في الوطن العربي تدور معركة حامية الوطيس بين الأم والأبناء حول سنوات الدراسة وتتعمق الأزمة وتزداد حدتها في عامها الأخير (الثانوية العامة)، فيجهز الأهل كافة الظروف من الراحة النفسية والمادية والجسدية لتذليل العقبات أمام ابنهم وابنتهم الممتحنة، فتشقى الأسرة بأكملها طوال عام باحثة عن شعار (الله يرضى عليه نجح ورفع راسنا).

المرحلة الأولى

إذا فالمفاخرة بين الناس والأهالي هي الحافز الأول للتعليم (ما يفرض هذه النمطية هي الحالة الاجتماعية المتداخلة ببعضها في مختلف تفاصيل الحياة اليومية)، وفي الحافز الثاني تجد معظم أولياء الأمور يحفزون أبناءهم بالتخويف من المستقبل الوظيفي، وإنه في حال عدم نجاحه سيكون مصيره العمل في ورشات البناء والمصانع الذي يتطلب جهد أكبر وساعات عمل أكثر، فيقول الأب لابنه: انظر إلى فلان (عامل)، وانظر إلى فلان (موظف) واختر نهج حياتك.

الإفرازات السلبية

هذا النمط الآنف ذكره يكاد يتكرر في مجمل البيوت في العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، فقد تنقلت بين عدة دول، والنتيجة مماثلة والجوهر ذاته. ثلاثة أخبار سيئة نستخلصها مما سبق:
– أن التعليم هدفه المفاخرة، لا لإنتاج أجيال تنهض بالمجتمع.
– طموح الطالب الوظيفة، لا العلم أو إضافة ابتكار ما، وهنا أفرغنا العملية التعليمية من مضمونها.
– أن الطالب المُقبل على الثانوية العامة يدرك أن أغلب خريجي الجامعات هم عمال في (الورش)، فما عادت تصلح كوسيلة تخويف.

المرحلة الثانية

من نجح في اجتياز الثانوية العامة يتجه إلى مقاعد الدراسة في الكليات والجامعات، والآخرون إلى الورش، وأي عمل ممكن، أربع سنوات غالبا هي معدل السنين المطلوبة لإنهاء الدرجة الجامعية الأولى (البكالوريوس، الليسانس).

تقيم الجامعة حفلا لتكريم الخريجين، وفي اليوم الذي يليه تبدأ فصول معركة أخرى، إنها معركة (البحث عن وظيفة) عندها يرتب سيرته الذاتية وشهاداته، ثم يرصد الطالب المواقع الإلكترونية والجرائد والإعلانات الخاصة بالتوظيف.
وينطلق بشغف نحو الوظيفة أو المقابلة، وعن ماهية المقابلة، فأي خريج يعلم ما الذي تعنيه المقابلة، هناك من يسميها مسرحية أو وهم أو إجراء قانوني للوظيفة لا بد من اتخاذه، أما الموظف فهو جاهز تلقائيا.

في تلخيص حقيقة الوظيفة بعد التخرج أخبركم بهذا الموقف، في عام 2014 ذهبت مع العائلة لحفل تخرج شقيقتي، وإذ بعريف الحفل يقول (هنيئا لكم أيها الأهالي حان وقت حصاد تعبكم وإنفاقكم على تعليم أبنائكم الذين سيعملون بشهاداتهم ويردوا المجهود إليكم)، فنظرت إلى والدتي وضحكنا بصوت مرتفع، فأنا خريج أحمل الدرجة الجامعية الثانية (الماستر) وعاطل عن العمل.

المرحلة الثالثة

أكثر من ثلثي الخريجين عاطلين عن العمل بحسب مراكز الإحصاء في مجمل دول الوطن العربي، وهي أرقام كارثية تتضاعف في كل عام مع استمرار دورة الخريجين، وتراجع اقتصاد الدول، وعدم استيعاب الشواغر الوظيفية لحملة الشهادات، وتفشي الفساد والمحسوبية.

الخريج الآن بين مطرقة الفشل الوظيفي والحاجة المادية وسندان الضغط الاجتماعي من ذاك المحيط غير المثقف الذي يسخر من الجامعي الذي حتما سيتجه إلى العمل في البناء رفقة من يسخرون منه، فاللفظ الشائع لديهم (قلنا لك من البداية لا فائدة من التعليم سوى تبديد الوقت والمال).

تتباين الحلول والقرارات بين جيش العاطلين عن العمل، لكن من كل جد الهجرة والسفر للعمل في الخارج هو الحلم الأكبر لدى الجميع، فمنهم من ركب أمواج الموت في البحر، وآخرون تحصلوا على تأشيرة سياحة وسافروا، ولم ولن يرجعوا، ومنهم من ينتظر بشغف تلك الفرصة للهروب من جحيم الفشل المتفاقم، أكثر ما يدمي القلب في هذه الواقعة عندما أتحدث مع أصدقائي في البلاد، فالجملة المؤكدة منهم جميعا: إياك أن تعود.

حول الأسباب التي صنعت هذه المأساة أوردنا الكثير، والعلة دائما في السلطة والنظام السياسي الذي يدير البلاد نحو الأسوأ في كل عام جديد، فالسياسة تتحكم في الاقتصاد والتعليم والثقافة وبقية مفاصل حياة الدولة، يرجع لذلك لعقلية (الدُكان) الذي يرى فيها الحاكم بلاده، ولسان حال شعبه يقول: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد