يمكن أن يكون من الصعب تخيل الحياة لاجئًا، بحيث تضطر تحت الذل والهوان وقسوة الزمان إلى الفرار من بلادك للنجاة والوصول إلى بر الأمان، وإذا كنت محظوظًا سيتوفر لك الوقت اللازم لحزم أمتعتك، وإلا ستضطر إلى ترك كل شيء وراءك وتهرب، فما أصعب خسارة كل شيء، عائلة ومنزل ووطن، وأن تخرج منكسرًا وذليلًا دون مأوى أو ملجأ، لكن هذا هو واقع اللاجئين المرعب الذين يفرون كل يوم في هذا العالم من الاضطهاد والصراعات والحروب.

لقد ارتبطت كلمة (لاجئ) تاريخيًا بالحماية، حيث يحيل أصل كلمة (لاجئ) إلى قدسية مبدأ الحماية، فكلمة ملجأ تعني الملاذ الآمن والمكان المقدس الذي يأوي إليه الإنسان بحثًا عن الحماية أو الحصانة، فاللاجئ هو الشخص الذي يترك بلده ويطلب اللجوء والإقامة في بلد آخر غير موطنه لأسباب تتعلق بالحروب والنزاعات المسلحة الإثنية أو الدينية أو الطائفية أو حتى لأسباب سياسية تتعلق بأفكاره ومعتقداته، تسبب له الملاحقة والاضطهاد، الأمر الذي يضطر معه إلى مغادرة بلده طلبًا للجوء وتأمينًا للحماية، وأحيانًا لأسباب اقتصادية تتعلق باستشراء الفقر وانعدام سوق العمل وتردي الوضع المعيشي واستحالة العيش دون موارد.

وهكذا ظل البشر يتنقلون في هذه الأرض من مكان إلى آخر عبر آلاف السنين، بمحض إرادتهم واختيارهم تارة وتحت الإكراه تارة أخرى، وسيظلون كذلك في المستقبل المنظور، فالحرب وانتهاكات حقوق الإنسان والفقر وتغير المناخ والكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى التجارة الدولية ونقص اليد العاملة والمهارات وسهولة السفر وثورة الاتصالات كلها أمور تدفع الناس إلى مغادرة ديارهم بأعداد أكبر من أي وقت مضى، حيث إن هناك ما يزيد على 60 مليون شخص – نصفهم من الأطفال – قد فروا من العنف أو الاضطهاد وأصبحوا الآن من اللاجئين (النازحين) والمشردين داخليًا، كما ويضاف إليهم عدد آخر من المهاجرين بلغ 225 مليونًا غادروا بلدانهم بحثًا عن فرص أفضل للعيش أو حتى لمجرد البقاء على قيد الحياة.

هذا ويتوقع أن يستمر عدد المهاجرين في العالم بالازدياد، ولكن المشكلة هنا ليست أزمة أرقام بل هي أزمة تضامن، فما يقارب 90% من اللاجئين في العالم الآن تستضيفهم بلدان نامية (فقيرة نسبيًا)، كما وتستضيف ثمانية بلدان فقط أكثر من نصف اللاجئين في العالم، بالإضافة إلى أن 10 بلدان فقط من دول العالم تقدم ما نسبه 75% من ميزانية الأمم المتحدة لتخفيف محنة هؤلاء اللاجئين وإنهائها.

ما سبق ذكره كله دليل على أن ذاكرة العالم قصيرة للغاية، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتفقت معظم الدول على حماية اللاجئين من خلال (الاتفاقية الخاصة باللاجئين) لسنة 1951م، ومن خلال وكالات للأمم المتحدة من قبيل (المفوضية السامية لشؤون اللاجئين)، لكن الدول الغنية ببساطة لا تفي بوعودها الاستعراضية بتمويل المساعدات اللازمة للاجئين خارج بلدانها مما سبب ويسبب نقصًا مزمنًا في التمويل، ونتيجة لذلك فإن النظام العالمي لحماية اللاجئين يعاني من العجز والانهيار، والناس يشردون ويموتون في حين تنفق الحكومات المليارات على مراقبة الحدود وإقامة الحواجز بين الدول.

هذا الأمر لا بد أن يتغير الآن، لأن مشكلة اللاجئين والمهاجرين ليست أزمة مستعصية على الحل البتة، لكن يجب دعوة قادة العالم إلى الالتزام بمزيد من التعاون العالمي بشأنها، والحصول على التزامات جديدة وجدية من الدول والجهات المانحة بالعمل معًا من أجل حماية هؤلاء البشر وتعزيز قدراتهم على التكيف، وذلك حتى لا يحرم الملايين من اللاجئين والمهاجرين من حقوقهم الأساسية (الإنسانية)، كما ويحرم العالم نفسه من المنافع الكامنة والكاملة التي يمكن أن يجنيها من هؤلاء الناس.

لهذا لا بد من جميع المجتمعات الإنسانية في هذا العالم أن تقدم الحماية الدولية وتفتح أبوابها لهؤلاء اللاجئين، وأن تضع المعالجات الدائمة لهذه المشكلة حتى تحفظ كرامتهم كبشر أولا وتحفظ حياتهم وأعراضهم وطفولتهم، كما يجب التعاون مع البلدان المستقبلة للاجئين لتسوية مسائل ومشاكل أوضاع اللجوء عندها، والعمل على تأمين عودة طوعية وسالمة لهؤلاء اللاجئين إن أمكن ذلك، بالإضافة إلى معالجة مسائل الحياة ما بعد اللجوء أو العودة من اللجوء، وذلك ضمانًا لاندماجهم في مجتمعاتهم وتجاوزهم نفسيًا وإنسانيًا للظروف التي عاشوها خلال رحلة التشرد واللجوء، وهي مسؤولية تستدعي توفير المساعدة المادية، إضافة إلى الرعاية الصحية والتعليم وغيرها من الخدمات الاجتماعية.

وهذا كله يتطلب وضع أنظمة دولية (عالمية) ملزمة تعمل على إعطاء الأولوية قبل كل شيء لإنقاذ أرواح البشر، فلا يجوز أبدًا أن يموت أحد وهو يحاول عبور الحدود، بحيث يسمح لجميع أولئك الفارين من الاضطهاد أو الحروب سواء أكانوا يرتحلون برًا أم بحرًا باجتياز الحدود، وسواء أكانوا يحملون وثائق سفر أم لا، لأن إعادة الناس بالقوة أو وضع الحواجز الضخمة في طريقهم لا يؤدي إلا إلى أن يسلكوا طرقًا أشد خطورة التماسًا للأمن والأمان، كما يجب أن يسمح للناس بالتقدم بطلبات لجوئهم بحرية، وأن تعامل طلبات اللجوء هذه بنزاهة وشفافية، والعمل على توطين الأكثر انكشافًا منهم للمخاطر قبل الآخرين، وأن لا يتم طردهم أو إعادتهم إلى أوضاع تعرض حياتهم للخطر، بالإضافة إلى توفير الحقوق والخدمات الأساسية لهم من قبيل التعليم والرعاية الصحية.

كما على قادة العالم والحكومات التوقف عن تحميل اللاجئين والمهاجرين مسؤولية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم، وعوضًا عن ذلك عليهم مكافحة جميع أنواع الخوف من الأجانب والتمييز العنصري وكل ما يؤجج التوترات ويثير الفتن والقلائل، والذي سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى العنف وحتى إلى القتل والاقتتال، هذا بالإضافة إلى العمل من قبل جميع الدول على مكافحة عصابات المهربين والمتجرين بالبشر وإنقاذ الناس من براثنهم ومقاضاة أعضائها الذين يستغلون اللاجئين والمهاجرين.

أخيرًا يجب أن ندرك خطورة التوقف متفرجين ومكتوفي الأيدي تجاه ما أصاب هؤلاء اللاجئين، لكن الإنسان لا يدرك معنى المهانة والتشرد إلا بعد أن يتذوق مرارته ويعيش حقيقته، لهذا يجب اتخاذ موقف جدي وحازم تجاه الانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق هؤلاء اللاجئين والمهاجرين، والعمل على احتواء أزمتهم ومساندتهم عندما يتعرضون للمنع أو الطرد، بالإضافة إلى محاربة كل من يحاول بث الخوف والانقسام ويعمل على تشجيع التمييز والتعصب ضدهم، لأن هذا أوان بناء الجسور لا الجدران بين الناس والبشر في هذا العالم، فأزمة اللاجئين محنة إنسانية وكارثة بشرية يجب أن تنتهي أسرع وقت وقبل فوات الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الأمم المتحدة
عرض التعليقات
تحميل المزيد