صدحت حناجر السوريين من أقصى جنوب البلاد فكانت صرخة الحرية الأولى في درب الربيع الذي خطه الشعب في مارس (آذار) منذ تسع سنين خلت، من درعا درع البلد وصوت الثورة الأوحد حينها، لتتلقاها حناجر السوريين في حمص وبانياس وحماة وإدلب فصدحت الحناجر شوقًا للحرية الموعودة والكرامة المنشودة، المسلوبة من قبل أقذر عصابة عرفها تاريخ سوريا الحديث.

ثورةٌ بدأت بالورود والصيحات السلمية تطلب الكرامة لكل الشعب وهو حق غاب عن السوريين منذ انقلاب البعث عام 1970 بقيادة الخالد في نار جهنم حافظ الأسد، نشر في نفوس السوريين وقتها أنه المُخلص وأن انقلابه هو حركة تصحيح لمسار البلاد التي علمنا التاريخ أنها لا تخضع إلا بالعدل والعدل قد غاب عنها اليوم، وبالفعل صحح مسار البلاد فألغيت الأحزاب والحياة السياسية وعُدل الدستور ليصبح على مقاس الزعيم الأوحد، فكان لآل الأسد منذ ذاك الحين صولاتهم وجوالاتهم ومد نفوذهم وبسط سيطرتهم وقبضتهم الدامية على سوريا وإخضاع السوريين لجبروت حكمهم.

كانت فكرة خروج الشعب مطالبًا بحقه وحريته مناديًا بسقوط النظام البعثي أشبه بالمستحيل عند كبارنا وشيوخنا، هم الذين ذاقوا طعم الدم وشموا رائحة الحديد الكاوي لأجسادهم. ولو أردنا الحديث فيزيائيًا لقلنا: كل ضغط ينتج عنه انفجار، ضغطٌ عاشه السوريون وانتظروا انفجاره كثيرًا، قد بات حقيقة اليوم فقد بدأت الثورة في سوريا استجابة للربيع العربي الذي كان وقتها يزهر في تونس ومصر وليبيا، خرج الشعب السوري حالمًا أن يُزهر هو أيضًا في أرض بلاده الخصبة المسلوبة منه، أراد أن يعيدها سيرتها الأولى لا أكثر، بدأ لهيبها يشتعل في جُل المحافظات السورية.

«الموت ولا المذلة»

«الله سوريا حرية وبس»

و«يلا ارحل يا بشار»

بهذه الكلمات فقط، كان الشعب السوري يحمل صدق قلبه مفسرًا إياه بواسطة لسانه، لم يحمل في البداية سلاحًا قط، بالمقابل تمت مجابهته بالرصاص الحي وحملات الاعتقالات العشوائية.

الموت تحت التعذيب، الموت من البرد والموت من الجوع، هل يمكن أن يصدق أحد في القرن الواحد والعشرين هناك طرق للموت كهذه!! قد حدث فعلاً في سوريا الأسد، بعد سقوط عدد كبير من الشهداء وارتكاب مجازر كثير بحق المدنيينن ومن منا لا يذكر مجزرة ساحة الساعة بحمص وركل المدنيين في بانياس وذبح أطفال الحولة والتريمسة.

اضطر الثوار السوريون لحمل السلاح وأخذت الرصاصة من اللسان الراية وقول الفصل كان في الميدان، لم يخرج الثوار إلا لنصرة قضيتهم وبرًا بمعتقليهم فكانوا أشداء أقوياء لا يهابون الأسد وجنده، كانت لهم الكلمة وسلاحهم -رغم قلته- زلزل عرش الطاغية وبات قاب قوسين أو أدنى من السقوط.

بدأ الأسد بالانهيار فتدخل حزب الله في البداية وقتل مئات السوريين، وعندما عجز عن مجابهتم استعان بداعميه الإيرانيين، فتغلغلت ميليشيات إيران الطائفية في عموم سوريا وأصبح القتل كشرب الماء ومع هذا كله سقطت إيران أيضًا وعندما كان الأسد مرتعبًا في قصره والثوار على بعد عدة كيلومترات منه جاء الدب الروسي مهرولاً باحثًا عن موطئ قدم له في البحار الدافئة ولنصرة صديقه الحاكم وأصبحت بلادنا كمضمار، يريد كل بلد أن يثبت وجوده فيها فتارة تشاهد الروسي وتارة أخرى، الأمريكي، والإيراني، ولا ننسى العربي!

كل هؤلاء وقفوا ضد الثوار وتحالفوا على الثورة وتكالبوا عليها، يريدون لها أن تُخمد وتنتهي وتصبح في طي النسيان، لا يريدون لها أن تكبر وتُربي الجيل الذي يهدد عروشهم ويهدم ممالكهم، ظنّوا أنهم منتصرون الآن والكفة غلبت لهم، ولم يعلموا أن هناك جيلٌ قادم، يحمل في قلبه وعقله ما يخافون ويهرعون منه، جيلٌ سوف يكون له مقام ومقال في صناعة المستقبل فلقد تعلموا من الماضي وأخذوا الدروس والعبر، ولم يعلموا أيضًا أن العصافير تحط على الأغصان لترتاح وربما تدنو من البركة ومن حشائش الأرض لتتغذى وتقوى، نسوا أنها ستطير غدًا لأن الحكاية لم تنته بعد وإن سرقوا منا الخيول فلن يستطيعوا سرقة الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد