تستثير وسائل الإعلام الميول النرجسية لدى الأفراد عن قصد، ويبدو أثر ذلك واضحًا في التحول الذي طرأ على سلوك الأفراد جيلًا وراء جيل، وهو أكثر وضوحًا عند الأجيال الجديدة اليوم، وبالأخص لدى المراهقين.

دعني أولًا أبدأ بتعريف مصطلح النرجسية كما يراه خبراء الطب النفسي.

تُعرَّف النرجسية بأنها حب النفس، وهي اضطراب في الشخصية، حيث تتميز بالغرور، والتعالي، والشعور بالأهمية ومحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين. والكلمة أصلها يوناني نسبة إلى أسطورة يونانية ورد فيها أن «نركسوس» كان آية في الجمال وقد عشق نفسه حتى الموت عندما رأى وجهه في الماء.

الصفة الأساسية في الشخصية النرجسية هي الأنانية، وعشق النفس. فهو يرى أنه الأجمل أو الأفضل ويرى الناس أقل منه جمالًا وفضلًا، ولذلك فهو يُبيح لنفسه استغلال الناس والسخرية منهم.

يهتم النرجسي كثيرًا بمظهره وأناقته ويدقق كثيرًا في اختيار ملابسه، ويعنيه كيف يبدو في عيون الآخرين وكيف يثير إعجابهم، ويستفزه التجاهلُ من قبلهِم جدًا، ويحنقه النقد ولا يريد أن يسمع إلا المديح وكلمات الإعجاب. يتصاحب كل ذلك بشعور غير عادي بالعظمة، يسيطر على صاحبها حب الذات وأهميتها، والاعتقاد بأنه شخص نادر الوجود، أو أنه من نوع خاص فريد لا يمكن أن يفهمه إلا خاصة الناس. وينتظر النرجسي من الآخرين احترامًا من نوع خاص لشخصه وأفكاره، وهو استغلالي، ابتزازي وصولي يستفيد من مزايا الآخرين وظروفهم في تحقيق مصالحه الشخصية، غيور متمركز حول ذاته، يستميت من أجل الحصول على المناصب لا لتحقيق ذاته وإنما لتحقيق أهدافه الشخصية.

ويميل النرجسيون نحو إعطاء قيمة عالية لأفعالهم وأفضالهم والبحث عن المثالية في آبائهم أو بدائل آبائهم من حيث المركز والعطاء.[1]

وعودة إلى ما بدأنا به، فإن أغلب وسائل الإعلام تتبنى خطابًا يحرض النزعة النرجسية لدى المتابع. أحيانًا يكون ذلك بشكل واضح فج مثل تكرار لا يملُّ لعبارات من نوع «لأنك تستحق الأفضل»، «لأنك الأقوى»، «كن نجمًا»، «كن مسيطرًا»… إلخ. لكن الأخطر هو الشكل الأكثر نعومة لهذا الخطاب من خلال الأفلام، والمسلسلات، والدعايات التجارية، وبرامج المسابقات، والبرامج الحوارية. حيث يرتكز جزء أساسي من البث العاطفي على موجة الفردية والأنانية، وبناء نزعة النجومية لمدى المشاهد أو المتابع عمومًا؛ وهو ما يجد صدى خاصًا في وجدان المراهقين، ويتأثر به غيرهم بنسبٍ متفاوتة.

لنكون أمناء في التحليل والتشخيص، فإنه لم يقم حتى اليوم دليل يمكن الاعتماد عليه في إثبات أن ذلك البث العاطفي كافٍ وحده لبناء الشخصية النرجسية المتكاملة كما هي متعارف عليها بين خبراء الطب النفسي، ربما لأن هناك عوامل أخرى لابد أن تتوفر لحدوث ذلك الاضطراب في الشخصية بشكله المثالي. إلا أن المؤكد أن السلوك والتفكير لدى متلقي ذلك البث ينزاحان بقدر ما تجاه الطبيعة النرجسية.

ويبقى السؤال هو: لماذا تُقدِم وسائل الإعلام على ذلك؟

يمكن اختصار الإجابة دون إخلال في شقين:

الأول يكمن في التمويل. فمصدر التمويل الرئيسي لوسائل الإعلام هو الإعلانات التجارية، وكلما ازدادت النزعة النرجسية لدى الأفراد، كلما زادت ميولهم لاستهلاك الكماليات، حتى غدت ثقافة الاستهلاك هي المسيطرة بلا منازع، والنتيجة بالتأكيد زيادة غير محدودة في أرباح الممولين.

أما الشق الثاني فربما كان الأخطر. فكلما زادت الميول النرجسية لدى الأفراد قل إدراكهم ووعيهم، فهي علاقة عكسية ثابتة على مر الزمان. وبذا يصبح إقناعهم بمختلف الرسائل التي تبثها وسائل الإعلام أكثر سهولة، ويصبح بناء ثقافة القطيع ممكنًا. فأسهل وسيلة لإقناع أحدهم بفكرة ما هو العزف على وتر غروره الشخصي. وحينها يمكنك أن تعزف أي مقطوعة تشاء، اقتصادية أو تجارية أو سياسية أو ثقافية أو قومية أو دينية… إلخ.

ويحضرني هنا قول سيد الخلق صلى الله عليه وسلم «إن من البيان لسحرًا»[2].

ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى جهد عظيم للإجابة عليه هو: كيف يمكن أن نواجه ذلك؟

في رأيي أن الحل الأساسي يكمن في التوعية بالحقيقة، أو تحفيز ما يسمى في علم النفس بالاستبصار. فما أن يدرك الفرد حقيقة ما يحدث، حتى يبدأ بشكل تلقائي في ملاحظته وتحليله، ويعمل عقله على بناء المناعة المناسبة مع الوقت. ومن هذا المنطلق كُتبت هذه السطور هنا.

————————————

[1]  تعريفات الشخصية النرجسية منقولة بتصرف من موسوعة الويكيبيديا وموقع الشبكة العربية للصحة النفسية الاجتماعية «مجانين.كوم».

[2]  حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنغامٌ
عرض التعليقات
تحميل المزيد