حظيت السعودية وما تزال بموقع استراتيجي متميز ومكانة هامة وثروات طبيعية جمة أهمها النفط، الأمر الذي جعل منها مطمعًا لعديد الدول الكبرى بيد أنها تمكنت سريعًا من ربط علاقات مع هذه الدول مكنتها من تجاوز أي مخاطر، فكانت المصالح السياسة والاقتصادية المحرك الأول لهذه العلاقات خصوصًا بعد اكتشاف النفط فيها في ثلاثينيات القرن الماضي ودخول الولايات المتحدة الأمريكية إلى المملكة وتوغلها في اقتصادها بمباركة عائلة آل سعود ونخص بالذكر المؤسس الأول للمملكة الملك عبد العزيز.

السعودية.. المملكة الجديدة والرؤية المعاصرة

لم يكن حلول الملك سلمان بن عبد العزيز حلولًا اعتياديًا كسائر الملوك في السعودية، بل على العكس من ذلك فقد جاء مصحوبًا بنجله الذي نصب نفسه ولي عهد رغمًا عن أنف الكارهين عن طريق إزاحته لأبناء عمه بطرق يراها البعض غير شرعية باعتبار أن الوراثة الملكية أو ما يعرف بالخلافة داخل أسوار المملكة السعودية هي خلافة أفقية وليست عمودية كسائر الممالك التي ينتقل فيها الحكم من الأب إلى الابن.

وبظهور محمد بن سلمان تغيرت كل المفاهيم وتلاشت الخطوط القديمة التي رسمتها في الماضي أسرة آل سعود بمعية جماعة آل الشيخ المسؤولين عن الشؤون الدينية، بل وبدأت المملكة بالدخول في فترة انفتاح داخلي تكاد تقارب فترة السبعينيات قبل حادثة حصار مكة. قرارات عديدة تهم المرأة السعودية التي لطالما عانت من الضغط وحرمت من عدة حقوق كان من الحري أن تتمتع بها منذ القدم.

بيد أن هذا الانفتاح كان محكومًا ببعض القيود ومشروط بل ومقيد وقد جاء ابن سلمان ذلك الأمير الشاب الثلاثيني ذو تعليم وتكوين مغاير لبقية الأمراء والملوك السعوديين السابقين، بجملة من الإجراءات المختلفة التي هزت الشارع السعودي كقيادة المرأة للسيارة وحقها في الدخول إلى الملاعب الرياضية وغيرها من الإجراءات الاجتماعية التي تباينت الآراء بخصوصها ولكن اتفق السعوديون على أنها خطوة نحو الأمام وقاموس معاصر وحديث دخلته السعودية من أوسع أبوابه على يد أمير شاب ذي أيديولوجيا وتفكير مختلف عن سابق الأمراء والملوك الذين حكموا المملكة.

نجاح داخلي جزئي مقابل فشل في السياسة الخارجية

يمكن القول أن ابن سلمان تمكن فعلا من «خداع» أو تزييف بعض المفاهيم أمام شريحة كبيرة من المجتمع السعودي فقراراته الداخلية تميزت بالاضطراب والتناقض وخير دليل قضية المرأة وقيادتها للسيارة التي بقيت رهين موافقة الزوج أو الأب أو الأخ أو ولي أمرها، وكأن القرار هنا كان منقوصًا فالمرأة لم تأخذ حقها كاملا في أن تقود السيارة أو تمتنع عن ذلك وبقيت الحرية هنا غير مطلقة وأبقى الأمير الشاب مع الأسف النساء السعوديات في قبضة رجالهن.

أما عن «الفساد» الذي حاول ابن سلمان محاربته داخل المملكة لم يكن سوى أداة حادة قطع بها سُبُلَ وصول كبار رجال الدولة ورجال الأعمال إلى سدة الحكم ووسيلة تعبئة لخزينة الدولة السعودية التي بدأت بالنفاد لسببين، أولهما الاتفاق السعودي الأمريكي الذي كبد المملكة دفع أموال طائلة خلال المؤتمر السعودي الأمريكي «العزم يجمعنا» الصيف الفارط والتي قدرت بـ450 مليار دولار، والسبب الثاني هو تراجع عائدات النفط خصوصًا بعد الإعلان عن دراسات تشير إلى أن النفط السعودي ماض في النفاد بحلول سنة 2030 الأمر الذي أكدته بعض المنظمات الغربية كمنظمة بريتش بترول وغيرها… مما يوضح دوافع قيام الرؤية 2030 الاقتصادية التي تهدف إلى خلق سبل جديدة لدعم الاقتصاد السعودي.

ولئن لاقت قراراته الداخلية نجاحًا جزئيًا ورواجًا، فإنه من الحري أن يعترف هذا الأمير بفشله في السياسة الخارجية إجراءات استثنائية وقرارات تخرج من الرياض دون تمعن أو تفكير، أولا العداء السعودي الإيراني شكل غشاوة على أعين الأمير ووالده الملك الذي دفعه بأن يدخل في حرب ليس له أي دخل فيها لولا ذلك العداء الطائفي (السني -الشيعي) بين السلطات السعودية وقوات الحوثي في اليمن حرب وصراع دخله ابن سلمان ليثبت أنه الأقوى أمام الخصم الشيعي الإيراني.

وكانت حلبة الصراع اليمن «السعيد» الذي تحول إلى ساحة حرب بالوكالة بين الخصمين من جهة أخرى تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إثبات قوتها أمام خصمها الروسي، وكانت حلبة الصراع الجمهورية السورية التي احترقت بنيران الحرب منذ سبع سنوات مضت.

وقد يتساءل أحدكم عن دور السعودية في هذا الصراع السوري والإجابة ستكون حتمًا أنها لا تتوانى عن تقديم المساعدات المالية للولايات المتحدة ربما بضغط من ترامب كاحتمال أول وربما هي محض مساندة بديهية من السعودية على اعتبار أنها في الحلف الذي يعادي روسيا وإيران ومن التف معهم وبذلك يحضر العداء السعودي الإيراني مجددًا على الأراضي السورية لتسقط سوريا ضحية حسابات أخرى بين كبار الدول في المنطقة العربية هذه الدول التي يهمها بقاء الشرق الأوسط في حالة هيجان واهتزاز دائم لتتورط السعودية مجددًا في نزاعات كان من الحري بها التدخل لحلها بدلا من زيادة تعقيد الأمور وتعميق الأزمة.

لم تتخل الرياض في الآونة الأخيرة عن شد وجذب حبال هذه النزاعات فقط إذ لم يكتف ابن سلمان بالتدخل في الشأن اليمني والسوري فقط بل على العكس من ذلك فغروره السياسي سمح له مع مجموعة من الدول تمثلت في الإمارات المتحدة ومصر والبحرين بنصب حصار على قطر مر عام على وضعه دون حل يذكر بتهمة تمويل التنظيمات الإرهابية بدعم أمريكي ازدواجي، ونعني بالازدواجي تصريحات ترامب التي كانت معادية تمامًا في البدء لقطر ثم تغيرت لاحقًا، الأمر غير المستغرب فسياسة أمريكا كانت وما تزال «لا صديق دائم ولا عدو دائم».

هذا الأمير الشاب الذي جاء داعيًا إلى الإصلاح نسي نفسه فوقع عن حين غرة في فخ الدول الكبرى وصراعاتها ليجد نفسه مسؤولا عن دفع فواتيرها دون تفكير ودون وعي منه، والهدف الرئيسي كان وما يزال الرغبة في الانتقام من الخصم الإيراني، هذه الرغبة التي زادت حدتها مع سقوط الشاه الإيراني ومجيء الثورة عام 1979 وبحلول آيات الله الخميني في السلطة.

حظي الملف الفلسطيني أيضًا بتدخل من الأمير ابن سلمان، وكان تدخلًا تميل الكفة فيه لصالح الطرف الصهيوني حيث صرح ابن سلمان في عدة وسائل إعلامية غربية وحتى عبرية بأنه قد حان الوقت الذي وجب على الفلسطينيين قبول أي عرض أو صفقة من قبل الطرفين الأمريكي أو الإسرائيلي بدل التذمر، جاءت هذه التصريحات بعد أشهر من إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، وقد لاقت هذه التصريحات إشادة من قبل الإعلام العبري.

الأمر الذي بات يدفعنا اليوم إلى التساؤل عما يريده هذا الأمير وما إذا كان واعيًا بما يفعله أو أنه يقبع تحت ضغوطات أمريكية، خصوصًا بعد إعلان قانون جاستا العام الماضي الذي ورط السعودية في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أم أنه فعلا يتودد إلى الأب وابنه ظنًا منه أن الولايات المتحدة وإسرائيل سيساعدانه في حلم الانتقام من إيران الذي يراوده، خاصة وأن إيران عدو مشترك بين الأطراف الثلاثة التي شكلت مثلث برمودا جديدًا داخل المنطقة العربية يعصف بأي طرف معاد لهم.

إن مسلسل النزاعات الذي تورطت فيه السعودية كان أمرًا بديهيًّا ومتوقعًا، لأنها كانت وما تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكل ما تفعله الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تكون قرارات ابن سلمان هذه مجرد إملاءات أمريكية خصوصًا وأنه لا يزال غير مدرك عواقب قراره القاضي بالتخلي عن المذهب الوهابي في السعودي أي أنه لم يدرس فعليًا ردة فعل السلطة الدينية، وهل أنها قد تشكل عقبات أمامه زيادة على ذلك فإن الأمير الشاب بدا متحمسًا لتغيير الواقع السعودي الديني والاجتماعي والاقتصادي مقابل فشل سياسته الخارجية، الأمر الذي شوه علاقته بعدة دول خصوصًا القابعة تحت وطئة الحروب والنزاعات متأثرا بالتحالف الأمريكي هذه العلاقة التي باتت تورط السعودية في مشكلات غير محمودة العواقب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد