بينما نحن نعيش هنا في دنيا البشر نجيء ونذهب، ونأتي ونروح، نتحرك هنا وهناك. تتوارد أفكارنا في عوالم أخرى، وترتحل أروحنا في أفلاك بعيدة، وتنبض قلوبنا بمشاعر مغايرة مختلفة تمامًا عن الواقع، وربما تجد إنسانًا غنيًّا منعمًا منمقًا وهو حزين القلب، أسير الروح، مهموم الفكر، ولربما ترى إنسانًا بسيطًا معدمًا سعيد القلب، منطلق الروح، وحالم الفكر. بل رب سكان قصور يتضورون من آلام الجسد والروح، وسكان المنازل البسيطة ينامون في هناء وسعة ودعة رغم ضيق الحال، ورب لين فراش وثير آلم جسد صاحبه، وقسوة فراش فقير أسعد صاحبه.

فليس حال الجسد كحال الروح، وليس عالم الأجسام كعالم القلوب والأفهام.

ومع ذلك فأرواحنا تسعد بكلمات المديح والإطراء، وتتهلل قلوبنا بعبارات الثناء والارتقاء، وتحلق أفكارنا عاليًا بكل مفردات الإطراء، وتدمي قلوبنا سهام كلمات النزاع والشقاق، أو عبارات الاحتقار والازدراء. ما الذي يحدونا لنطير بأجنحة عبارات الإطراء ويدفعنا فرحين كلما استمعنا للثناء. وما الذي يسقطنا بعبارات الانتقاص والهجاء، ويحزن قلوبنا كلما رأينا ممن حولنا إيلامًا وعناء.

كيف أسلمنا قياد أرواحنا لمن حولنا وأهديناهم راحة قلوبنا؟ كيف سجنا أفكارنا بين طيات كلماتهم؟ وأودعنا مشاعرنا حروف عباراتهم؟ كيف استأمنا ذئب مشاعرهم على يوسفنا؟ وكيف رجونا منهم أن يرحموا جمال قلوبنا وحسن أروحنا؟ كيف انتظرنا من الناس أن يمدحونا؟ وكيف رجونا منهم ألا يهجونا؟

أما علمنا أن الناس تكره فينا كل جميل؟ وأنهم يكرهون فينا ما يميزنا ويصغرهم، وما يزكينا ويرفعنا يخفضهم. يا ليت شعري، أما علمنا كيف قتل قابيل أخاه هابيل؛ لأن قربانه كان جميلًا ومتقبلًا؟ أما علمنا أن أبرهة حاول أن يهدم الكعبة لأن الناس تحج إليها ولا تحج إلى بيته؟

كيف ارتضينا لأرواحنا أن تكون ملكًا للآخرين حولنا، يسكنوها الجنة بمدحهم، أو يزجون بها في النار بقدحهم، وما الناس حولنا إلا رهبان في معابدهم، طوافون حول ذواتهم، ينظرون إلينا من خلال عين مغانمهم، وغرض مصالحهم وهدف مكاسبهم. لسان حالهم أنا ومن بعدى الطوفان، أو أنا الأفضل والأحسن والأسعد وغيري، وغيرى لا يستحق.

كيف ارتضينا لأفكارنا وعقولنا وقلوبنا أن تكون مشاع التقييم والتصنيف من كل من هب ودب حولنا؟ ننتظر رأيهم، ونتطلع إلى تقييمهم، ونرجو ثناءهم، ونحذر ذمهم. كيف أعطينا لمن يكرهونا حق تقييمنا فنسر بمدحهم ونأسى لقدحهم، وقد علمنا أن أرواحهم لا تحب أروحنا، وأن قلوبهم تبغضنا، وأن عيونهم تقذف علينا مكنون قلوبهم كلما طالعناها.

يا ليت شعري أما تعلمنا درس الإيمان الأول؟ أما أدركنا معنى الإخلاص الصافي؟ أن نولي وجوهنا قبل رب الناس، وأن نقصد بأعمالنا كلها وجهه، وأن ننشغل به عنهم، وأن نرجو رضاه سواهم، وأن نودع أرواحنا كرمه وجوده وحلمه وفضله؛ فلا يكرم أرواحنا إلا كرمه، ولا يسع قلوبنا إلا فضله، ولا يروي عطش قلوبنا إلا عذب فرات عطائه.

يا ليت شعري، ألم يخوفنا الله من الناس؟ ويحذرنا أن نولي وجوهنا إلى قبلتهم، وأن ترنو قلوبنا إلى وجهتهم فتفسد أعمالنا وتصير هباء منثورًا. أما آن لنا أن نتخلص من ألم قلوبنا وأرواحنا كلما أذانا الناس وهم مؤذون، ونتخلص من اكتئابنا كلما هجانا الناس وهم شعراء ذم وهاجون. أما آن لنا أن نتخلص من ضغوط الأعمال المليئة بالآلام، من سهام البشر الحاقدين حولنا؟

يا لأرواحنا المتعبة من آلام الصراع الكاذب، ويا لقلوبنا المعذبة في أوهام الجحيم المزعوم، ويا لأفكارنا اللاهثة خلف سراب الكلمات البراق الخادع. ويا لأجسادنا المنهكة في بناء قصور الرمال.

ويا للقوم حولنا نظن أنهم تفرغوا لعدائنا وأعلنوا علينا الحروب، ونحن لا نعني لهم أي شيء من دوائر الاهتمام، أو نظن أننا في عيونهم أفضل البشر، ونحن لا نزن في موازينهم مثقال ذرة من الاهتمام.

يا ليت شعري، أما آن لنا أن نخلص في علاقاتنا، وأعمالنا، وأرحامنا، ومعاملاتنا، وأخذنا، وعطائنا، فنتعامل مع الله وحده ولا نرجو سواه. فنتقن أعمالنا، ونخرجها في أفضل حال وأتم مقال، ولا ننتظر الثناء من الزملاء أو الإطراء من الرؤساء ليفرحنا، ولا نحذر الذم والهجاء لأنه يحزننا.

أما آن لنا أن نخلص في علاقاتنا؛ فنعامل الناس كما نحب أن يعاملونا، ونحسن فيهم ما أساءوا، ونتلطف بهم ما جحدوا، ونصل ما قطعوا، ونعطي ما منعوا، ولا نناظرهم ونشابههم فيما فعلوا. ولا ننتظر منهم مدحًا، ولا نخشى منهم قدحًا. ألسنا نخلص لله، ونصل لله، ونود لله، ونكره لله، فعساه حينئذ أن يطلع علينا فيعطينا، ويمدحنا وينجينا ويحبنا في ملأ خير من هذا الملأ، وعالم خير من هذا العالم.

يا ليت شعري لماذا يتقاتل الناس وكلهم راحلون؟ لماذا يكره الناس وكلهم مغادرون؟ لماذا يهاجم الناس ويهجون ويقدحون وكلهم كالزجاج منكسرون؟ لماذا يتنافس الناس ويدمون قلوب بعضهم وهم سيخرجون صفر الأيدي وبيض الجيوب؟ لم لا نرتحل من عالم الكلمات الزائفة إلى جنة الأرض وجنة السماء، إلى راحة القلوب وراحة الأرواح، وننجو بأنفسنا من جنة المسيخ ونار القدح والذم؟

هلموا إلى راحة الأرواح، حيث نصنع عوالمنا الخاصة بنا، ولا نسمح لهؤلاء البشر أن يقربوها أو يدنسوا أروحنا بسيل كلماتهم المريضة، ومشاعرهم المعادية الكارهة. لماذا لا نهتم لأروحنا ونودعها اهتمامنا وحمايتنا، ودعمنا ورعايتنا، ونطلب من الله حفظها ومداواتها وسلامتها وعافيتها؟ لماذا لا نتخلص من شرك المشاعر والأحاسيس ونسارع إلى الجنة التي تنتظر المخلصين.

هلموا ندخل إلى عوالم النقاء والصفاء، نطرق الباب ندخل على الرسول فننهل من أنواره، ونقتبس من قبس جماله، نطالع وجهه كل ليلة فتزداد أرواحنا نورًا وجمالًا، ونسمع صوته الحاني الجميل يكرر كل ليلة «يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد