العبثية هي حالة صراع بين ميول الإنسان للبحث عن هدفه من الحياة، وبين عدم مقدرته على فعل ذلك. وتتلخص فلسفتها في أن مجهودات الإنسان لإدراك معنى الكون دائمًا ما تنتهي بالفشل؛ وهي لذلك عبثية.

فالإنسان وفقًا للعبثية يبحث منذ الأزل عن معنى للحياة، هذا البحث ينتهي بالوصول إلى نتيجتين هما: إما أن الحياة دون معنى، أو أنها تحتوي على هدف وضعته قوة عليا، وذلك عبر الإيمان بالله أو اتباع ديانة أو مفهوم مجرد آخر. وعند اعتبار قوة روحانية معنى للحياة فإن سؤالًا آخر يطرح نفسه: ما الهدف من الإيمان بالله؟ يؤمن«سورين كيركغور» بأن هذا الهدف لا يمكن فهمه من قبل البشر، أي أن الإيمان بالله شيء عبثي. أما «كامو» فيقول إن الإيمان بالله هو رفض أحد شروط التناقض الموجود بين البشر والكون «أي إن الإيمان بالله شيء غير عبثي لكنه يعتبره انتحارًا فكريًّا».

كان هدف «ألبير كامو» من تأليف كتابه «أسطورة سيزيف» هو أن يُعالج بالضرورة التساؤل عما إذا كان للحياة معنى، وبالتالي أن يُعالج مسألة الانتحار التي سادت أوروبا في زمانه، بدون مساعدة القيم الدينية والاخلاقية، لذلك يرى «كامو» أن كتابه هذا دعوة سهلة إلى العيش والخلق حتى في وسط الصحراء.

نشر مرة الفيلسوف «ويليام لين كريغ» على موقعه الإلكتروني مقالة بعنوان «عبثية الحياة من غير الله»، والتي نصّت على أن العقيدة الإلحادية المفرّغة من الإيمان بالله لا بد أن تؤول بالملحد إلى العدمية، بالمعنى الواسع للعدمية، حيث لا قيمة لشيء في ذاته. وردًّا على هذا المقال نشر في باب أسئلة القراء على الموقع الإلكتروني نفسه طالب فلسفة في إحدى الجامعات الأمريكية عنوانًا «لقد دمّرت حياتي، بروفسور كريغ»، وخلاصة الأمر أن هذا الطالب قد أُشرب قلبه الإلحاد، حتى إن جلّ أبحاثه الجامعية كانت عن الإلحاد، إلى حين أن قرأ مقالة «كريغ» فاهتز له وجدانه ولم ينم يومين متتاليين، بعدها شعر هذا الشاب أنه لا بد من التسليم لما قرره «كريغ»،ولذلك حاول أن يعيش متناسقًا مع الإلحاد كمبدأ عقدي، ولكنه لما وضع رجله في عالم «العدمية» صرخ قائلًا: إن العدمية لا يمكن أن تُعاش. لقد أصيب بالتأزم النفسي وانكفأ على نفسه في عزلة تامة، وختم الشاب رسالته بقوله إنه: ملحد يكره الإلحاد.

إن العبثية دخلت في المسرح العالمي من خلال أعمال كل: أوجين يونسكو وصموئيل بيكيت، ففي مسرحية «المغنية الصلعاء» ليونسكو يمكن القول إنها تنتقص إلى العقلانية والمنطق في كل ما تعمل وما تقول، فشخصيات المسرحية تردد جملًا وعبارات منقولة من كتب تعليم اللغات وحوارات تتسم بالتفكيك والابتذال لتدلل على خراء اللغة البشرية من القيم والمضامين، وخلوا العالم الذي تعبر عنه من القيم والمضامين أيضًا، هذا العبث الذي يتجلى في آلية العبارات التي تثير الضحك يزداد حينما يعرض علينا في إيقاع سريع يبلغ حد الهوس، إن اللغة البشرية لم تعد وسيلة اتصال أو تفاهم، لأنها لا تنهض بهذه الوظيفة، فقد أصبحت الألفاظ أشبه بالحجارة يتبادلها الشخوص أو يتراشقون بها، حينما أصبحت هذه الشخوص تصبح كالطيور وتزمجر كالحيوانات.

أما مسرحية «في انتظار جودو» يؤسس «بيكيت» الضحكة العدمية التي تفتح فجوة على العدم، وفي مسرحيته الثانية «نهاية اللعبة» فإن الموت هو السيد الموقف، وهو الحتمية التي لا مناص منها بل هو الأمل والخلاص أيضًا، ففي المسرحية لا يحدث شيء، اللهم إلا إذا اعتبرنا تحريك هام في الغرفة وملامسته للجدران حدثًا، والزمن ثابت ميت، زمن الصفر، الصفر الكوني تفوح منه رائحة الموت من المكان، بل من العالم المحيط كله ففي هذا المناخ الخانق بالعبث وبالموت وأحيانًا بالتذكارات والحنين إلى ذكريات الطفولة والشباب والتوق إلى العالم الخارجي، تبقى الشخصيات الأربعة الموجودة في المسرحية تنتظر نهاية اللعبة.

كما نجد رواية «رحلة إلى أقاصي الليل» لـ«لويس فريناند سيلين» التي تتميز بوجهيها الواقعي والنفسي، وبتجربته الشخصية في إدراك واقع عصره والانطلاق منه في تأمل وضع البشرية، وقد كتب الكثير عن أسلوب «سيلين» منذ صدور الرواية عام 1932 فصنف فرويد أسلوب «سيلين» ضمن النزعة العدمية، ورأى برناتوس بأن عدمية «سيلين» منحازة إلى الفقراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

– كامو، ألبير، 1983م، أسطورة سيزيف، ترجمة: أنيس زكي حسين، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت.
- بيكيت، صمويل، 1992م، نهاية اللعبة، ترجمة: بول شاوول، وزارة الإعلام الكويت.
– بيكيت، صمويل، 2009م، في انتظار جودو، ترجمة: بول شاوول، منشورات الجمل- بيروت.
– يونسكو، أوجين، 2006م، الأعمال الكاملة ليونسكو، ترجمة: د. حمادة إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة.
– سيلين، لويس فرديناند،2007م، رحلة في أقاصي الليل، ترجمة: حسن عود، وزارة الثقافة- الهيئة العامة السورية للكتاب.
عرض التعليقات
تحميل المزيد