لقد سئمت تلك الأخبار التي أسمعها كل يوم عن تلك الحوادث المشينة التي يفعلها هؤلاء الكفلاء مع من يعملون معهم من المصريين وغيرهم، من أكل لأموالهم، وإهانة لكرامتهم وإنسانيتهم، وهتك لأعراضهم، وسبهم، ولعنهم، وشتمهم، وسجنهم دون أدنى رقيب من المسئولين في بلادهم.

منذ فترة طويلة، وأنا أريد أن أتحدث عن الكفيل ونظام التعاقد في بلادنا العربية بعدما تعددت الحوادث المؤسفة ضد العاملين البسطاء، وبخاصة المصريون منهم الذين يذهبون إلى بلادهم بحثًا عن لقمة عيش شريفة، تيقنًا منهم أن تلك الدول العربية هي بلادهم الثانية، وأن شعوبها هم أشقاؤهم، وأن لغتهم وعرقهم ودينهم واحد رغم اختلاف مذاهبهم، لكنه رغم تلك العلاقة القوية التي تربط تلك الشعوب العربية ببعضها، إلا أن هذا الكفيل لا زال يحاول تشويه تلك الصورة التي الجميلة التي رسمناها في أذهاننا منذ نعومة أظفارنا.

وأقول لهؤلاء الذين الكفلاء اللذين يمتلكون الجاه والسلطان في بلادهم التي من المفترض أنها بلادنا أيضًًا، إن الكفالة مسئولية وأمانة عظيمة أمام مكفول لا يملك من نفسه حولًا ولا قولًا ولا يملك أمرًا ولا نهيًا! والعجب! يبقى هذا المغترب البعيد الذي جاء ليقتات تحت إمرة هذا الكفيل الذي يعتريه ما يعتري الإنسان، أليس الكفيل يقبل ويدبر ويغضب ويفرح ويحزن ويألم ويجوع؟ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ يعتريه ما يعتري البشر، نعم! كذلك يظل قدَر هذا الإنسان رهنًا بهذا الكفيل الذي يعتريه ما يعتري هذا الكفيل مع عشرات النصوص التي تأمر بالعدل والإحسان، يبقى نص لو قرأه أحدنا – وكلنا كفيل على وجه الحقيقة؛ الأب كفيل على أبنائه، الكفيل كفيل على مكفوله، رب العمل على من تحته، الزوج كفيل على زوجته – يبقى أمامنا حديث عظيم تجثو له الركب، حديث معقل بن يسار الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيّته إلا حرّم الله عليه الجنة.

هذا الكفيل أمامه نصوص العدل والإحسان الآمرة بإقامة القسط والعدل، وأمامه هذا الحديث العظيم، فما بال المكفول؟ المكفول شخص مخر عباب الماء، وشق عنان السماء، وخبّ السير خبًّا، ترك أهله وولده وجاء ليقتات وليضرب في الأرض وليتكسب، هذا حال الأكثر، وإلا فثمة شبان لهم مآرب أخرى، والعبرة بالغالب، والشاذُّ والنادر لا حكم له.

لم يعترف هذا الكفيل الأرعن بتلك الأحاديث النبوية التي تبرهن على مسئوليته اتجاه من يعمل تحت إمرته وولايته، وبدلًا من تقديم يد العون والرعاية لهم واعتبارهم ضيوفًا في بلادهم وجب إكرامهم، بات يتفنن في عقابهم بلا أي ذنب اقترفوه سوى بحثهم عن لقمة عيش بالحلال، لعلي أتذكر قصة تلك الطبيبة المصرية التي كانت تعمل في إحدى المستشفيات بالمملكة العربية السعودية أواخر العام 2015، ويشهد لها زملاؤها، وكل من يعملون معها بالأخلاق والاحترام، توفي والدها في حادث فطلبت من مدير المستشفى أن يسمح لها بالسفر إلى مسقط لمؤازرة أهلها ومساندة أمها التي ترقد بين الحياة والموت إثر إصابة بالغة نتيجة الحادث، فوافق على الفور وطلب منها أن ترجع إلى كفيلها لإنهاء الإجراءات على أن تتحمل المستشفى جميع تكاليف السفر، وهنا وجدت الكارثة، الكفيل الشاب عديم النخوة والرحمة راودها عن نفسها مقابل إنهاء أوراق سفرها، فما كان منها إلا الرفض وعدم الإنصياع لرغبته الشيطانية المتوحشة، تعنتها ولم يكتف بذلك، بل زج بها إلى السجن بتهمة السرقة، ومرت الأيام حتى توفيت أمها، فلما علمت بذلك في محبسها أصابتها سكتة قلبية توفيت على إثرها، ورغم ذلك كله لم يتحرك لهذا الكفيل الشيطان ساكن، ولم يتوقف ظلم هؤلاء الكفلاء عند هذا الحد بل نجد في المملكة العربية الآلاف من عينة هذا الكفيل المتغطرس، وهنا أوجه سؤالًا.. كم من برئ قتلته لقمة عيشة على يد كفيله؟ الإجابة صادمة للغاية فالأرواح التي راحت ضحية هذا الظلم الفردي كثيرة، ليس في المملكة وحدها، وإنما في غالبية الدول، وعلى رأسهم ليبيا التي كنت شاهدًا فيها على عدد من الحوادث التي تشيب لها الولدان.

لقد كانت دول الخليج أرضًا قاحلة، بالكاد تجد فيها زرعًا أو ضرعًا، كان سكان هذه البلاد يتضورون جوعًا، اللهم إلا شيء من لبن النوق، وشيء يسير مما تنتجه ثمرة النخل، وكان أهل الشمال منها والوسط ينزعون إلى تخوم الشام وإلى عراق الرافدين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وكان أهل الجنوب يعبرون البحر إلى شرق أفريقيا، إلى السودان، إلى الصومال، إلى إريتريا، يتكسبون ويطلبون فضل الله تعالى، وبعض منهم إلى اليمن، وأهل الحجاز كانوا ينتظرون الحاج حتى يبيعوا منه ويبتاعوا، هكذا كان حال الخليج إلى خمسينات القرن الماضي حين أذن الله – سبحانه وتعالى – أن يخرج من بين فرث الأرض ورملها ذهب أسود يحيل ملح الماء عذبا فراتا، ويحيل وجه الحياة الكالح إلى ألوان زاهية.

أخيرًا أقول: مقالي هذا لا ينتقد سوى هذه الفئة الضالة من المجتمع، والتي لم تعرف العروبة أو الرجولة شيئًا، هؤلاء الشرذمة اللذين أهانوا الضيف واعتدوا على الأنفس التي حرم الله مسها إلا بالحق عبر الطرق الشرعية بعد التبين والتثبت القاطع، كما أنهم تناسوا تعاليم الشرائع والأديان التي لا تفرق بين عربي و أعجمي أو أسود أو أبيض أو غني أو فقير، إلا بالتقوى والعمل الصالح، ولعلي أيضًا أذكرهم بمكانة المصري ربما يستعيدوا وعيهم أو يفيقوا، وأقول لهم إن مصر هي بلاد الشمس وضحاها، غيطان النور، قيامة الروح العظيمة، انتفاض العشق، اكتمال الوحى والثورة «مراسى الحلم» العِلم والدين الصحيح، العامل البسيط، الفلاح الفصيح، جنة الناس البسيطة، القاهرة القائدة الواعدة الموعودة الساجدة الشاكرة الحامدة المحمودة العارفة الكاشفة العابدة المعبودة العالمة الدارسة الشاهدة المشهودة، سيمفونية الجرس والأدان، كنانة الرحمن، أرض الدفا والحنان، معشوقة الأنبياء والشُعرا والرسامين، صديقة الثوار، قلب العروبة النابض الناهض الجبار، عجينة الأرض التى لا تخلط العذب بالمالح، ولا الوليف الوفى بالقاسى والجارح، ولا الحليف الأليف بالغادر الفاضح، ولا فَرح بكرة الجميل بليل وحزن إمبارح، ولا صعيب المستحيل بالممكن الواضح، كونى مصر دليل الإنسانية ومهدها.

ثم إنني أذكر جزءًا مما قاله الكاتب جميل فارسي مناديًا – أيها الشباب أعيدوا تقييم مصر. ثم أعيدوا بث الإرادة في أنفسكم، فالحياة أعظم من أن تنقضي بلا إرادة. أعيدوا لمصر قوتها تنقذوا مستقبلكم، نبذات ووقفات هنا بعض نبذات قبل اكتشاف وخروج البترول.. الحجاز.. توفيق دياب، كان رئيس تحرير جريدة الجهاد المصرية، وتوفيق نسيم كان رئيس وزراء مصر، حدثت مجاعة وأمراض أزهقت آلافًا من الأرواح بأراضي الحجاز… كتب توفيق دياب في صدر صحيفته إلى توفيق نسيم رئيس وزراء مصر، كتب يقول: من توفيق إلى توفيق، في أرض رسول الله آلاف يموتون من الجوع وفي مصر نسيم!

أصدر توفيق نسيم أوامره فورًا، وعبرت المراكب تحمل آلاف الأطنان من الدقيق والمواد الغذائية، وآلافًا من الجنيهات المصرية والتي كانت عملتها أعلى وأقوى من العملة البريطانية، غير الصرة السنوية التي كانت تبعث بها مصر، وكانوا يشكرون مصر كثيرًا على ذلك. الكويت.. كانت مصر تبعث بالعمال والمدرسين والأطباء والموظفين لمساعدة الإخوة بالكويت، بأجور مدفوعة من مصر.

ليبيا.. كانت جزءًا من وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية.. كل هذا لم يكن منة من مصر، لكن كان دعمًا وواجبًا وطنيًا لأشقائها العرب، مذكرات الثورى العظيم أحمد بن بلة، وقيادات الثورة الجزائرية تشهد، وهم يقولون مهما قدمنا وقدمت الجزائر لمصر فلن نوفي حق مصر علينا وما قدمته لنا.

كذلك ما قدمته مصر لثورة الفاتح من سبتمبر الليبية.. التضحيات الكبيرة والعظيمة التى لا ينكرها أبدًا الشعب اليمنى لما قدمته مصر لليمن حتى أشرف اقتصاد مصر على الانهيار.. مصر التي سطعت منها شمس الحرية على ربوع الكرة الأرضية.. مصر التي وقفت بكل إمكانياتها المتواضعة وشعبها العظيم في وجه القوى الغاشمة «فرنسا وبريطانيا العظمى».

مصر التي ساندت قضايا المظلومين بالعالم شرقًا وغربًا فاحتضنت حركات النضال والتحرير من مشارق الأرض إلى مغاربها دون تمييز بسبب اللون أو الدين أو العرق فكانت قبلة الثوار والمناضلين من ربوع الكرة الأرضية، فاحتضنت بتريسيا لومومبا وحركته، وحزب المؤتمر الأفريقي ضد التمييز العنصري بقيادة مانديلا، وروبرت موجابي وأبطال وزعماء أفريقيا ومناضليها، وقدمت الدعم والمساندة للثوره الجزائرية والليبية واليمن والعراق وفلسطين، واستقبلت على أرضها عظماء ثوار العالم فاستقبلت الثائر العالمي (جيفارا، وفيدل كاسترو، ونهرو، وأحمد سوكارنو، وذو الفقار علي بوتو، ومحمد إقبال، وتيتو.

مصر التي تعطي بسخاء لا يمكن أن تغدر، مصر التي تجمع وتحتضن لا يمكن أن تفرق وتقتل، مصر التي تأوي لا يمكن أن تخون.

هذه هي مصر الصابرة الآمنة المؤمنة المحتسبة يا أيها السفهاء، يا من تتطاولون على شبابها وعمالها بالخارج هذه هي مصر العظيمة، فمن أنتم؟! هذا ما قدمته مصر للعرب والعالم.. فماذا قدمتم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد