خرج المتظاهرون في جنوب العراق، في البصرة أولًا، وبصورة متسارعة، انتقلت إلى الناصرية والنجف والعمارة وكربلاء والسماوة، متصاعدةً نحو بغداد، اكتظت الشوارع منذ 16 يوليو (تموز) بالمحتجيّن على تردي الخدمات، واستشراء الفساد، وتفاقم البطالة، أخيرًا ارتقت المطالب إلى تغييّر حقيقي في البنية السياسية، وتقليص مقاعد البرلمان، بالاعتراض على التحاصص وطائفية الحكومة، واستغلال الأحزاب الدينية لمؤسسات الدولة، وإقحامها في أجنداتٍ مشبوهة وعابرة للحدود.

يطالب المتظاهرون بخدمة كهرباء وطنيّة، بعد انقطاع الخدمة المستوردة من إيران -لأسباب فنيّة!- ومياه صالحة للاستخدام، والمزيد من فرص العمل، وتحسين واقع مدن الجنوب العراقيّ التي تعاني الجوع والفقر والبطالة.

استخدمت الحكومة أساليب ترقيعية؛ لاحتواء الأزمة المتفاقمة، عيّن رئيس الوزراء حيدر العبادي لجنةً خاصة من خمسة وزراء، لمعالجة مطالب المتظاهرين قبل مغادرته إلى بروكسل في 11 يوليو لحضور اجتماع للتحالف ضد الدولة الإسلامية.

وعند عودته في 13 يوليو توجه رئيس الوزراء مباشرةً إلى البصرة، لمناقشة مطالب المتظاهرين، مع زعماء العشائر وممثليّن للمتظاهريّن. لكن هذه التدابير فشلت في تهدئة الشارع.

وبتصاعد موجة الاحتجاجات والمطالب، لجأت الحكومة إلى صّب الزيت على النار، واستخدام العنف والقمع، والذي أسفر عن مقتل عددٍ من المتظاهرين. أعرب الزعيم الشيعي الأعلى في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، عن تضامنه مع المحتجين، كما طالب المتظاهرين بعدم مهاجمة المباني العامة وإلحاق الضرر بها.

قطعّت الحكومة الإنترنت؛ لمنع التواصل بين المتظاهريّن، ما أدى لموجة سخط عارمة، واستياء بالغ من أساليب التعامل مع التظاهرات، والمطالب السلميّة، ما يعكس طبيعة الأزمة ومدى تعقيدها. عاد الإنترنت إلى معظم المناطق في الجنوب في 16 يوليو. في معظم المدن المتضرّرة، تحّولت الاحتجاجات الجارية إلى اعتصامات خارج المباني الحكومية وحقول النفط الرئيسية.

في البصرة، نظم االمتظاهرون اعتصامًا، بالقرب من الحدود مع إيران والكويت. اقتحم المتظاهرون أيضًا مباني حكومية في البصرة والنجف وكربلاء. من أجل حماية حقول النفط وشركاته، أرسل العبادي قوات مكافحة الإرهاب إلى البصرة الأسبوع الماضي. تم نشر القوات الخاصة في المدن الجنوبية الأخرى كذلك.

وأصدر العبادي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، أمرًا على مستوى البلاد لقوات الأمن، تضعهم في حالة تأهب قصوى، بعد زيارته مدينة البصرة. الطرق الرئيسية بين المدن الجنوبية الرئيسية، مثل النجف وكربلاء مليئة بنقاط التفتيش (سيطرة) حيث يتم تفتيش الناس والمركبات تفتيشًا شاملًا.

في السماوة، أطلقت قوات الأمن الرصاص الحيّ على المتظاهريّن، وقتلت اثنين وأصابت عدة أشخاص آخرين. المشاعر المعادية لإيران تظهر واضحةً جليةً في التظاهرات، ولتدخلاتها السافرة في الشأن العراقي، سواء من قبل مسؤولين إيرانيين أو وكلائهم الممثليّن في أحزاب وميليشيات شيعية، تمثل دولة باطنة تدير البلاد.

أحرق المحتجون صورًا ولافتات لخميني وعلي خامنئي، كما أحرقوا مقرات الأحزاب الشيعية، كحزب الدعوة، وكتائب حزب الله، وحزب الفضيلة. ألقت الأحزاب السياسية في الحكومة باللائمة على حزب البعث وداعش للوقوف وراء هذه الاحتجاجات.

وهناك أيضًا شائعات بأن الولايات المتحدة تدعم الحراك الشعبي، إعدادًا لتعيّين اللواء نجم عبد الله الجبوري، قائد عمليات نينوى، حاكمًا عسكريًّا في العراق.

كل هذا يأتي بالتزامن مع التأخير في تشكيل الحكومة الجديدة. والتي يسعى حيدر العبادي للمسارعة في تشكيلها، لم يتم بعد الموافقة على النتائج النهائية لانتخابات 12 مايو من المحكمة الفيدرالية، ولم تتمكن الائتلافات الفائزة من جمع الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة. انتهت آخر ولاية للبرلمان في 31 يونيو (حزيران)، لكن البرلمان الجديد لم يتم تشكيله بعد.

أخيرًا، ما أفرزته الدولة الباطنّة في التمثيل السياسي، المفهوم المركّب هنا، هو امتلاكها لأدوات نافذة وهجينة وأكثر حساسية: «الأحزاب، الحصانة السياسية، الأجندة، الداعمين الخارجيين، التمويل، الجناح الديني الشعبي، الجناح العسكري الميليشياوي… إلخ».

صناعة التغيير في خريطة البناء السياسي المحاصصيّ (القائم على التوافق غير العادل، والتمثيل غير العادل، والذي يكتنفه الفساد المنظّم وغير المنظّم) غير ممكن، مع الأخذ بتعقيداته إلا من خلال الجمهور.

الاستجابة السياسية، وتحجيم التظاهرات، ليست سوى تخدير موضعيّ، لن يعالج المشكلات الرتقيّة في العراق. ما يعني أننا أمام إشكالية جذرية، هي الأخرى تتطلب حلولًا جذرية! المظاهرات الشعبية، وحالة الفوضى، وحدهما القادران على تقويض الدولة العميقة، والحدّ من نفوذها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد