القبلية... أضحوكة الصوماليين في العالم

قبل شهور كنت أشاهد حلقة من برنامج رحيق الكتب لعمرو أديب. وكان يحاور كالعادة المفكر والروئي المصري يوسف زيدان، ودخل الحديث بهما بدون شعور منهما حول أبرز قضايا الفكربة والثفافية والسياسية التي يمر بها عالمي العربي والإسلامي، مستغربين ومتسائلين كغيرهم بعدم تبدل الحال، متفقين كما فهمت من فحوى نقاشهم أن الأمور (الأطروحات والجدليات الفكرية والثقافية والسياسية) هي نفسها التي كانت موجودة قبل قرون؛ وإنها لم يتم تجاوزها حتي الآن، بعبارة أخري ليس هناك أي تطور فكري وثقافي وسياسي منذ زمن بعيد، وأن هذه الشعوب قابعة في تخلف متجدر وموبوء، وغير قادرة على حل مشاكلها، بل تنتقل واحد لأخر موسعة دائرة الظلام حتى تغرق نفسها بنفسها.

والصومال كجزء صغير غير مرء في هذين العالمين أكبر دليل حول هذا، ونضيف بانفسنا بميزتين أخرى عن باقي شعوب المسلمة: ننسى أو نتظاهر بعدم وجود مشكلة والميزة الأخرى نحاول حل المشكلة بنفسها.

بالرغم من أن أمراض التياأبتلت الصومال متعددة، إلا أن الدولة الصومالية منذ بداية تأسيسها، وحتي الآن تواجه تحديًا واحدًا وعقبةً منفردةً وأمامها حجر خاص بلون لا يتفير.

منبع الهزائم.. القبلية

بالرغم من أن القبيلة جزء أساسي ومؤثر في مجتمعنا ويُفرق بينها وبين التعصب القبلي، أي يذمون الأخير ويمدحون الأول على أنها أمر طبيعي وفطري باعتبارها انتماءً ومجلبًا للتكفل الأسري، إلا أنني أرى أيضًا أن إيجابيتها أمر مبالغ فيه، منافع القبلية منحصرة على الأفراد وبأقصى الحد لا يتجاوزها قبيلة معينة في الغالب. وليس تاريخ الصومال حسب معرفتي شيئًا دالًا على أنها أستخدمت لصالح الأمة الصومالية بأكملها، بل إنها ضارة وسلبية علي هذه الدولة.

أضف إلي ذالك أن القبيلة، على حسب النظرية التطورية للمجتمعات البشرية يتم إدراجها في مرحلة البربرية التي تقع بين العشيرة والتي من خصائصها التوحش وبين الدولة التي تعتير بروزًا معاصرًا لمرحلة الحضارة، يعني التفاخر بها يجعلنا أضحوكة في العالم، بل يذهب البعض التعارض الخالص بين هي والدولة.

في بدايات هذه الدولة وحتى الآن هي منشأ الصراعات السياسية والجهوية بسبب قيامها على مبدأ التعارض التكاملي، أي أنا ضد أخي، أنا وأخي ضد أبناء عمنا، ونحن وأبناء عمنا ضد أهل الأرض جميعًا كما يقولون، وهذه الفوضة ناتجة عن آلية مزدوجة في الانفصال والاتصال كانت ولا تزال جوهر وسمة القبلية الصومالية بالأخص، انظر واحد من القبائل الأربعة الكبرى المزعومة، الصراع والثأر والاقتتال فيما بينها ومع القبائل الأخرى.. وهكذ يتنقل، كأن الخلافات فيما يبينهم لا تٌحل إلا بالحروب؛ لا تنس العنصرية التي جلبت لنا والاستصغار فيما بيننا. ويكفيك هذا حادثة قتل المروع الذي تعرض لها المرحوم أحمد دايو وتقسيمها الحالي للبلد إلي ولايات قبلية متصارعة فيما بينها بأمور تافهة. ولا تنسى أيضًا أنها كانت ولا تزال العصي السحري لأعداء الصوماليين، يستخدمونها ويفرقونها كلما وجدو الصوماليين يتوحدون.

يقول محمد عبد المنعم، مؤلف كتاب (الصومال وطنًا وشعبًا)، أثناء استعمار إيطاليا للصومال لم يسمح لهم بممارسة النشاطات السياسية وإنشاء الأحزاب، ولكن بعد طرده من البلد من قوة استعمارية أخرى، وهي بريطانيا ورجوعه مرة ثانية بطلب واختيار من الصوماليين أنفسهم، وجدت في البلاد أحزاب سياسية معادية له.

قام ببساطة وبدون تفكير مجهد بإشاء وتمويل أحزاب موالية تابعة لسياساته علي أساس قبلي أي إعطاء كل قبيلة حزبي تصرخ فيها ومع الأخرى. وحتي واحد من تلك الأحزاب نادت بتحويل البلد إلى نظام فيدارالي وهو ما يزيد الشكوك النظام الفيدرالي الحالي كجزء من الآليات لتفكيك البلد وجعل الصومالييين بلا دولة بعد أن كانوا مسيطرين عليها، دولة كاملة لأنفسهم بدون مشاركة من قومية أخرى، وهي ظاهرة نادرة في القارة الأفريقية بشكل خاص.

وحتى الأخبار عن بلدنا جزء كبير منها بطريقة مباشرة أوغير مباشرة هي الصراع القبلي. والانتخابات المتوقع أن تجرى في الولايات كلها منطلقة من هذ الفيرس. قبائل معينة لا يحق لها أن تترشح علي الرئاسة، وقبيلة ثانية تدعى أنها تملك حصريًا إقليمًا بأكمله، وأخرى تريد أن تنفصل عن بقية البلد لتفزع الجميع مرة واحدة.

انظر إلي جمهورية أرض الصومال وبعض سياساتها، هل قرأت تصريح الأخير لوزير النفظ والمعادن جامع محمد عغال لبلومبوغ الذي قال فيه إن الجمهورية تطلب من إثيوبيا تغيير طريق نقل النفط الخام من جيبوتي إلى ميناء بربرة؟

كيف كان يشعر اليوم أجدادنا الدين اسشهدو في سبيل توحيد الأراضي الصومالية بما فيها الصومال الغربي الذي يتم استخراج منه هذ النفظ حاليًا من هذ الخبر؟

فشل ليس بعده فشل آخر!

وانظر ما يحدث في سناغ وسول؟ ولماذا لم تنضم بعض من القبائل في إقليمي سناغ وسول إلى رغبة الاستقلال لأرض الصومال؟

وكيف يمكن لنا أن نعيد بناء دولة هدمتها القبلية بنظام قبلي اسمه أربعة فاصل خمسة؟

وحتى الطلبة هنا متأثرون بسياسة البلد تجده إلا من رحم الله يرغب في استمرارية الوضع، فقط لأن قبيلته هي التي تملك الآن سلطة التخريب بالرغم من إدراكه لخطورة الوضع.

القبلية وباختصار هي نقطة ضعف وتخلف الصوماليين الكبرى، وما الحل إذًا؟

الصومال لتنهض مرة أخرى هل تحتاج لاستعمار جديد، ليستيقط مرة ثانية الشعور الإدراكي القومي كما حصل في بدايات القرن الماضي ويحولهم فجأة من مبدأ التعارض التكاملي إلى التوافق التكاملي؟

لا أعرف ولكن أدرك أهمية إصلاح وتعليم الشباب الصومالي، ضرورة وضع دستور يساوي بين كل قبائلنا في كافة مناحي الحياة، نحتاج إلى وسائل إعلام تروج وتعلم وتثقف عطشنا في ترك القبلية والتمسك بـ(الصومالنمو)، وتشيطن التعصب السياسي الفبلي المقسم. وهذ ليس صعبًا، الدول الخليجية نجحت إلي حد ما في نقل مجتمعاتها من القبلية إلى الدولة.

ونحن أيضًا قادرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصومال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد