نير الظلم والاستبداد. وإن لم تستفق نخب المنطقة، مثقفوها وأصحاب الرأي فيها، لوقف هذا الخطر الداهم؛ فإن مستقبل الجميع سيصبح، بلا ريب، على المِحكِّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غرب, متوحش

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد