بدايةً علية الاعتراف أن عملية استئصال هذا الورم ليس بالأمر السهل، وكذلك القرآن عندما استأصل هذا الورم، وعندما اغتال هذهِ الروح الانهزامية تدرج في سبيل تحقيق ذلك.

1- من واقعنــــا:

كثير من الانهزاميين يتصورون أن الأمر محال علينا أن نصل لبعض ما وصلت إليه حضارات أخرى (غربية, شرق أسيوية, … إلخ)، ولسان أحدهم اليوم يقول: “الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين السماء والأرض” وربما يكون التعبير صحيحا، وهم كذلك، لكن هذا لا يعني أن نتقاعس، وأن يبعث ذلك على إذكاء الروح الانهزامية، وترك الأمور كما هي، وانتظار المخلص أو الادعاء والتبرير، كمقولة: (الجنة لنا والنار لهم).

 
ومن هذه التبريرات التي لا أحب أن أصفها بشيء، وبسبب هذه الروح ولأسباب أخرى أيضا ترى أن الخمول يعم الأمة بأفكارها وأهدافها وسقف تطلعاتها وترى الموظف البسيط (ليس العموم وإنما أتحدث عن البعض) يجد في التعيين والوظيفة راحة العمر، ولا يبالي بها، ولسان أحدهم يقول: (ما شأني أنا؟ ليحدث ما يحدث، المهم راتبي يصلني!)، فتراه يتنصل من التكاليف، ولا يؤدي الأمور على وجه التمام، وتراه متقاعسا يشعر بالضيق والتعب واللامبالاة والروتين؛ لأنه ليس له هدف، وليس له ما ينجزه، وقد يجد لك تبريرات عندما تتحدث له عن وجوب استئصال هذا الورم، وقد يرى في أناس مثلي إنسان غارقا في الخيال ولا بأس.

 

 
حتى أولئك الذين لديهم بصيص أمل قد تسربت فكرة الانهزام إلى بعض جوانب حياتهم، حتى وإن لم يشعروا بها، لكن الصدمة الحضارية، ورؤية نتائج الآخرين أحيانا لا تجعلهم يتحفزون للمنافسة بقدر ما يجعلهم يشعرون بالتعب والندم والانهزام، والأمثلة كافية فيما أوردت وأنتم على يقين بها.

2- عملية استأصال الورم والجيل الاول من المسلمين:

عندما استئصال القرآن الكريم هذا الورم في حياة الجيل الأول من المسلمين استغرق أكثر من عشر سنوات، وهذا الاستئصال جاء بالتدريج؛ لكي يربى النفوس ويثبت العقيدة، بل تدرج معهم في الفهم إلى أن تعرف المسلمون أو الجيل الأول على مفردة الاستخلاف، ومن ثم مشتقاتها.

تعرفوا عليها بصفة فردية في المرحلة المكية، بصفة النبي داوود عليه السلام، ومن ثم بدأ القرآن رحلة طويلة مع المسلمين؛ لتشكيل بنية متينة جدا، ستغير وجه التاريخ وتشكل حضارة من أعدل وأرقى صور الحضارة، التي وجدت على وجه الأرض، وهذه العملية قد مرت بمراحل وقطعت شوطا؛ لكي تبصر النور.

إن الإنسان بطبيعته ينسى، وقد نسي شيئا من أهم الأشياء على الإطلاق: هو أنه خليفة الله في الأرض، واليوم يظن البعض أن الخلافة تعني وجود خليفة ونظام إسلامي فقط، ولكن ينسى أنه نفسه يجب أن يقيم هذا المشروع، وأنه هو الجندي المجهول في هذه المنظومة، ولكن للأسف، في طبيعتنا دوما ما يجعلنا ننتظر مخلصا أو نبحث عن تبريرات، ودائما ما يظلم الإنسان نفسه، كما يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة يونس.

وكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ يظلم الإنسان نفسه بأن لا يكون على ما خلق لأجله، وسبب وجوده، أن يقضي حياته في شيء آخر غير الذي خلق من أجله: لحياة جمع المال، والحصول على علاقات جنسية، وحياة الحصول على الشهرة، وغيرها من الأمور التافهة التي لا تضيف شيئا، وهو يراه الهدف من الحياة أو على الأقل من حياتهِ، كل أنواع المظالم التي وجدت وعاشتها البشرية تجد جذورها في هذا السياق، ظلم الإنسان لنفسه فكريا وأخلاقيا واجتماعيا وغيرها الكثير.

3- واقعنا وواقعهم على وجه المقارنة:

تخيل معي أن تكون في جزيرة صحراوية وأنت من البدو، ولا تملك شيئا إلا القليل، ربما تكون وقتها من العبيد والبيوت من طين أو لربما لديك خيمة، وترى حينها حضارة الروم بآلياتها وقلاعها واتساع رقعة جغرافيتها، وكذلك الحضارة الفارسية بمواردها وجمال طبيعتها وكنوزها الذهبية وقوتها القتالية، ماذا سيكون شعورك؟

أجيب بالنيابة عنك: ستشعر بهيبة تلك الحضارات، وأنها ـ كما اليوم ـ تسبقك بآلاف السنين، وأنه لا سبيل إلى اللحاق بهم، لهذا تبقى كما أنت في بيتك الطيني، وترعى ماشيتك إلى أن تموت وكذلك باقي الأجيال، (مثل اليوم، وإن اختلف الأدوات، لكن الروح والمشاعر واحدة).

 

 
لكن هذا الحال لا يدوم مع الجيل الاول: مسلمو مكة، والذين رباهم القرآن، وبث فيهم روح “الإيمان بالإمكان” كما يصفه الدكتور أحمد خيري العمري، وأن إمكانية أن تكون خليفة، ويكون لك هدف، هذه الفكرة هي التي تثبت لك العقيدة، وتجعل هذا النقص، وهذا الفارق، وتلك الهوة بينك وبين تلك الأمم تتلاشى، وهذه أهم نقطة في درب الحضارة والاستخلاف.

لذلك استأصل القران هذا الورم، وهزم فيهم روح الوهن والضعف والانهزام، وذلك الشعور المألوف بأنهم سبقونا بقرون، وأنه لا مناص من اللحاق بهم، وعزز فيهم روح الإيمان بالإمكان أي بإمكانية أن تكون الخليفة. إمكانية أن تكون المصلح، إمكانية أن تكون أمة، إمكانية أن تكون حضارة، وهذا ما حدث لقرون عديدة مع الحضارة الإسلامية، إذا ما الذي اختلف؟

 

 
بل واقعنا اليوم أفضل من واقع الجيل الأول، ونحن مؤهلون أكثر علميا وتقنيا لهذا الدور، لكن البذرة الصالحة والفكرة السليمة التي امتلكوها لا نملكها، لهذا كانوا مؤمنين بهذا الأمر والدور، ولم يبرروا لأنفسهم مثلنا اليوم، وقد لحق بهم من الأذى ما لحق، وأنت اليوم جالس تحت المبرد، متباكيا على حالك والروتين، هم كانوا بروح عقدية مؤمنة، لديهم رؤية واضحه للمستقبل، لهذا أصبحوا فيما بعد ما خططوا له مسبقا، بل أصبحوا من أفضل الحضارات على الإطلاق.

إن كنت موضوعيا، ولك اهتمام بالنهضة من جديد قارن بين واقعك وواقعهم، وستلاحظ أنك أفضل حالا ومعاشا وراحة منهم، وأترك لك المقارنة.

4- إعـادة البنــاء يتطلب هــدم الفكر الخاطئ واستئصاله:

الأمم والحضارات لا تسقط فجأة، بل تدريجيا، تبدأ الأمم بالغرق من القدمين، ثم الركبتين، ثم البطن، ثم الرقبة، وإلى هنا الإنسان يستطيع التعايش مع هذا ما دام لا يحرمه الأوكسجين، وهذا الغرق يتخذ أشكالا متعددة، كالغرق بالديون، أو بالذنوب، أو بالجرائم، أو بالأخلاق الهادمة، والكثير من الآفات الاجتماعية.

 

 
فهم يتعاملون مع هذا الخطر المتزايد ويتعايشون معه باعتباره أمرا عاديا وضريبة الحياة المعاصرة، لكن ما إن يبلغ الغرق أنوفهم، ويحرمهم التنفس يبدأ الخطر، وعدا ذلك عم يبحثون؟ عن حلول في سبيل التعايش مع هذا الغرق، وهم لا يدركون أن هذا الغرق سوف ينهي حياتهم، سوف ينهي حضارتهم، سوف ينهي مبادئهم كما فعل طوفان نوح.

لذا يقول البعض: لماذا نكون شديدين على إخواننا، لماذا لا ناخذ بأيديهم ونربط على كتوفهم، ونصلحهم، وبالتالي المجتمع، البعض لا يدرك أن الإصلاح هنا غير وارد (أحيانا تصل الأمور لدرجة لا ينفع معها الإصلاح، بل الهدم هو بداية البناء السليم) فبعض الأفراد والمجتمعات تصل لدرجة لا يجدي معهم الإصلاح؛ لأن أساساته بنيت على خطأ، فالهدم أو التغريق هو طريقة لإعادة البناء على أسس صحيحة من جديد.

 

 

 
فأنا أبحث دائما عن الفكر البديل والإيمان بالعقيدة الأسمى، فلا أبحث عما ينجي من هذا الغرق فحسب، وهو غير مبال، انا ابحث عما يُنجي من هذا الغرق ومن ثم يقود البشرية لأكثر المبادئ والقيم حصانة من الغرق، وبناء تلك المبادئ على أسس صحيحة.

لذا كانت بناء المبادئ والقيم الصحيحة والفكر السليم متمثل بصورة سفينة نوح عليه السليم الذي لم يُنج البعض بسبب أنهم آمنوا على وجه الحياد، بل الذين آمنوا بالدور الفاعل للإيمان وبالفكرة التي تقود البشرية نحو حضارة جديدة، وليس خوفا وهروبا من الغرق بقدر ما هو إنقاذ البشرية وإعادة البناء على أسس سليمة.

5- الحيــاة قضية :

إن مجمل ما نعيشه يمثل قضيه في نهاية المطاف شئنا أم أبينا، فالبعض يجعل من حياته قضيه تافهة يلهو ويلعب ويخوض مع الخائضين في اللاشيء، والبعض الآخر يجعلها القضية التي خلق من أجلها، يجعلها هدفا لطريق أسمى، ورؤية أكثر عدالة، وبياض لهذا الوجود، وأن إيمانك بالقضيه السامية من حياتك يجعل منك متورطا إلى حد بعيد بأن تثبت ما تؤمن به، وهذا سيشعرك بأن تكون الأول في كل شيء.

يجب أن تكون صاحب السبق وأن تكون أول مسلم يساهم في اكتشاف السسن الكونيه، أن تكون أول مسلم يساهم في بناء عالم أفضل للعيش، أن تكون أول مسلم يتخلص من أية دعوة أو روح انهزامية، ويؤمن بالنهوض ما دام أسس بنائه إلهية، أن تكون أول مسلم يبتكر شيئا جديدا أو يبني مدرسة أو مستشفى في قرية نائية، وغيرها الكثير التي “ربما” أنت أجدر بحملها؛ لأن قواعد بنائك إلهية، وليست وضعية بشرية، وهي في النهاية تصب بقضية حياتك التي تختارها.

لذا عندما تقرأ تاريخ الأمم ونهوض حضاراتها تجد أن أغلب الأمم، لم تصبح حضارات فجأة، وإنما هذا نتيجة تراكم فكري، وتطور وبناء وعدالة وأسس ومبادئ، سواء كانت أسس ومبادئ وضعية بشرية أو إلهية مقدسة.
لذا من كانوا يوما حفاة عراة يرعون الماشية وينظرون لباقي الحضارات التي تعاصرهم بعين العظمة أصبحوا هم أقوى وأفضل وأرقى وأسمى وأكثر تأثيرا منها غيرت وجه التاريخ البشري.

وإذا كان في عصرهم أناس مثلنا، لم يكونوا ليصدقوا هذا، والسنن الكونية تقول: ما دام أن أمرا حدث في التاريخ مرات عديدة، وقام به إنسان وتحت ظروف اعتيادية، يمكن لك أنت أيضا أن تقوم بها، وعلى نحو أفضل بالاستفادة من تجارب وأخطاء الآخرين.

وهذا كله ينبغي أن يجعل من الفرد الذي هو الجندي المجهول أكثر فاعلية ولديه أهداف واضحة تصب في مصير هذه الأمة وأنا دائما ما أدرج هذا بشعار لي: (خطط, طبق, راجع, طور).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد