من التقليدية إلى العولمة يبقى السحر والساحر شيطانيْن يدمران العالم، ويُسخران لذلك كل ضعاف الإيمان من مردة الإنس والجن، والتاريخ والحاضر مليئان بالأمثلة، وليس أصدق من كتاب الله يروي لنا التاريخ.

«فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابةُ الأرض تأكل منسأته فلما خرَّ تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا في العذاب المهين».

لقد سخر الله تعالى الجن لسليمان عامتهم، مؤمنهم وكافرهم، يأتمرون بأمره، ولا يخرجون عن طاعته؛ أما مؤمنهم، فيأتمر في ذلك، طاعة لله، وأما كافرهم فمسخر مرغم، لا يستطيعون أن يخالفوه، قال تعالى: (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ).

في تلك الفترة اشتغل كثيرون من بني إسرائيل بالسحر بهدف استعباد البشر وتضليلهم بأنهم على معرفة بالغيب بواسطة الجن، فنبذوا الزبور كتاب الله واتَّبعوا ما ألقَت إليهم الشياطين من كُتب السّحر وتعاليمه.

فبعثَ سيدنا سليمان بعضَ جنوده وجمعَ تلك الكتبَ فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحتَ كرسيّه، ولم يكن أحدٌ من الشياطين يستطيع أن يقتربَ من الكرسيّ وإلا احترقَ، وقال سليمان: «لا أسمعُ أحدًا يذكرُ أنَّ الشياطين يعلمونَ الغيبَ إلا ضربتُ عنقَه».

وظل مردة الجن والشياطين طيلة حياة نبي الله سليمان مسخرين لعمل الخير والبناء من أجل البشرية وهو ما اعتبروه عذابًا مهينًا لهم، وعندما وافته المنيّة وهو يصلي متكئًا على عصاه، وطال مكوثه بلا حركة، كان الجنّ ينظرون من طرف خفي إليه، فيرونه واقفًا فيظنّونه على قيد الحياة، ولم يدركوا حقيقة موته إلا عندما التهمت الأكلة عصاه، فخرّ على الأرض.

حينها أصيب الجن بالفزع، وانكشف أمرهم للناس بأنهم لا يعلمون الغيب، فلو كانوا يعلمون الغيب لعلموا بموته، وما لبثوا في العمل والعذاب المهين عامًا بعد موته.

وبوفاة نبي الله سليمان، تحرر مردة الجن الكفرة من طاعة الله، وأراد الشيطان أن يعيد الفساد في الأرض بعودة السحر، فدل جماعة من بني إسرائيل على مكان الصندوق فحفروا وأخرجوا الصندوق وما به من الكتب، وأخذ مجرمو بني إسرائيل يعملون بما في تلك الكتب، وينشرون الكفر والرذيلة.

وعم الأرض الكفر والفتن والفحش بعد أن غاب الإيمان وما كان يحميه من قوة متمثلة في نبي الله سليمان. هكذا يرى كل الكفار سواء من الجن أو الإنس، أن طاعة الله مذلة وهوان، ويكمن التحرر في الرذيلة والإباحية.

لم تنتهِ قصة نبي الله ومنسأته والأرضة والمردة هنا، هي مستمرة لقيام الساعة لكن بأبطالٍ جُدد. بنظرة فاحصة تحت مجهر الحقيقة ستجدون كل شخصيات تلك القصة القرآنية بينكم ما زالت حية. ما زال نبي الله سليمان متكئًا على منسأته… فدائمًا ما كان أنبياء الله رمزًا لقوة الإيمان. والأخلاق هي عصاة ارتكاز لذاك الإيمان، فلا تجد أمة مؤمنة تنهار فيها الأخلاق، ولا تجد مجتمعًا تسوده الأخلاق يبتعد عن الإيمان. وما زالت الأرضة تأكل في المنسأة وأصبحنا قاب قوسين من السقوط المروع. أما أرضة اليوم فهي الإعلام الذي يرعاه شياطين الإنس والجن لينخر في أخلاق المجتمع حتى لا يجد الدين ما يرتكز عليه. وما زال مردة الجن ينتظرون اللحظة للفتك بما بقي من أمة التوحيد. فإذا كان الساحر مهمته هو الخداع وجعل الناس يصدقون الوهم، فإن الإعلام الآن يصنع الوهم ذاته.

وقد تفوق بنو إسرائيل اليوم على أجدادهم، فجعلوا من العالم الذي نحياه عالمًا افتراضيًا، نرى ما يريدوننا أن نراه، ونتبنى من القضايا ما يريدون، ليس بتمتمات سحر، ولا بإطلاق بخور مشعوذ، إنما بكاميرات وميكروفونات إعلام صار تحت إمرتهم، بكل ما يملكه من آليات وجيوش تعمل فيه.

فالإعلام حقًا كما يصفه روبرت فيسك هو جريمة القرن العشرين، لما له من قدرة على توجيه العقول، والسيطرة عليها، وهذا ما تؤكده أطروحة «موت الواقع» لجان بودريار، والذي يخبرنا بأن «وسائل الإعلام المعاصرة أصبحت متورطة في حجب الواقع، وخلق حالة مصطنعة من الوهم الذي نعيشه وذلك التضليل الإعلامي يستمد قوته من تخريب النظرة السوية للواقع، فيتم التلاعب بوعي المتلقي وإقناعه عبر قوة الميديا برؤية الطرف المتحكم في الآلة المعلوماتية، بمعنى أصح، إقناعه بالواقع المصطنع.

هذا هو حال العالم بأسره تحت سطوة الإعلام، فما بالكم بحالنا نحن، فالحرب علينا ليست بهدف أن نرى ما يراه المتحكم بمسرح عرائس العالم، لا بل الهدف أن نمحى نحن من هذا المسرح، أن نتحول لمسوخ مشوهة داخليًا وخارجيًا.

إن محاولات تضليل عقولنا ما هي إلا أداة لقهرنا، فقد تحول الإعلام بكل وسائله إلى آلة قتل جمعي لنا، يقتل فينا الدين هويتنا وقوتنا، ويأكل منا الأخلاق عصانا التي نرتكز عليها، ونحمي بها أنفسنا من كل محاولات التغريب والتيه، حتى لا نخر ميتين فتفترسنا ضباع الأرض.

الإعلام إنه دابة الأرض التي تنخر في أخلاقنا وديننا بأدواته المتعددة لنسقط.

فالدراما والإعلانات والصحافة والأغاني أصبحت مخالب تنهش في كل قيمة لدينا، فالدراما مثلًا من المفترض أنها تعبر عن الواقع وتتجاوزه في نفس الوقت، تتجاوزه بوضع حلول لما فيه من مشكلات، لوضع تصورات لما يمكن أن يحدث إن لم نعالج سلبياتنا، ولكن ما وصل له حال الدراما أنها أصبحت هي جُل مصائبنا.

إذ تحولت إلى أداة لقتل الواقع، واستبدال واقعٍ آخر بديل به، واقع لا علاقة له بحقيقة المجتمع، واقع افتراضي احتل مكان الحقيقة ونفاها، كي يشكل عقلًا مشوهًا يتقبل كل ما هو منافٍ للدين والفطرة السليمة.

فأصبحت مشاهد العري والفحش مرادفًا للتحضر، أصبح الإدمان وشرب الخمر والقمار والخيانة الزوجية مرادفًا للتقدم والترف، أصبح الشذوذ الجنسي والخُلقي واستخدام الألفاظ الخارجة مرادفًا للحرية.

جعلوا من مدمن الخمر وتاجر السلاح والمخدرات بطلًا وقدوة للشباب، جعلوا من الغانية قدوة للفتيات لتصبح محبوبة وثرية وذات فكر تقدمي.

وفي المقابل أصبح كل ملتزم بدينه ولو شكلًا في الزي فقط إرهابيًا، متخلفًا، شاذًا يسعى وراء غرائزه ومن أمثلة ذلك كثير «سابع جار – لا تطفئ الشمس – غرابيب سود – الأسطورة…».

إن ما وصلنا له هو تجسيد لفيلم «ماتريكس» «حيث يعيش البشر في واقع خيالي بدون أن يعرفوا ذلك، واقع تمت محاكاته بواسطة كمبيوترات ذكية كي تحافظ عليهم مسالمين وقانعين، بينما تمتص الكمبيوترات طاقتهم، وتجعلهم يعيشون بعقلية القطيع».

لذا يجب عمل إفاقة سريعة لمجتمعنا قبل أن تعلن وفاتنا، يجب عمل إنعاش سريع لهذا العقل المغيب كي يستفيق ونعيده لوعيه، لنتخلص من حالة فوضى الكذب وقلب الحقائق وضرب هوية الأمة، ومهاجمة الثوابت، وموالاة الأعداء، والتباهي بالخيانة والعمالة، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب.

لابد أن يكون لنا نفس سلاحهم إعلام ولكن «مسلم» يبني لا يهدم، يكرم لا يحقر، يُعمل العقل لا الغرائز، فقد أخطأ من قبلنا حين اكتفوا بتكفير الإعلام بأدواته واعتبروه رجسًا من عمل الشيطان، وتركوا لهذا الشيطان الساحة خالية ليبث سمومه داخل عقولنا، ولتعلموا أن فطرة الإنسان السليمة تجذبه للخير وللتطهر إن رآه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد