فى عام 1990م، أُنتج الفيلم المصري «امرأة واحدة لا تكفى» بطولة الفنان أحمد زكي (18 نوفمبر 1949م، 27 مارس 2005م)، وهو يحكي قصة صحفي متعدد العلاقات النسائية يرتبط بثلاث سيدات طوال أحداث الفيلم، ويبادلنه الفاتنات الثلاث المشاعر نفسها؛ بل إنّ إحداهن تساعده فى الوصول إلى منصب رئيس التحرير.

يتعرض الصحفي أو حسام منير لمحاولة اغتيالٍ، ويسافر للعلاج بالخارج، تاركًا رسالةً لـ«حبيباته الثلاثة» مضمونها مدى حبه لهنّ، ولكن يصعب عليه الاختيار النهائي بينهن.

تتقاطع رواية «ثلاثة فساتين لسهرةٍ واحدةٍ» للروائي المصري أحمد مدحت سليم؛ التى صدرت طبعتها الأولى عن دار «دوّن للنشر والتوزيع» فى يونيو 2015 مع فيلم «امراة واحدة لا تكفى» فى حالة «الحيرة» التي يشعر بها البطل حسام منير فى فيلم «امرأة واحدة لا تكفى»، وآدم الشوبكى فى هذه الرواية الأدبية الممتعة، وإن كان الأخير ارتبط باثنتين من حبيباته، لكن «الحيرة» واحدة.

عبر ثلاثة فصولٍ بأسماء الشخصيات النسائية في الرواية، ثم فصلين قصيرين (تمهيد وخاتمة)، يسرد لنا بطلنا آدم الشوبكي، خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، دون ترتيب، عذاباتِه، حيرته، مقارناتِه، بين ثلاث نساء ارتبط بهن على فتراتٍ، ولديه فتاة تدعى «ميسون» من زوجته مها العزيزي، صاحبة الترتيب الثاني في سلسلة علاقاته المتوترة مع الجنس الناعم.

تبدأ الرواية بـ«نيكولا رشيدوف»، الحسناء الفاتنة، التى خرجت من رحم سيدةٍ مصريةٍ كانت تعمل مضيفةً جويةً، بينما كان الأب روسيًّا موظفًا بالجوازات؛ والتى تعود للقاهرة وأمها بعد وفاة الأب، ويتعرف عليها آدم الشوبكي، بطل الرواية؛ الذي يعمل مديرًا للعلاقات العامة فى إحدى شركات الإنشاءات، وقد خرج لتوه من علاقتين؛ إحداهما لم تكتمل مع مها رشدي، وأخرى تنتهي بتطليق مها العزيزي.

يُجذب آدم الشوبكى لـ«نيكولا» من اللقاء الأول، ثم يصبحان صديقين على «فيسبوك»، لكن بطل الرواية لا يكتفى بذلك، بل ينحدر شيئًا فشيئًا إلى قصة حبٍ جديدةٍ عندما نراه يقول عن «نيكولا»: «إنّ الموج الذى رماني على شواطئها لم أختر الإبحار فيه»، تمهيدًا لحالةِ الارتباط العاطفي التى يشعر بها بطل الرواية.

يتزوجان، لكن تبدأ الخلافات سريعًا، بسبب غرور «نيكولا» الصلب، الذى يرجع كما يفسره الكاتب لخوفها من العودة إلى الوحدة والغربةِ والمنفى من جديدٍ.

يبدأ الكاتب فى الكشف عن الشخصية المرتبكة لبطل روايته «آدم»، الذى عاد من جديدٍ يفكر فى مها العزيزي ومها رشدي؛ بينما هو حاليًا يرتبط رسميًا بالفاتنة الروسية، يقول الكاتب: «ضبطت نفسى مراتٍ متلبسًا بالمقارنة بين أنوثة مها العزيزي الغزيرة المتوحشة، وأنوثة نيكولا الرقيقة المحافظة، والمقارنة بين جسديهما، ففي حين استوفت أعضاء مها العزيزي وتكوينها كل مقومات الإغراء المذهل، قنعت نيكول بتكوين يصلح أن يكون تمثالا أسطوريا فائق الحسن وحسب».

من نيكولا رشيدوف – التي لا يُنهى الفصل المخصص لها حكايتها – ندلف إلى الفصل الثاني، لنجد أنفسنا أمام قصة الحب بين آدم الشوبكي ومها رشدي، والتى بدأت فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ثم تخرجه، والتحاقه بالعمل فى إحدى الصحف الكبرى، ولكنه يواجه منذ البداية رفضًا من والدة حبيبته التى ترفض فكرة ارتباط «آدم» بابنتها الوحيدة، وهى مازالت طالبةً جامعيةً، كما أنها تبحث لها عن وضعٍ اجتماعي يليق بها، وليس مجرد زواجٍ فى شقة بالمطرية.

يصفُ الكاتب سطوة نجوى الفقى والدة مها رشدي قائلا: «كانت نجوى الفقى تستقوي بوضعها كأم، وبسلطانِها كامراةٍ قويةٍ، فجعلت تنهال بنبوت سيطرتها بلا حاكمٍ أو نظامٍ»، كاشفًا في هذا الوصف الموجز عن مدى تحكم هذه السيدة العنيدة فى تحديد مصير ابنتها، وتحديد مصير قصةٍ حبه، والتى كانت سببًا إنهائها.

تبدأ الأمور قليلًا فى الانفراج عندما يلتحق «آدم» بالعمل بصحيفةٍ كبرى، ومنها إلى قسم الإعلانات، ويرتبط رسميًا بـ«مها رشدي»، وترضى عنه والدة حبيبته، قليلًا بعد حصوله على شقةٍ، والاستعداد لتجهيزها، ولكن هذه الانفراجة لا تستمر سوى فترةٍ قصيرةٍ؛ ففي قسم الإعلانات بالجريدة يتعرض بطل الرواية، لمؤامرةٍ خطيرةٍ تُهدد حياته المهنية، ويقرر ترك الجريدة، قبل أن يعود للقسم الأول الذي كان يعمل به فى البداية.

لا تكتمل قصة «آدم» ومها رشدي؛ بسبب والدة الأخيرة التي كانت تريد ابنها أن تظل معها فى القاهرة، ولا تسافر إلى الخارج.

فى الفصل الثالث يحكي «آدم» عن مها العزيز، ابنة رئيسه فى العمل بعد انتقاله للكويت، وبينما كان يحاول الهروب من الذكريات، تظهر مها العزيزي لتعيدها من جديدٍ، يصفها قائلًا: «ملكة جمال بلا أدنى مبالغةٍ، نجمةٌ سينمائية ٌمشرقةٌ، باهرةٌ موجعةٌ، ضلت طريقها إلى الأضواء؛ لتصل إلى حيث أنتظر تائهًا محترقًا بلظى صحراء الخليج العربي»؛ والتي يقع فى حبها من أول نظرةٍ، ويعترف لها بذلك محاولًا منعها من العودة إلى القاهرة.

يرتبط الاثنان رسميًا، وتستحوذ مها العزيزي سريعا على قلب «آدم»، فقد كانت ذا نفوذٍ واسعٍ، سيطرت في فترةٍ وجيزةٍ على المراكز الحيوية فى قلب وعقل بطل الرواية، تزوجا، وكانت تندلع بينهما شجاراتٌ عاديةٌ لكن كانت تمر، ويعلل «آدم» هذا الأمر كما يقول في الرواية: «كرجلٍ يقدر المسئولية، وكمحبٍ صادقٍ، عرفت لمها جميلها، وواظبت على تذكير نفسي بفضائلها على حياتي لأتناسى خلافاتنا؛ بل إننى في أعقاب مشاجراتٍ قويةٍ، كنت أهم بهدم البيت، فلا يثنينى إلا أن أذكر أنها أعطتنى يومًا حبًّا لا يوصف، وأنها كانت ذات يومٍ ملكةً متوجةً أتمنى فقط أن أجالسها لدقائق، وأعزي خلافاتنا للضغوط الواقعة عليها، فأصبر بذلك نفسي، وأتخلص من أي قرارٍ بالهدم».

بالطبع تنتهي الخلافات بين آدم الشوبكي ومها العزيزي بالطلاق، لكن هذا لم يكن نهاية المطاف، فهناك رابطٌ قويٌ بين الاثنين هو «ميسون»، أو «ميس» كما يناديها والدها؛ هذه هى العلاقة الوحيدة المستمرة فى الرواية، والتى تجعلنا أمام أربعة بطولاتٍ نسائيةٍ، وأعتقد أن «ميس» كانت هى الفائزة في الرواية؛ فالرجل علاقته كانت «مرتبكةً» بالثلاثي طوال أحداث الروائي، ننتقل من قصةٍ مع إحداهن للأخرى، دون أن نصل إلى الاستقرار، وكأنّ كاتب الرواية مُصرًا طوال عمله الأدبي على «جرجرتنا» إلى عالم بطل روايته غير المستقر آدم الشوبكي.

بالطبع فإنّ هذه القراءة السريعة لأحداث الرواية لا تفيها حقها، لا سيما أنّ التفاصيل شيقة، فلسفية، كاشفة لنفسية بطلها الرئيسي المرتبك عاطفيًا، المرتبط بماضيه مع مها رشدي، ومها العزيزي كما تقول نيكولا رشيدوف فى الجزء الأخير من الرواية، والتي كانت مواجهةً صعبةً بينها وبين آدم الشوبكي، فقد فعلت به ما يفعله الطبيب مع مريضه، حللته نفسيًا، عبر حواراتٍ بجملٍ قصيرةٍ، كانت صادمةً لـ«آدم»، لكن كاشفةً لمكنونِه الداخلي الذي يقود تحركاته إلى الماضي.

حسنًا هذه هي الرواية الثانية التي أقرأها للكاتب أحمد مدحت سليم بعد عمله الأدبي المُحكم «لقلبي حكايتان» الصادرة عن دار «دوّن للنشر والتوزيع» العام الماضي، ويبدو أنّ «سليم» أصبح يُجيد اللعب فى منطقةٍ روائيةٍ تتعلق بالقصص الاجتماعية الرومانسية، والحكايات عن الحب، والصراع النفسي المرتبط بتلك العاطفة، والحيرة التى تضرب أبطال رواياته، مدللًا على وجود مشروعٍ روائي لديه.

من أكبر المميزات التي يمتلكها الروائي المصري أحمد مدحت سليم أنّه قد يقدم لك حكايةً عاديةً فى رواياتِه، عن الحب والزواج وأحيانًا عن أزمة منتصف العمر، ولكن بحبكةٍ ولغةٍ وعالمٍ مختلفٍ، يجبرك على الاستمرار في التوغل في فصول عمله الأدبى حتى النهاية.

فى ما يخص لغة الرواية، فأعتقد أن الكاتب مستمرٌ فى تقديم مشروعه الأدبي بركنٍ مهمٍ جدًا لا يمتلكه إلا الكاتبٍ المتمكن، ذلك الركن المتعلق بـ«اللغة الروائية» الكاشفة لمكنون أبطال الرواية.. عذبةٌ، بتعبيراتٍ قصيرةٍ أحيانًا؛ لكن وقعها على النفس يكون  صعبًا، فمثلًا يشرح لك الكاتب كيف يكون بطلنا متعلقًا بماضيه عندما نراه يقول: «أسخف الحيل التى تمارسها نفوسنا، أنها توهمنا أننا قد شفينا من جراحنا، وأننا قد تغلبنا على ذكرياتنا، وأننا قد نجحنا فى النسيان، بينما كل ما فعلته أنها حجبت الأشخاص والأحداث والجراح بعيدًا عن أعيننا، وراحت تغرسها تحت قشرة القلب، فإذا هبت نسائم رقيقة، أو صدحت أنغام شجية، أو انبعث الحزن الكامن فينا، وجدنا أنفسنا وجهًا لوجهٍ مع الخبيئة التى لا تموت ولا تفنى».

من أفضل الحيل السردية التي اتبعها الكاتب في روايته «ثلاثة فساتين لسهرةٍ واحدةٍ» تطعيم كتابته بأبياتٍ من إبداع 14 شاعرًا ذُكرت أسماؤهم فى فهرسٍ مستقلٍ أعده الكاتب بنهاية الرواية، ولم تكن استعانة الكاتب بهذه المقاطع الشعرية مجرد وجودٍ جمالى فى أحداث هذا العمل الأدبي؛ ولكن كانت استكمالًا لشرح الحالة النفسية لبطلنا آدم الشوبكى، وانعكاسًا لمكنونِه الداخلي العميق تجاه النسوة اللاتي يقصص حكايته معهن؛ نيكولا رشيدوف، مها رشدي، مها العزيزي، ولذلك لن تشعر أن هذه الأبيات «زائدة سردية» فى العمل؛ بل جزءٌ مهمٌ من المعادلة العاطفية التي تدلك إلى حالة البطل، المرتبط بماضيه إلى حد الامتزاج معه.

وعلى الرغم من أنّ «ثلاثة فساتين لسهرةٍ واحدةٍ» كانت العمل الأول لـ«أحمد مدحت سليم»، إلا أنها حققت نجاحًا، وتجاوزت طبعاتها الثماني طبعات، وكانت من أفضل الأعمال الأدبية في عام صدورها 2015م.

صدر للكاتب روايتان بعد «ثلاثة فساتين لسهرةٍ واحدةٍ» هما: «خريف، دماء وعشق» 2017، ثم «لقلبي حكايتان» 2019، والروايتان الأخيرتان أيضًا صادرتان عن دار «دوّن للنشر والتوزيع».

و«سليم» من مواليد القاهرة، تخرج في كلية العلوم عام 1998م، وحصل على دبلومة في التسويق من «معهد تشارترد» الإنجليزي، وشارك في تقديم تجارب إذاعيةٍ عديدةٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد