الفرنسيون يعشقون الثورات ﻷنهم باحثون عن الحرية. *رفاعة الطهطاوي

تشهد فرنسا هذه الأيام مظاهرات ومسيرات ضخمة،لم تعرفها البلاد منذ أكثر من 50 سنة، ضد سياسيات الرئيس إيمانويل ماكرون، بسبب سياساته الضريبية والزيادات غير المسبوقة  التي مست مجمل القطاعات المعيشية للفرنسيين، وقد انبثقت عن هذا الحراك حركة السترات الصفراء التي ما فتئ يمتد تأثيرها إلى ربوع القارة العجوز لتصل إلى بلجيكا وهولندا وإيطاليا، هذا الحراك الشعبي العفوي التي انطلقت من عاصمة الأنوار والعطور مهد ثورة 1789 – والتي تعتبر هذه الأخيرة حدثًا مزلزلًا وفاصلًا في التاريخ السياسي الفرنسي خاصة والأوروبي عامة،حيث توج بإزالة النظام الفيودالي اﻹقطاعي الذي كان جزءًا من النظام الملكي المطلق الذي عمر لقرون من الزمان، والتخلص من ربقة الكنيسة وقيود الجهل المقدس.
وكانت أهم مبادئ هذه الثورة هو إقرار مبدأ تكافؤ الفرص وحرية الرأي والتعبير ،وإقرار السيادة الشعبية والحقوق الثابتة، والتي نضجت وتبلورت من خلال مرورها بعدة نكسات ومخاضات عسيرة ومراحل حاسمة، في تشكيل المنظومة السياسية الفرنسية وملامح تطورها عبر عدة محطات مفصلية، وفي تشكيل الدول الحديثة من خلال إستلهام مبادئ وروح الثورة الفرنسية التي ترتكز على أبعاد فلسفية ومبادئ تنويرية من خلال تنظيرات مثقفي ومفكري عصر النهضة (الفرنسية) من أمثال فولتير ومونتينسكو وجاك روسو، من خلال شعار: (حرية، مساواة، وإخاء Liberté-égalité -fraternité).
ومن أشهر الثورات الحديثة التي تأثرت بالثورة الفرنسية، الثورة الأمريكية التي قامت ضد الوجود البريطاني، حيث إعتبر اﻷمريكيون أنفسهم حاملين لمبادئ الحرية والمساواة واﻹخاء، حتى تمكنوا من نيل إستقلالهم عن التاج البريطاني عام 1776.
ولقد كانت الثورة الفرنسية مادة خصبة وغنية في ينابيع الفكر العربي ولمفكري ومنظري عصر النهضة العربية من أمثال جمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي، وطه حسين، ومحمد عبده… إلخ باعتبار أن مبادئ هذه الثورة هي مبادئ أصيلة وجوهرية في الإسلام، وهي موجودة في التراث العربي والإسلامي، والذي يعاني حاليًا جمودًا فكريًا وموتًا سريريًا في تحريك المياه الراكدة في ما يخص قضايا العدل والحقوق واحترام منظومة آليات العمل السياسي داخل بنيوية النظام السياسي العربي بمختلف أنظمته الدستورية.
وقد جاء في كتاب (تخليص اﻹبريز في تلخيص باريس) للشيخ والفيلسوف رفاعة الطهطاوي، أحد رواد التنوريين في مصر في عهد محمد علي باشا، حيث قال: (أتمنى أن يثور المسلمون من أجل مبادئ الحرية والإخاء والمساواة).
فالثورة الفرنسية هي من الأحداث الضخمة في التاريخ الأوروبي والعالمي، حيث أحدثت قطيعة مع العصور الوسطى الإقطاعية (الأوروبية)، فهي تمثل ربيعًا حقيقيًا، على الرغم من اﻵلام والدماء واﻹخفاقات والمخاضات العسيرة التي رافقتها، حيث تمخضت في نهاية المطاف عن نظام جديد يساوي بين المواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والمذهبية والدينية.
ولا ريب أن مفهوم الثورة من خلال أبعادها وتمثلاتها المجالية، تهدم وتدمر ولكنها تبني وتعمر أيضًا على أنقاض الدمار والخراب؛ لأن السكوت عن الظلم بمختلف أنواعه: سياسي، واقتصادي، وإجتماعي… لمدة طويلة سيترتب حتمًا عن دمار وخراب أكبر من المتوقع وسنن الكون والتاريخ تؤكد لنا ذلك، وكتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) لعبد الرحمن الكواكبي، أفضل الكتب التي تشرح لنا الظلم والقهر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج جد وخيمة على جميع المستويات الهرمية داخل المجتمعات الإنسانية، والثورة هي نتاج وتعبير عن استمرارية الوضع الراهن، والذي يؤدي إلى تجديد الطاقات وشحذها من جديد وضخها في شرايين الوعي الجمعي للمجتمع، وكلما زاد الوضع انسدادًا وتعفنًا داخل العقد الاجتماعي داخل النظام، فإنه سيؤدي لا محالة إلى خنق الطاقات الجديدة التي تريد أن تعبر عن نفسها، وبالتالي انفجارها شرط وجود إرادة جمعية حقيقية تنصهر فيها جميع الآراء والاختلافات، بعيدة عن الحسابات والمزايدات الفئوية الضيقة داخل بورصة النخاسة السياسية.
فهذه الحركات ااحتحاجية التي تعرفها فرنسا اليوم ما هي إلا امتداد جيني لروح الثورة الفرنسية التي أضحت جزءًا من جينات الفرنسيين، وأورثوها  ﻷبنائهم، عكس بعض الشعوب الخاملة التي أورثت ﻷبنائها الذل والخنوع والهوان والعبودية للطغاة والمستبدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

افكار, فرنسا
عرض التعليقات
تحميل المزيد