في سبعينيات القرن الماضي عرضت البحرية الأمريكية على عالم النفس الأمريكي “فيليب زيمباردو” تمويل تجربة تحت إشراف جامعة ستانفورد، لتفسير وفهم الصراعات التي تحدث في السجن، ولفهم التغيرات النفسية والسلوكية على الأفراد عند امتلاكهم للسلطة المطلقة، أو عند تعرضهم للقهر والقمع والكبت، عن طريق إجراء محاكاة لسجن وملاحظة التغيرات التي ستطرأ على الأفراد، كما عنيت التجربة بدراسة قوة طغيان المواقف الاجتماعية على الفردية، واختبار استجابة الشعوب للأنظمة القمعية، هل سيقبلونها أم أنهم سيتحركون ضدها؟

ولخص زيمباردو هدف هذه التجربة قائلًا: “لنفترض أن مجموعة من الأشخاص الصحيحين نفسيًّا وجسديًّا علمت أنها ستخضع لظروف مماثلة لظروف السجن، وأنها ستخسر بعض حقوقها المدنية، هل سيتأثر أولئك الأشحاص الطيبون بوضعهم في هذا المكان السيء المليء بالشر؟ هل سيطغى الخير على الشر؟ ولماذا تصبح السجون مكانًا خصبًا للعنف والجريمة؟ هل بسبب طبيعة المسجونين؟ أم أنها نتيجة لتأثير التآكل في هيكل السلطة من السجون نفسها”؟

 

تم الإعلان عن التجربة في الصحف للحصول على متطوعين مقابل 15$ يوميا، للمشاركة في تجربة مدتها أسبوعين في الفترة ما بين 14 إلى 29 أغسطس 1971، ولاقى الإعلان قبولًا واسعًا واستجاب 70 شخصًا، اختار زيمباردو منهم 24 شخصًا فقط، كانوا الأكثر ملائمة من حيث الاستقرار النفسي والصحة البدنية، واشتراكهم جميعًا في الرفض التام لكل صور العنف وأشكاله، وجميعهم بدون أي سوابق إجرامية، غالبيتهم كانوا من البيض، والذكور، ومن الطبقة الوسطى، وهم جميعًا طلاب في المرحلة الجامعية.

وقسمت مجموعة الطلبة عشوائيا إلى مجموعتين متساويتين، مجموعة لعبت دور المساجين والأخرى لعبت دور السجانين، ومن المثير أن المساجين قالوا فيما بعد أنهم كانوا يظنون أن اختيار السجانين تم بناءً على أجسادهم الأكبر، لكن الواقع أنهم فرزوا بالقرعة باستخدام قطعة نقود، ولم تكن هناك أية فروق موضوعية من حيث البنية بين المجموعتين، وتسلم الحراس هراوات شرطة، وبزات اختاروها بأنفسهم من محل أزياء عسكرية، وتم تزويدهم بنظارات عاكسة لتجنب التواصل البصري مع المساجين كما اقترح زيمباردو نفسه الذي لعب دور مدير السجن في التجربة.

 

وقبل بدء الاختبار بيوم واحد، عقد زيمباردو جلسة تمهيدية مع الحراس، وقال لهم بأن إدارة السجن تقع على عاتقهم، ولهم أن يديروه كما يشاؤون، وعليهم ضبط الأمن والمحافظة على النظام وامتلاك السلطة، وضرورة إشعار المساجين بأن النظام يسيطر عليهم وعلى حياتهم، وأنهم لا يملكون أي حرية شخصية ولا أي سُلطة في هذا المكان، ويجب إشعارهم بفقدان كل حقوقهم المدنية خلال فترة التجربة، واتخاذ كل التدابير اللازمة لذلك دون أي مساءلة من أي نوع.

 

ولا توجد أي قواعد أو خطوط أو توجيهات محددة، فقط يمنع استخدام العنف الجسدي تحت أي ظرف، وقدم زيمباردو الجمل التالية للحراس خلال ملخص: “يمكنكم أن تولدوا إحساسًا بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعًا نسيطر على حياتهم، سوف لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات، سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق، بهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة”.

 

في المقابل قيل للسجناء بأن ينتظروا في بيوتهم حتى يحين الموعد ويتم استدعاؤهم، وبدون أي تحذير تم اتهامهم بالسطو المسلح واعتقالهم، واقتيادهم من منازلهم معصوبي الأعين لتضليلهم عن أماكن وجودهم، مكبلين بالأصفاد، على يد الطلاب الذين لعبوا دور السجانين، وقد ارتدوا زيَّ ضباط الشرطة، وتم إخضاع السجناء لإجراءات الاعتقال التقليدية بما فيها التسجيل، وأخذ البصمات، والتقاط الصور، كما تليت عليهم حقوقهم تحت الاعتقال، واقتادوهم إلى سرداب قسم علم النفس بجامعة ستانفورد المعد للاختبار حيث تم تفتيشهم عراة، وتنظيفهم من القمل.

 

وبالطبع بدأ الحراس بالسخرية من أعضائهم التناسلية، وكان على المساجين أن يرتدوا رداءً فضفاضًا من دون ملابس داخلية وصنادل مطاطية، وهو أمر رجح زيمباردو أنه سيجبرهم على التأقلم مع عادات ووضعيات جسمانية غير مألوفة ومزعجة، وقد رمز إلى كل سجين برقم عوضًا عن اسمه، وقد خيطت الأرقام على ملابسهم، وكان عليهم أن يرتدوا قبعات ضيقة من النايلون لتبدو رؤوسهم كما لو أنها محلوقة تمامًا، كما وضعت سلسلة صغيرة عند الكاحل كمنبه دائم على أنهم مسجونون ومضطهدون، وتضمن هذا السجن الصوري ثلاث زنازين جماعية بمساحة 5 مترات مربعة للزنزانة الواحدة، كل زنزانة تحتوي على ثلاثة أسرة، إضافة إلى غرفة صغيرة جدا للحبس الانفرادي، واستخدمت بقية الغرف من قبل حراس السجن، وعلى عكس المساجين تمتع الحراس بدوام على شكل دوريات، يعودون إلى بيوتهم بعد انقضائها.

ومع بدء التجربة تُركت مجموعة المتطوّعين تحت المراقبة من خلال كاميرات مراقبة خفية ومسجلات صوت ولكن دون تدخل مباشر، ومر اليوم الأول بسلاسة دون ما يستحق الذكر لدرجة أن زيمباردو قال: “أن هذه قد تكون تجربة طويلة ومملة جدًا، لأنه لا يمكن تصور أن يحدث أي شىء أبدًا”.

 

لكن في صباح اليوم الثاني قرر السجناء تصعيد الأمور فجأة وبدؤوا في عصيان حقيقي بإقامة المتاريس أمام الزنازين باستخدام الأسرة بقيادة السجين رقم 8612، ولم يكن من الواضح ضد أي شيء يتمردون، لكنهم كانوا يتمردون على الوضع برمته، يتمردون على كونهم مجهولين، وعلى اضطراراهم لاتباع أوامر من هؤلاء الطلبة الآخرين، وربما شعروا أن دورهم في تلك التجربة أن يتقمصوا دورهم كمساجين، والمساجين يتمردون طوال الوقت بدون أسباب واضحة.

 

وكعقاب لردع التمرد تم وضع السجين رقم 8612 في الحبس الانفرادي، وتحول الحراس إلى المساجين الآخرين لتأديبهم، فتم إيقاظهم عدة مرات في منتصف الليل، وجعلهم الحراس يقومون بمهام جسدية وضيعة كتنظيف المراحيض بأيديهم العارية كجزء من العقاب وإحكام السيطرة. كان المثير للاستغراب هو تطوع الحراس للعمل ساعات إضافية للقضاء على التمرد رغم علمهم أنها بدون أجر.

 

في الأيام التالية حاول الحراس أن يفرقوا السجناء ويحرضوهم ضد بعضهم البعض من خلال تقسيمهم إلى زنزانتين، واحدة للجيدين والأخرى للسيئين، ليوهموا السجناء من وراء ذلك إلى أن هناك مخبرين تم زرعهم سرا بين السجناء، ونجحت الخطة فلم يظهر بعد ذلك أي تمرد كبير، لكن مضايقات الحراس جعلت قائد التمرد السجين رقم 8612 يطلب من زيمباردو مغادرة التجربة، لكن زيمباردو الذي كان قد تقمص بالفعل دور مدير السجن رفض، وهدده بدفع غرامة إن أصر على الرحيل، وفي المقابل وعده بتحسين المعاملة مقابل أن يعمل مخبرًا وواشيًا على زملائه المساجين.

 

فعاد إلى زنزانته ليخبر باقي السجناء أنهم لن يمكنهم الرحيل أبدًا، وسرعان ما خرج الاختبار عن السيطرة، فعانى السجناء، واحتملوا ممارسات سادية ومهينة على أيدي الحراس الذين شعروا بأن لديهم سلطة مطلقة، وتناسوا كل القواعد ولم يتذكروا إلا القاعدة الوحيدة في التجربة التي أتت على هواهم، لا قوانين.

 

وصار الدخول إلى الحمامات امتيازًا قد يحرم منه السجين، وتم إخراج الفرش والوسائد من ما سميت زنزانة السيئين، وأجبر السجناء على النوم عراة على البلاط، أما الطعام فكثيرًا ما حرم السجناء منه كوسيلة للعقاب، وفُرض العري على السجناء، وتعرضوا للتحرش الجنسي والإذلال من قبل السجانين، زيمباردو قال بأن السجناء استجابوا بأحد الثلاث طرق، إما المقاومة بنشاط، أو الانهيار، أو بالرضوخ والطاعة.

 

مع تقدم التجربة ازداد السلوك السادي عند بعض الحراس وخاصة خلال الليل، حيث ظنوا أن الكاميرات كانت مطفأة، فصفوا السجناء لدخول المرحاض وقد وضعوا أكياسًا على رؤوسهم وسلاسل في أرجلهم، كما سرى شعور بالتعسّف لدى المساجين، وقام بعضهم بالعصيان وإعلان الإضراب عن الطعام، وقام البعض الآخر بالتخطيط للهروب من السجن، بينما عانى بعضهم من انهيارات نفسية وشعور بالرعب، مما أدى إلى ظهور حاﻻت انهيار عصبي، وأظهر خمسة من السجناء مشاعر سلبية متطرفة تتضمن البكاء والقلق الحاد.

 

ومن هنا بدأ الحراس في التحول الجذري إلى أشخاص أكثر قسوة وعنفًا، وقال المشرفون على الاختبار بأن واحدًا من كل ثلاثة حراس تقريبًا أظهر ميولًا سادية حقيقة، حتى أن معظم الحراس انزعجوا عندما تم إجهاض التجربة قبل الوقت المحدد لها.

 

وقد أثار زيمباردو فكرة مفادها أن المشاركين تقمصوا أدوارهم تمامًا، وبدا ذلك واضحًا عندما عُرض على السجناء أن بإمكانهم تقديم طلبات لتخفيض في المدة مقابل إلغاء الأجر المتفق عليه، فوافق غالبية السجناء على هذا العرض وتقدموا بطلبات خفض مدة السجن مقابل التنازل عن مستحقاتهم كاملة، وعندما رفضت طلبات تخفيض المدد، لم يقرر أي منهم الانسحاب من الاختبار، وهو ما أثار الاستغراب، فالانسحاب لم يكن ليكلفهم أكثر مما قبلوا بالتنازل عنه سلفًا وهو الأجر الذي سيتقاضونه، وفقد العاملون في هذه التجربة الإحساس بواقعية ما يحدث.

 

وباتت الحدود بين التظاهر وبين الحقيقة غير واضحة حتى بالنسبة لزيمباردو نفسه الذي راقب السلوك المسيء للحراس عن كثب بدوره رئيس الحرس لا بدوره عالم نفس يشرف على تجربة علمية، واستمر ذلك حتى أتى اليوم السادس الذي حضرت الباحثة “كريستينا ماسلاتش” – خطيبة زيمباردو – آنذاك وزوجته لاحقًا، وصدمت من الوضع الكارثي للسجن، وشككت في أخلاقية الاستمرار بهذه التجربة، ليفيق الجميع من الغيبوبة التي سقطوا فيها بما فيهم زيمباردو نفسه الذي اندمج هو نفسه في الدور، وبناءً عليه قرر زيمباردو إجهاض الاختبار قبل الموعد بعد انقضاء 6 أيام فقط.

دعمت النتائج الكارثية للاختبار فكرة “التنسيب المكاني” والتي تقول بأن الوضع أو الواقع هو الذي سبب سلوك الأفراد في الاختبار أكثر من أي شيء موروث في شخصياتهم، أي أن الحاكم الديكتاتور يمكن أن يبدو في غاية الطيبة والاحترام عندما يتواجد بعيدًا عن مكان ممارسة سلطاته.

 

الأمر ذاته بالنسبة للجلادين وظباط أمن الدولة المتهمين بالتعذيب وخلافه، فقد تجدهم في غاية الرقي الأخلاقي والحنو في غير أماكن عملهم، ولاحقًا قال زيمباردو في كتابه “تأثير الشيطان” أوThe Lucifer Effect أن: “قليلون فقط من استطاعوا مقاومة إغراءات الموقف لاستخدام القوة والسيطرة وحافظوا على مظهر أخلاقي لائق، بالتاكيد لم أكن من ضمن هذه المجموعة النبيلة”، ولخص استنتاجه عن التجربة بأنه إذا توافرت ظروف القوة والسلطة المُطلقة للإنسان فإنها ستؤدي به إلى التعسّف والظُلم، وفي المقابل يؤدي الشعور بالظُلم والتعسّف إلى ظهور أمراض نفسية متعددة يكون نتيجتها، إما التأقلم مع الظروف المُحيطة والانصياع لها مع كبت مشاعر الذُل والقَمْع، أو الثورة بكل الوسائل الممكنة بغض النظر عن شرعية هذه الوسائل أو العواقب المترتبة على استخدامها، والسلطة المطلقة تُغير من ملامح الإنسان وتخرج أسوأ ما في النفس البشرية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد