إذا كان الدرس بلا ألم فلا فائدة منه لأنه لا يمكن أن تحصل على شيء دون أن تضحي لكن عندما تتحمل الألم وتتغلب عليه ستحصل على قلبٍ لا مثيل له

«المرء لا يحنّكهُ شيء أعظمُ من التجارب، ولا يشد عوده شيءٌ أعظم من مطارق الخيبات»
هكذا قالت لي والدتي عند رؤيتها لي وأنا فاقد للأمل، غارق في الخيبات بعد خسارتي لحلمي الذي كُنت متلهفًا لتحقيقه، شغفي في داومة الحياة التي لطالما تعددت اختياراتنا فيها واختلفت باختلاف الظروف والأشخاص.

الفشل خطوة نحو النجاح!

طبيعة النفس البشرية شغوفة، ومصاحبٌ لها في هذا الشغف التردد والقلق عند بداية تجربة الأمور، والتحديات الجديدة التي تحتمل النجاح والفشل، يقترن بنا دائمًا هذا الشعور في كل تجربة نخوضها في هذه الحياة، وكأن النفس دائمًا تطمع في صفة النجاح الدائم المصاحب لها في كل خطوة، حتى نصل إلى مرحلة نكون فيها غير مستعدين لقبول أي خسارة أو فشل.

يحكى أن أحدهم وضع سلسلة حديدية حول قدم صديقه لتقييد حركته، ومع كل محاولة للتقدم إلى الأمام تسحبه تلك السلسلة للخلف، لقد كان عاجزًا عن كسرها لصغر سنه، وضعف بنيته الجسدية، كبر هذا الصديق مع الأيام وأصبح أكثر ضخامة وقوة، وكلما كبر وسّع له صاحبه السلسلة حتى تتناسب مع حجم قدمه، وتمضي الأيام والسنوات ويكبر هذا الصديق ويزداد إيمانًا بأنه لا يستطيع كسر هذه السلسلة، وبعد عدة سنوات يموت هذا الصديق وهو أسير لتلك الوضعية، وغاب عن باله أنه بضربة واحدة من قدمه كان يستطيع كسر هذه السلسلة البغيضة التي قيدته طوال الحياة، ولكنه للأسف لم يحاول.

إنّ كثيرًا منّا يشبه حال هذا الصديق، فما إن يحاول مرة أو مرتين ويفشل، يُصيبه يأس يعيش معه سنوات عديدة، حتى لو تغيرت الظروف وزالت المعوقات لأنه ببساطة ما يزال يتذكر مرارة الهزيمة السابقة التي تمنعه من مجرد التفكير في محاولة ثانية، ينهزم فقط لأنه سقط، بل يولّد عنده الخوف من الإبداع والتميز، هاربًا من التحدي والإنجاز، ناظرًا إلى العالم من حوله بالفشل.

شموع تأبى الانطفاء والانكفاء!

لا بد لنا أن ندرك أن ملامح الخوف المصاحبة لنا عند كل تجربة يجب أن نعدها مطلبًا أساسيًا يساعدنا للوصول إلى أهدافنا وطموحاتنا، ما زلت أذكر مقولة الشيخ سلمان العودة، فك الله أسره، «كان أغلى شيء عندي هو حريتي، الحرية لا تريد أن يصادرها لا حاكم ولا تابع»، سلمان لم يُعط الفرصة للفشل لينال منه، حتى مع الظروف التي صاحبته من وفاة زوجته وابنه، والمضايقات الشديدة عليه من قِبل السلطات، فإنه كان دائمًا صاحب بادرة الخير المِعطاء، صاحب المحاولات العديدة، بغض النظر عن نجاحها من فشلها في إيصال فكرته ومفهومه بالنسبة لكم، لم تهدئ نفسه حتى بعد أن حُرم من حريته ومحاولاته ما تزال آثاره وفكرته موجودة وباقية، ونحن على يقين بأن الحكاية لم تنته، وإنما هي محنة ستمرّ وغدًا تطير العصافير وتتحقق الأحلام.
في مفهومي تلك الحرية في التعبير، حريتك في التجربة، حريتك في الفشل، حريتك في المحاولة، لم تنته الحكاية عند فشل البدايات بل يجب أن نعدها وقودًا لنا حتى نصل إلى ما نطمح إليه.

سيروا إلى أحلامكم عرجًا ومكاسير، فإن انتظار الرخاء بطالة.

مطارق الخيبات لا بدّ من مرورنا بها، لكن تكمن فكرة المقالة باعتبار هذه الخيبات خبرة قد نكتسبها من واقع تجاربنا في الحياة نتعظ منها ونتعلم، حتى نكون مستعدين لتجاوز ما هو أسوأ وأصعب، إياك أن تكون نموذجًا لذلك الرجل الضعيف الذي إن تعرض لمشكلة استنزفت طاقته بالغضب والإحباط، وبقي مُحبطًا منتظرًا الرخاء، فكر في الملذات القادمة؛ فحلاوة التفكير فيها يطغى على ما نكابد من مرارة وانكسارات، ولا يغب عن بالك قول نبينا، صلى الله عليه وآله وَسلّم: «وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسرًا» ، وتذكر الحديث النبوي الشريف الذي يقول «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف…»، فتغلب على مشاكلك بالكثير من الإيمان والإرادة الصلبة.

ولا تنس أنك أحد العصافير التي لم تفقد حريتها، فلتدع ولتدع لمن فقدها لعلها تأتي لحظة بزوغ الفجر لتطير العصافيرُ التي حُبِسَت عن زُرقةِ البحرِ، عن ماءِ البساتينِ حتى تُكمل طريقها إلى أحلامها.

في النهاية إذا كان الدرس بلا ألم فلا فائدة منه؛ لأنه لا يمكن أن تحصل على شيء دون أن تضحي، لكن عندما تتحمل الألم وتتغلب عليه ستحصل على قلبٍ لا مثيل له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد