يعتبر الأمن من الأولويات المركزية في المجتمعات الإنسانية، والتي ترتبط بشكل مباشر بالبعد «السيكولوجي»، الذي يتضمن «استراتجيات» البقاء، في ظل التحديات التي تواجهه وتهدد وجوده، لقد شكلت التغيرات المحورية في عملية الأمن مدخلًا أساسيًا وجوهريًا في فهم مختلف التركيبات الإدراكية الخاصة بكيفية تقديم أبعاد جديدة لمفهوم الأمن المقترن بالتهديدات، فلم يقتصر التهديد على متغيرات مادية عنيفة، بل تعدى ذلك الى أمور أخرى، مثل من يحكم؟ ومن يسود؟ هذه التحديات والأخطار تطورت معها عملية الإدراك الخاصة بالفواعل، ومنها الدولة.

من هذا المنطلق يمكن القول إن فكرة الدولة تشكل كيانًا متعدد الترابطات والتفاعلات، له وظائف استراتيجية، ومن بينها الوظيفة الأمنية، متمثلة في ضمان الأمن القومي، فكان هذا الدور منوطًا بالدولة، وعليه عرف التاريخ الدولة في عدة أشكال وطرق، تختلف في الأساليب والآليات، إلا أنها متفقة في متغير مهم: هو الأمن القومي، وحمايته، ضمن العملية التفاعلية المتصلة بالسياسة العالمية، فانطلقت الدولة من الأسرة إلى إطار المدينة «افلاطون» إلى الإمبراطورية العالمية «الإسكندر المقدوني»، لتعرف فيما بعد ذلك نقلة نوعية: من «المُثل» إلى «الواقع»، وانبثاق مفهوم السيادة «هوبز- بودان»، لتتنقل من هلامية الدولة «الكوزموبوليتانية» إلى ضوابط «واقعية – القومية»، لتعصف المرحلة «الويستفالية» 1648م بالأفكار المثالية «أفلاطون»، وتثبت الأفكار الواقعية «بودان وهوبز»، ويظهر بذلك مفهوم «الدولة – الأمة».

لقد تناول الفلاسفة والمنظرون فكرة الدولة منذ القدم، إلى غاية التحليل السياسي اليوم، لم يكن وليد البذخ الفكري، وإنما واقعًا مفروضًا ـ وبقوة ـ على الفكر السياسي، فما كانت هذه الجهود إلا توصيفًا للواقع، والتنظير له، وفي أغلب الأحيان كانت الدولة أسبق من النظرية، واعتبرت مختلف الأعمال و الإسهامات لرواد الفكر السياسي تفسيرية لا تشكيلية للدولة.

إن هذه الدولة تكتسب أهميتها وقدرتها من أنها الكيان الأقوى، والمسموح له ـ حصريًا ـ باستعمال القوة، وهذا ما ذهب إليه «ماكس فيبر»، باعتبارها: الاحتكار الشرعي لوسائل العنف في المجتمع[1]؛ وعليه، فالدولة تمارس صلاحياتها، وفق مرجعية شرعية، مستمدة من العقد الاجتماعي، لها في ذلك حق استعمال القوة؛ للحفاظ على أيديولوجيتها التي تريد للمجتمع (المحكومين) السير وفقها، وفي الوقت نفسه، تملك القوة بأبعادها: الصلب والناعم والمرن، وهنا أصبح الفرد يعطي ولاءه للدولة، ويتمتع بجنسيتها؛ مقابل أن تمنحه الحق الثابت منذ الوجود: وهو البقاء والأمن.

أصبحت الدولة، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، تتمتع بالسيادة التي تحدد علاقاتها بالدولة الأخرى؛ ففصل كل ماهو خارجي عن كل ما هو داخلي، واعتبرت القوانين والتشريعات التي سنتها الدول أثناء منشئها – سواء كان المنشأ ثورة أو انقلابًا أو انتقالًا- أن التدخل في شأنها الداخلي يعتبر أمرًا مرفوضًا يستدعي التصعيد والرد، وأصبح أمر التدخل في شؤون الدول، وإن خرقت المواثيق أو القوانين أمرًا صعب الحدوث، ان لم يكن مستحيلًا.

وغير بعيد عن تطورية الدولة، شهد كذلك العالم مراحل تطورية، ومتغيرات جديدة، هذه المستجدات فرضت على الدولة إعادة التفكير في مسألة السيادة؛ فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وما نتج عنها من منظمات دولية فوق الدولة، وكذلك انتهاء الحرب الباردة، وما نتج عنها من «عولمة» للعالم، أصبح التفاعل الدولي يعرف حالة من صعوبة الفصل بين ما هو داخلي، يقع ضمن أطر السيادة، وما هو خارجي ضمن نسق البيئة الدولية، ما سمي بـ«ـتماهي الحدود»  [2].blurring boundaries

وعليه، فقد أصبحت الدولة تعاني من سطوة النسق الكلاني العالمي، واختراقه لها بحيث زال مفهوم السيادة، وانحصر لصالح العولمة، بحيث إن الدولة ـ لتضمن بقاءها ـ عليها أن تحافظ على  أمن أفرادها، وبما أن هذا المطلب أصبح ذا بعد أمني اقتصادي وبنائي (هوياتي)، فقد حتم على الكيان «الدولاتي» مشاركة دول الإقليم؛ لضمان أمنها «الواقعية- كينيث والتز»، وأن تصبح تابعًا لنظام اقتصادي عالمي (البنيوية الماركسية)، كما وتذهب البنائية إلى أن هوية الدولة تتحدد بتفاعلها مع الأطراف الأخرى، وعليه فتصبح توجهاتها واستراتيجياتها وليدة ذلك التفاعل، وعليه أصبحت سيادة الدولة أمام تحديات جديدة يجب أن تتقيد بها للوفاء بالهدف الرئيس، وهو أمن الإنسان، وبذلك فرض على الدولة أن تعود من جديد إلى «الكوزموبوليتانية» مرة أخرى.[3]

في الشرق الأوسط الارتداد إلى الهوية

سقطت الدولة العثمانية، ودخلت المنطقة «الشرق أوسطية» تحت حملات استعمارية، وانتدابات، كان لها الأثر البارز في جعل دوله دولًا فاقدة للسيادة؛ لتتوالى بعدها الاختلالات، وتتصدع هيبة الدولة في المنطقة العربية، بقيام إسرائيل، وسلسلة من الحروب تلتها مجموعة من الاتفاقات، التي كرست أزمة الدولة في المنطقة؛ فأصبح مفهوم السيادة، والدولة في الشرق الأوسط مفصوم العرى عن الواقع.

ومع ذلك تخلل تاريخ النظام الإقليمي العربي، محاولات ـ نسبية ـ لتكريس مفهوم الدولة والسيادة، لكن سريعًا ما انهارت؛ بسبب اختراق النظام الإقليمي، من النسق الأعلى العالمي، وعدم توفره على قدر كاف من الانقطاع والتمايز، فتشكل بذلك نقص نفسي عند الإنسان الشرق أوسطي: وهو أنه لا يشعر بالدولة وقوتها، فمنذ سقوط العثمانيين والنسق الأعلى (الدولة) في منظور الأفراد في الشرق الأوسط ضعيف، الأمر الذي جعل هذا النقص يتجسد في ميولات وتوجهات إثنية عرقية وثقافية؛ بحثًا فيها عن كيان حام؛ يكفل حق الفرد في الأمن، والشعور بالانتماء، والتغلب.

بعد أحداث غزو الكويت، أعلن بذلك أن الدولة الشرق أوسطية غير منضبطة الحدود، أو كاملة السيادة؛ إذ إن عولمة العالم فندت سيادة الدولة، ولم يقتصر تنازل السيادة في الشرق الأوسط لصالح قوى كبرى في العالم فقط، بل تطور الأمر ليصبح التنازل لصالح فواعل ما دون الدولة؛ لتحل محل الدولة، كالتنظيمات التي نصبت نفسها ناطقًا باسم الإنسان الشرق أوسطي.

اندلعت الأحداث العربية 2010م وعصفت بأنظمة، اعتقد أنها لن تنهار بتلك السرعة والسهولة، وظهر الحديث عن دولة ضعيفة تتهاوى بصورة رخوية، فظهرت أطياف أيديولوجية؛ لتأخذ بزمام المبادرة؛ لإعادة بناء دول قوية  ذات سيادة وانقطاع وتمايز عن الخارج، لكن سرعان ما دخلت هذه الدول في أزمات هيكلية اتسمت السياسة فيها بالطابع العسكري، وأصبحنا نتحدث عن دولة عميقة، ودولة فاشلة، ودول مستوردة، فشهد الميدان جيوش نظامية تنسحب، غياب تام لـ«المأسسة»، وأخذت جماعة مسلحة أو تنظيم يؤسس لدولة، ولكيان، وله حدود، حتى مع دول الجوار، وبذلك قدم أفراد الدولة ولاءهم لانتماءاتهم الدينية والعرقية على حساب انتماءاتهم القومية؛ سعيًا منهم إلى تشكيل كيان قوي؛ يسد فراغ عدم الشعور بالانتماء للدولة، ما نتج عنه حروب وصراعات أهلية طائفية؛ إذ أصبح المواطن الشرق أوسطي ينتمي إلى دول خارجية على حساب الدولة المتواجد فيها، الأمر الذي عرف بالاختراق الاجتماعي والأيديولوجي.

يمكن القول إن الدولة كيان، وبناء استراتيجي، تضمن للمواطنين الأمن و الانتماء، وعبر العصور تطورت وفق متطلبات الفرد وفكره، لكن في الشرق الأوسط عصف بمفهوم الدولة وسيادتها، وساد منطق المرجعيات الدينية والعرقية، بدلًا من الدولة «الويستفالية»؛  لتشهد تصعيدًا يمكن توصيفه بالـ«حرب الباردة الشرق أوسطية»! توجهت من خلال هذه المنطلقات الجماعات العرقية والإثنية لتحمل مسؤولية بعض وظائف الدولة في تحقيق الأمن والمطالبة بالانفصال؛ وبالتالي الإنقاص من شرعية وسيادة الدولة في المنطقة.
______________________________________________________________________________________________________

[1] تركي الحمد،الدولة و السيادة في عصر العولمة، في: مجموعة من المؤلفين،الاسلام و الغرب صراع في زمن العولمة،ط1،الكويت:نجلة العربي،15/07/2002، ص70.

[2] وليد عبد الحي،النظام الاقليمي العربي:استراتيجية الاختراق واعادة التشكل، مجلة سياسات عربية، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، العدد(01)، مارس2013،ص08.

[3]  للمزيد حول تفسير نظريات العلاقات الدولية للنظم المخترقة طالع: وليد عبد الحي،النظام الإقليمي العربي:استراتيجية الاختراق واعادة التشكل، مجلة سياسات عربية، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات، العدد(01)، مارس2013،ص ص 9، 10.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد