إن هناك تشابهًا كبيرًا ومطردًا بين مسار الحركة في جسم الإنسان (الفرد) ومسارها في جسد المجتمع؛ على اعتبار أن الفرد هو الوحدة البنيوية للبناء المجتمعي.

إننا إذا ما تأملنا مسار حركات الجسم نجد أنها حوت هذين الطورين: الطور الذهني العصبي، والطور الحركي الميكانيكي، ومثاله أني إذا ما أردت تحريك يدي، فإني أقوم بتحريكها على المستوى الذهني أولاً قبل أن تتحرك كعضو وعضلات، إلا أن المدة الزمنية التي تفصل بين هذين الطورين تبلغ من القصر الحد الذي لا يمكننا من خلاله الفصل بينهما. وعليه فإن هذا الشق الذهني بالغ الأثر في حياة الأفراد، إذ إنه يشمل كل جوانب الحياة، فالطالب الذي تضمن طوره الذهني فكرة مفادها أنه لن يستطيع تخطي امتحان آخر السنة بنجاح؛ لا شك أنه عندما يصل إلى الطور الحركي الفعلي سيجد نفسه أمام ما كان يجول في طوره الذهني، ونفس الشيء بالنسبة للمريض الذي اقتنع في طوره الذهني أن مرضه قاتل؛ فإن حركة خلاياه ومناعته تكون خاضعة خضوعا تامًا لما كان يغلي في داخله من قناعة.

يبدو أن مسار حركة جسم الإنسان البيولوجية ينطبق تمامًا مع مسار الحركة داخل المجتمع، ولعل التأمل في مسار حركة المجتمع يبين أن طور الفكرة في جسد المجتمع يغطي مدة أطول من ناحية الزمن، وهنا – وكيما تتضح الرؤيا – أورد بين أيديكم مثالين لحركتي مجتمعين غيرتا مجرى التاريخ: مسار حضارة الإسلام ومسار الحضارة الغربية.

إذا ما حاولنا إلقاء نظرة متفحصة لمسار حركة المجتمع المسلم في أولى سنوات ولادته، هذه الحضارة التي يمكن تلخيص مسارها في سنوات البعثة، فإننا سنجد أن طور الفكرة قد أخذ منها بقسط وافر. من المعلوم أن البعثة النبوية امتدت عموديًا لمدة ثلاث وعشرين سنة تقريبًا، ويمكننا تقسيمها إلى طوري الفكرة والحركة من خلال رحلة الإسراء والمعراج، حيث شكلت نقطة الانعطاف التي ابتدات فيها الحركة، فطوال الفترة التي امتدت من سنة 610م (سنة البعثة) إلى غاية 622م لم يتضمن خطاب الوحي إلا ثلاث قضايا أساسية مرتبطة بالجانب الاعتقادي (الفكري) – التوحيد، اليوم الآخر، أخبار الأمم السابقة – وهذه الفترة مثلت طور الفكرة حيث لم يأمر سبحانه بالحركة، إلا بعد مرور أزيد من عقد من الزمن، من خلال الأمر بفريضة الصلاة ليلة الإسراة والمعراج، حيث أذنت ببداية طور الحركة، وإذا ما أردنا تقدير النسبة الزمنية التي استغرقها طور الفكرة بالنسبة لمجمل سنوات البعثة؛ فإننا سنجد أنفسنا أمام ما يقارب أو يزيد عن 48% في المائة، وهنا تتبين بوضوح مكانة طور البناء الفكري العقائدي في خطاب الوحي.

أما بالنسبة لطور الفكرة في مسار الحضارة الغربية التي سطع نجمها خلال النصف الثاني من القرن 18، فقد بدأ هذا الطور مع بداية القرن  16 على أبعد تقدير، مع بروز أفكار الفلاسفة والمفكرين كان أبرزهم فكر ابن خلدون وابن رشد و….. المترجم آنذاك. فتخمرت هذه الأفكار لأزيد من قرنين من الزمن قبل أن تلوح في الأفق بوادر الحضارة الغربية الموغلة في العالم إلى اليوم.

وقد فطن إلى أهمية طور الفكرة العديد من المفكرين والعقول العربية أبرزهم محمد عابد الجابري عندما شرح العقل العربي تشريحًا في مختبر النقد والتحليل من خلال عدة أبحاث أشهرها بنية العقل العربي. كما فطن إلى ذلك المفكر مالك بن نبي عندما أورد في كتابه شروط النهضة ما يلي: وعلاج أية مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية ناتجة عن فكرة معينة، كما ذكر في معرض حديثه عن أساليب التخلص من الاستعمار أنه لكيلا نكون مستعمرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار، أي القابلية النفسية والفكرية بالخصوص.

وهكذا، فإن السبيل الوحيد لتغيير حال هذا المجتمع هو خلق التغيير على المستوى الفكري الذهني. إن محاربة الفساد لا تكون بالكاميرات وأجهزة المراقبة والهيئات والمجالس؛ لأن ذلك لن يؤثر بشيء ما لم نقم بمحاربته أولًا على المستوى الفكري، وقد يمتدت هذا لسنوات طويلة، ربما تصل إلى جيل كامل، بعدها نصل إلى فئة مجتمعية تستطيع دخول طور الحركة، وتكون حينها المهمة سهلة هينة ولو بأبسط الوسائل. أما الآن فنحن لم ندخل بعد حتى طور الفكرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد