الشجاعة والهدوء والخشوع في الصلاة، والصدق والصبر والقدرة على الإلقاء بدون توتر أمام الجمهور، وشرب الحليب بدون مزجه مع القهوة، والاستيقاظ مبكرًا وارتداء ساعة اليد، وعقد ربطة العنق، وإفشاء السلام، وتبسّمك في وجه أخيك، والحديث بلغة ثانية. لا توجد في الواقع وصفة سحرية تجعلك تقوم بهذه الأشياء وبغيرها بشكل تلقائي ومستمرّ وبدون مشقّة، لا قرص فوّار ولا حقنة ولا دورة تدريبية ولا أن تخضع لعملية جراحية على مستوى الدماغ، لكن هناك ولله الحمد ما هو أفضل من ذلك، وهو ببساطة أن تمارس هذه الأعمال وتمارسها وتمارسها حتى تصبح عادات مترسّخة في سلوكك، فالعادات تتحكم في حياتنا من جميع النواحي، إننا نلبس ثيابنا ونأكل طعامنا ونتكلم ونتجوّل ونفكّر ولا نفكّر ونتصرّف وفق ما تمليه علينا عاداتنا، ويكفي أننا نتذكر مع التعوّد وننسى أيضًا بفضل التعوّد.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث إن العلم بالتعلّم والحلم بالتحلّم (1)، ويقول أيضًا إن من يتصبّر يصبّره الله (2)، فالصبر حال وطبيعة من أحوال و طبائع الإنسان الطيبة الإيجابية المرغوب فيها، إنه بعبارة أخرى «عادة»، والتصبّر فعل إرادي أي أنه يتكوّن من الإرادة + الفعل، وهو يهدف إلى الوصول إلى هذه العادة، وهذا يعني أن الفعل الإرادي =(إرادة + فعل) هو بداية الطريق نحو اكتساب العادة، إن الفعل هو الوسيلة لتعلّم الفعل، فحتى تتعلم كيف تتحدث لغة جديدة بطلاقة يجب أن تتحدثها، فالعلم يكون بالتعلّم والحديث بطلاقة (speaking fluently) يكون بالتحدّث، مثلما أن الصبر يكون بالتصبّر الذي يعني إرادة و فعل الصبر (إرادة+فعل )، ومثلما أن الحِلم يكون بالتحلّم أي إرادة أن تكون حليمًا وفعل وممارسة الحِلم.

وعندما يقول المتنبي بأن «لكل امرئ من دهره ما تعودا»، في إحدى قصائده التي يمدح فيها حاكمًا يقول إنه تعوّد على إلحاق الضرر بأعدائه حتى صار الأمر عليه سهلا هيّنًا وحتى أصبح صفة من صفاته التي يمدح عليها (3)، طبعًا بحسب الشاعر الذي اكتسب من دهره عادة كيل المديح للملوك والحكام وهجاءهم أيضًا حسب الظروف، فإن كلامه يعني أن الإنسان من شأنه أن يختار ما يكون له في دهره من خلال الإرادة والفعل الذي يؤدي إلى اكتساب العادة، فالشجاع في دهره هو الذي تعوّد على الشجاعة، والكتوم هو من تعوّد الكتمان، والبسّام من تعوّد التبسّم، ولعب البهلوان بالكرات في السيرك بتلك الطريقة ليس مهارة جاء بها من بطن أمه، ولكنها عادة تعلّمها بالفعل والممارسة وبعد أخطاء كثيرة.

والفعل الأول هو أول خطوة نحو اكتساب العادة، يقول أديب الدعاة علي الطنطاوي رحمه الله إنه عوّد نفسه على الحِلم والهدوء في تعامله مع زوجته وأولاده بعد أن كان حادًّا غضوبًا معهم من خلال تطبيق الوصية النبوية «لا تغضب» وكتمان غضبه مرة واحدة يقول إنها كانت صعبة ومؤلمة، لكنها سرعان ما تطورت إلى عادة بعد ذلك ، فبداية اكتساب العادة هي بداية ممارستها عمليًا، لكن مع الصبر في البداية، فالبدايات دائما تكون صغيرة وصعبة لكنها تتطور دائمًا نحو الأفضل مع مرور الوقت.

تأمل بدايات أكبر الخطباء وأشهر الإعلاميين وستدرك ذلك، فأحمد الشقيري في يلا شباب وخواطر 1 لا يكاد يشبه أحمد الشقيري في خواطر 11، أو تذكّر أول مرة تتعلم فيها ركوب الدراجة، لقد كنت سيئًا جدًّا ولا بدّ من أنك سقطت مرات ومرات قبل أن تتعلم القيادة، لكن بداية اكتسابك للقدرة على قيادة الدراجة كعادة تقوم بها تلقائيًّا بمجرد إمساكك المقود كانت في ذلك اليوم الذي قررت فيه أن تحاول ركوب الدراجة، والأمر نفسه بالنسبة لقيادة السيارة والسباحة وتكسير البيض والأكل بالملعقة قبل كل ذلك.

لا تيأس بسبب البداية المتواضعة، وتذكر المثل الصيني الذي يقول إن من يسأل يمكن أن يبدو جاهلًا لبعض الوقت، لكن من لا يسأل سيبقى جاهلًا إلى الأبد، فكذلك من يقوم بالفعل الأول الذي يريد أن يصبح عادة من عاداته سيبدو عاجزًا و جاهلًا وربما بدا إنسانًا من العصر الحجري، لكنه إذا لم يرد ولم يفعل، فإنه سيبقى في عصره الحجري إلى الأبد.

Embed from Getty ImagesEmbed from Getty Images

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) «إِنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ» (صحيح الجامع؛ برقم: [2328]).
(2) روى البخاري (1469) ، ومسلم (1053) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : ( مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ) .
(3) الموسوعة العالمية للشعر العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد