منذ أيام سألني أحد أصدقائي أن أنصحه كيف يحول أفكاره التجارية إلى عمل مربح. ربما ظن أن ما درسته في علوم الإدارة قد جعلني خبيرًا في الشركات الناشئة. حقيقة الأمر أني لست خبيرًا على الإطلاق، لكن سؤاله ذكرني بواحدة من أكبر تجارب الفشل التي مررت بها. فمنذ عامين كنت بصدد إنشاء شركتي الصغيرة، والتي ظننت أنها ستكون انطلاقتي نحو النجاح في عالم ريادة الأعمال، لكن لم تمر أيام كثيرة حتى تبينت أني كنت أمر بقصة فشل كبيرة. وقتها توجهت لصديقي بالحديث قائلًا: «ربما لا أستطيع أن أخبرك بما يجب عليك فعله، لكن في تجربتي الكثير من الأشياء التي يجب عليك تجنب فعلها!».

القيمة المضافة

عمل شركتي كان يعتمد على تصميم وبيع الملابس. لكني أردت أن يكون الأمر مختلفًا؛ فأردت أن تكون التصاميم والرسوم المطبوعة على الملابس لها علاقة بلغتنا وتراثنا المصري؛ وذلك ليكون منتجنا مختلفًا عن المنتج المستورد الشائع في السوق. في واقع الأمر لم تكن شركتنا أول من يتخـذ هذا الطريق، فقد كان هناك شركات ناشئة أخرى تصمم من نفس المنطلق. أردنا أن نتميز عن هذه الشركات في طريقة توزيع المنتج وفي تميز التصميم. وهنا كان الخطأ الأول، كنا نحن أصحاب فكرة التصميم وبالتالي فهو بالنسبة لنا مميز ومختلف. لكن حقيقة الأمر لم تكن كذلك؛ فلم نكن مصممين محترفين ولم نأخذ آراء زبائننا المحتملين إذا كانوا بالفعل يحبون هذه التصميمات أم لا. أما عن توزيع المنتج فقد توصلنا إلى أفكار جيدة وجديدة في هذا الصدد. ولكن الأفكار وحدها لا تكفي، فلم يكن هناك وقت أو جهد كافيين لتنفيذ تلك الأفكار. نتيجة لذلك فقدنا القيمة المضافة التي يمكن أن تميزنا عن غيرنا!

الدرس الأول: الأهم من أن تشعر أن منتجك مميز أن يشعر زبونك بذلك. والأهم من جودة الأفكار هو جودة تنفيذك لها!

فريق العمل

الأفكار تحتاج من يستطيع تنفيذها، وهنا يكمن دور الفريق. فريق عملنا كان 3 أفراد وكلنا كنا طلبة، ونعيش في مدن مختلفة، بعض المكالمات أو المحادثات على الإنترنت كانت هي وسيلة التواصل بيننا. وهنا كان الخطأ الثاني، ربما كان الفريق قويًّا ويستطيع تنفيذ مهامه، لكن انشغالنا بالدراسة بجانب عدم القدرة على التواصل الجيد كلفنا الكثير من الوقت والجهد المضاعف، ونتائج أقل كثيرًا من المتوقعة.

الدرس الثاني: لا تقس قدرات فريقك فقط بمهارات أفراده؛ ضع في اعتبارك وقتهم وجهدهم المتاحين وجودة التواصل بينهم!

استمع للخبراء

قبل البدء في عمل الشركة استشرت أحد أقاربي الذي يعمل في مجال الاستشارات التجارية. واجهني بالكثير من الحقائق عن السوق، وأخبرني بأن السوق الذي استهدفه ضيق، وأن قدرتي على اختراقه وتحقيق نصيب جيد ومربح منه ستكون صعبة جدًّا، وأنه من الأفضل إن كنت أبحث عن ربح بهذا المبلغ القليل أن أتوجه لنوع آخر من العمل. كان رأيه صادمًا لي، فقد قمت من قبل بالبحث الكثير والتخطيط وبنيت توقعات بل وأحلام عن مستقبل الشركة الرائع. لم آخذ نصيحته في الاعتبار، وفقط اعتبرت الأمر تحديًا وسوف أحققه وسأعود يومًا لقريبي هذا وأثبت له خطأ رأيه. لم يمر وقت طويل حتى فشلت الشركة ووقع ما حذرني منه، والمضحك أني أصبحت الآن أتفادى لقاءه.

الدرس الثالث: لا تجعل حماستك وتخيلاتك تعمي نظرك عن الحقائق. استمع للخبراء، واعمل بنصيحتهم، ووجه حماسك في الاتجاه الصحيح.

لا تنخدع بالمظاهر

قبل البدء في تنفيذ المشروع. بدأنا في دراسة المنافسين وسلوك عملائهم، وأصبحنا نحلل منتجهم وجودته، ومدى رضا الزبائن عن المنتج والخدمة. كان مصدرنا الأول في ذلك هي صفحات الشركات المنافسة على فيسبوك باعتباره منصة التسويق والبيع الأولى لهذا النوع من المنتجات. في واقع الأمر توصلنا لنتائج هامة، ومنها بدأنا في وضع خططنا وكيف سنتميز عن المنافسين ونقتطع جزءًا كبيرًا من المستهلكين في هذه السوق. لكن الأمر أصبح مختلفًا حينما بدأنا التنفيذ؛ فلم تسر الأمور كما كان مخطط لها. فكل الأرقام التي توصلنا لها لأعداد المستهلكين لم تكن حقيقية، بينما كانت فقط الصورة التي تريد هذه الشركات أن تظهرها. فحقيقة الأمر أن كل شركة كانت تظهر أنها الأقوى وكانت تنشر الآراء الإيجابية عن منتجها، أو ترد على المعجبين على صفحاتها بود ومرح، أو تقوم بعمل عروض تزعم فيها أن العدد محدود، وحقيقة الأمر أن مخازنها مليئة لكنها محاولات لجذب الانتباه. كل هذه المعلومات الظاهرة أعمتنا عن حقيقة السوق وبالتالي كانت سببًا في فشلنا.

الدرس الرابع: تعمق في بحثك وحاول أن تصل للمعلومات الحقيقية. فمعرفتك الجيدة بمنافسيك وبزبائنك هي ما سيمكنك من تقديم المنتج الأفضل.

احذر الوسطاء

لم أكن أتعامل بشكل مباشر مع المورد الرئيسي، وكان بيننا وسيط؛ نظرًا لتواجد هذا المورد في مدينة مختلفة عن تلك التي أعيش فيها. كان الوسيط هو أحد أصدقائنا، وقد كان يقدم لنا هذه الخدمة مجانًا تشجيعًا منه لنا. حقيقة الأمر أن هذه الخدمة كانت الأكثر تكلفة، فبعد أن تولى الوسيط عملية الدفع للمورد وتسلم المنتج منه أتى لنا الوسيط بالمنتج بعد انتظار وتشوق لرؤية تصاميمنا واقعًا ملموسًا. وهنا كانت الصدمة، فما إن بدأنا في فحص المنتج حتى وجدنا بعض العيوب في الألوان والطباعة وجودة التقفيل. كلفتنا هذه العيوب الكثير وجعلت من الصعب المنافسة بهذا المنتج. الخطأ هنا لا يتحمله الوسيط في المقام الأول، لكن نتحمله نحن في عدم إخباره تفاصيل جودة وتقفيل المنتج التي نراها.

الدرس الخامس: ادرس كل وظيفة جيدًا قبل أن تقرر تفويضها إلى وسيط، وإن كان لا بد من تواجد وسيط فاحرص على أن يكون على علم تام بما تقتضيه وظيفته حتى تتم بالشكل المطلوب.

رغم صغر حجم تجربتي إلا أنها كانت مليئة بالأخطاء والدروس، فهناك أمور أخرى لم يتسع لي ذكرها هنا مثل توقيت نزول المنتج، وإدارة الشئون المالية أو حتى إنهاء عمل الشركة بأقل الخسائر الممكنة. إذا ما أردت نصيحتي حقًّا يا صديقي، فعليك أن تتعرف على قصص الفشل قبل النجاح، فالخطوة الأولى في طريق النجاح على أي حال هي أن تتجنب الفشل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رائد
عرض التعليقات
تحميل المزيد