يمكن أن تتعدد التفسيرات للتخلف، لكن من منطلق أن التخلف يعني غياب العقل والعلم، فالروح تبقى حاضرة في تفسير التخلف، والمقصود بالروح هو غياب العقلنة. وأعتقد أن السبب هو غياب العقلنة.

(1) روح أم عطية

رأفت الميهي المخرج الكبير له تحفة سينمائية على المستويين البصري والحواري اسمها (الأفوكاتو)، الفيلم الذي يذكرني كثير بأفلام الكوميديا السوداء للمخرج الأمريكي (ستانلي كوربريك)، لكن الفيلم فعلا من التحف الفنية – على الأقل بالنسبة لي – بسبب السخرية اللاذعة فيه، في أحد المشاهد يحاول حسن سبانخ (البطل) إقناع زوجته بأن ترضخ لمطالبه بأنها (تعمل عملية اللحمية) لكن يخترع قصة خرافية حول أشباح وأرواح لترضخ لذلك دون أن تعلم، فيكون الحوار كالآتي:

– عايزين نحضر روح أمك يا عطية عشان القضية الكبيرة دي.

– واشمعنا روح أمي يا حسن. ما تحضر روح أمك؟!

– أصل أنا تعبان ومش هعرف آخد الحقنة يا عطية.

– ثم توافق عطية، تذهب مع الطاقم الطبي.

الحقيقة أن روح أم عطية حاضرة الآن معنا، بدليل أن الزعيم استدعى روح أمه ليبرر لنا بيعه للجزيرتين وعدم دخوله في حرب ضد ليبيا، وبالطبع روح أم الزعيم تختلف موضوعيا وضمنيا عن روح أم عطية، لكن كلاهما روح لست مصرية أصيلة. وهنا تكمن المشكلة.

لو أتيح لنا أن نحاول محاولة جادة وغير ساخرة لتفسير المأزق الذي وضعنا فيه منذ الثمانيات وحتى الآن يمكن أن نضع نظريات وأطروحات كثيرة حول أسباب التخلف. لكن في النهاية – و في نظري – تكمن المشكلة في العقل. العقل هو مضاد لروح أم عطية المطلقة.

(2) روح هيجل المطلقة

في القرن الثامن حينما كان هيجل والهيجيليون هم المسيطرون في الفلسفة الألمانية ولا أبالغ لو قلت الغربية، كان الشباب الهيجليون يهاجمون بجنون، وقد يصل للعنف المبالغ فيه كل من ينتقد هيجل باعتباره مثاليا، كانت الهيجلية هي المذهب الحاكم للدولة البروسية.

هيجل بالطبع له طرح شهير حول أن الدولة وهي في تعريفة كيان اجتماعي فوقي يعبر عن التطور للمجتمع الحديث وهي غير قابلة للنقد البنيوي ولا يوجد بديل عنها.

هيجل كان يشبه الدولة بروح المطلق، بمعنى أن المطلقات في الفلسفة هي ما لا يدركة العقل الإنساني، وبالتالي الدولة لا لا يدركها العقل الإنساني فكما أسلفت هي بناء اجتماعي فوقي غير قابل للنقد غير قابل للتغيير.

قد تتفق أو تختلف مع هيجل لكنك في النهاية تحترم طرحه، في سياقه التاريخي والشخصي وأيضًا السياق الاجتماعي.

هيجل كان أستاذ الفلسفة ثم مديرًا لجامعة ميونخ، في فترة صعود وتكون طبقة برجوازية ألمانية وأوروبية قوية تمتلك مشروعًا للتحديث أنجزت جزءًا كبيرًا منه في كنف الدولة القومية، لذلك لا يختلف أحد على أن هيجل في تلك الفترة كان صحيحًا جدًا.

(3) روح أم الجنرال

منذ الثمانينات لم تعد البرجوازية المصرية تمتلك شيئا، عبد الناصر في الستينات كان لدية مشروع برجوازي بامتياز، قائم على التصنيع والتحديث القسري، لكن مات المشروع الشكلي بموته، ومع السادات حاول الرجل أن يصنع لنفسه وطبقته مشروعا مماثلا بآليات مختلفة لكنه فشل، مبارك جاء إلينا بدون مشروع ولا أي شيء سوى (روح أم عطية). بالطبع فالدولة لا يمكن أن تستفيد من روح أم عطية، تلك الروح كناية عن الخرافة وغياب العقل وغياب المشروع والرؤية وكل شيء، الأمر كله يمكن أن يختزل في مجموعة من الصراعات حول تملك مساحات سلطوية تتيح بقدر ما السرقة والنهب. أجهزة الدولة تتصارع مع بعضها البعض، الطبقة البرجوازية منقسمة حول تقسيم المصالح، كل على شاكلته يغني.

وهنا تصعد روح أم عطية لتحسم الجدال القائم في مشروع الحداثة في مصر منذ محمد علي وحتى عبد الفتاح السيسي. هذا الجدال حول الحداثة والعقل وممارسة الديمقراطي والدوغما العسكرية، وبالطبع السؤال الذي طالما أرق المفكرين المصريين، وهو سؤال الأصالة والمعاصرة.

التحديث لا يمكن أن يكون بغياب العقلنة والعلم، ولا يمكن أن يترك أسئلة هامة بدون إجابات، أسئلة على شاكلة علاقة الدين بالدولة والمجتمع في المجال العام، أسئلة حول نوعية التوجه الاقتصادي. التحديث يجيب على الأسئلة لا يتركها بدون إجابات.

إذن وبالعودة للمشهد السينمائي الذي يستدعي فيه الجنرال روح أمه، لإيجاد تبريرات أخلاقية، على مواضيع عدة، حينما رأيت الخطاب لم أتعجب بالقدر الكافي، لأنني ربما أعرف أن روح أم الجنرال شبيهة بالنظرية الحاكمة للمجتمع المصري منذ الثمانينات وحتى الآن وهي نظرية (روح أم عطية).

نهاية، للتفسير الهيجلي للدولة عقلانية كبيرة، فالدولة هي روح المطلق، لكن الدولة المصرية لم تتعد أن تكون روح أم عطية أو روح أم الجنرال ليس أكثر وليس أقل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد