رابعة، لازلتُ أرى أن في أحداث رابعة العدوية دروسًا وعبرًا كان ينبغي على تلك الفصائل التوقف والتدبر حتى يتعلموا من أخطائهم الكارثية، وحتى يتعرفوا على الفارق الرهيب ما بين التنظير والصراخ، وما بين التطبيق في الواقع العملي الذي ما كنا نتخيل يوًما أن نراه بأم أعيننا.

تناولت في مقالتين سابقتين اعتصام رابعة منذ البداية حتى لحظات الانسحاب الذي كنت أحد من طلبوه. وإنني في هذه المقالة سوف أتناول ما حدث خلال ساعات ما بعد الانسحاب، وما فيه من دلالات وعبر، وإنها لمن الأهمية بمكان. وسوف أوضح كيف أنها تحمل في طيَّاتها الطريقة التي يتعامل بها النظام العربي والعالمي مع الفصائل، التي ما أنجزت حتى الآن إنجازًا سياسيًا يشفع لها بغية البقاء والاستمرار.

قصة الفصائل تتمثل في ثلاث ساعات تَلَت الانسحاب من رابعة

هذه هي الزاوية الجديدة التي سوف أدخل منها للحديث عن رابعة والفصائل مرة أخرى. وأعلم تمامًا أنه لن يدخل من هذه الزاوية أحد، لأن الأمر لا يعنيهم، فقط هو الصراخ والعويل والحديث عن أخطاء الخصوم. وسوف أنقل هنا باختصار ما جرى قبيل لحظات الانسحاب حتى بداية تحركنا، ثم لأتناول أمر تلك الساعات الثلاث.

كنا قد طلبنا الانسحاب من أحد ضباط القوات المسلحة وبعد فشل محاولتين رأيناه يجري مكالمة هاتفية ربما استغرقت دقيقتين أو ثلاثة، بعدما انتهى انتبهنا إليه وانتبه إلينا، فأشار بيديه تجاه منصة النصب التذكاري، ثم أشار بإحدى يديه تجاه الشمال وبالأخرى أنْ لا، ففهمنا أنه يقصد عدم الدخول في شارع يوسف عباس، ثم أشار بيديه مرة أخرى تجاه المنصة، ثم أشار تجاه الشمال، ثم بيديه أخذ يحثنا على المضي في هذا الشارع، ففهمنا أننا سنمضي باتجاه المنصة نترك شارع يوسف عباس ثم نمضي حتى ندخل الشارع التالي تجاه الشمال، وهو شارع عبد العزيز الشناوي، وهنا تحركت المجموعة التي طلبت الانسحاب، ومن ثم تحرك خلفها كل أو جل من كانوا في الميدان، وكانوا يقدرون بالألوف.

وهنا أقول، إن المنطق يقول، إنه كان ينبغي علينا الدخول من شارع يوسف عباس تجاه اليمين للوصول إلى شارع صلاح سالم، أو أننا نسير في شارع النصر ثم نتجه يمينًا إلى شارع نادي السكة حتى نصل شارع صلاح سالم، ثم ليذهب كل واحد حيث يرغب، وشارع صلاح سالم كان مقصد الغالبية منا إن لم يكن الجميع، ولكن ما حدث أننا سرنا في عكس الاتجاه تمامًا مسافة طويلة جدا بشارع عبدالعزيز الشناوي جوار سور جامعة الأزهر، ثم واصلنا السير حتى وصلنا شارع نادي السكة ومنه إلى شارع صلاح سالم، إذن ذاك أمرٌ كان مقصودًا حتى تطول المسافة فيزداد الإنهاك وحتى نبتعد عن دار الحرس الجمهوري وأي منشأة أخرى قريبة منه.

سرنا في شارع صلاح سالم، حتى دخلنا في الشارع الذي سيؤدي بنا إلى ميدان العباسية، وبعد أن سرْنا عدة أمتار سمعنا صوت الرصاص، ففهمنا أنه يجب أن نرجع، وهذا أيضًا تصرف منطقي، فوزارة الدفاع تقع بالقرب من ميدان العباسية، وأيضًا مسجد النور الذي كان قد تجمَّع عنده عدد غير قليل منذ الصباح، ممن كانوا يقصدون ميدان رابعة، ولكن ما استطاعوا الوصول.

عدنا مرة أخرى إلى شارع صلاح سالم، ولكن بدأت الأعداد تتناقص، فمَن وجد وسيلة تُوصله إلى حيث أراد  ركبها. وأيضا أثناء مواصلة السَّير كان البعض يتوقف من شدة التعب لعله يجد أي وسيلة مواصلات، ومن هنا بدأت الأعداد تزداد تناقصًا، ظل ذلك حتى وصلنا إلى أحد الشوارع المؤدية إلى منطقة باب الشعرية، وقد أصبحنا مئاتٍ بعد أن كنا ألوفًا، وجدنا على رأس الشارع سيارات سوزوكي تتسع لثمانية أفراد على الأكثر، فتوقفنا لنتفاوض مع السائقين -فقد كانت اللجان الشعبية موجودة ومنتشرة في ذلك التوقيت- ثم بعد ذلك بدأت رحلة الذوبان وسط الناس بمجرد الوصول إلى الزحام.

هكذا كانت الطريقة التي خرجنا بها من الميدان حتى تفرَّقنا، هذا هو الطريق الذي رُسِم لنا كي نسير فيه، وإنه لم يكن عشوائيًا، بل كان قائمًا كما ذكرت على إطالة المسافة لاستغراق أطول فترة زمنية وبذلك يصاب الجميع بالتعب والإرهاق ومن ثم تكون الرغبة في الراحة ضرورية ومنشودة، وهذا أمر ينشغل به كل إنسان أصابه التعب في الحياة اليومية العادية، فضلا عن يوم كيوم الفض. ثم للابتعاد عن كل المنشآت المهمة المشهورة لدى المنسحبين، كدار الحرس الجمهوري ووزارة الدفاع ومسجد النور، ثم لعدم الالتقاء بأي تجمعات خرجت لمناصرة المعتصمين رفضًا لفض الاعتصام بالقوة.

هكذا كان الطريق مرسومًا، وأقول هو نفس الطريق الذي رُسِمَ للفصائل الموجودة على الساحة الآن، فإن الفصائل لا تتحرك بعيدًا عن أعين أجهزة الاستخبارات، ومن ظن ذلك فهو واهم. وإن الفصائل لاتتحرك إلا بموافقة ودعم القوى المتحكمة في إدارة العالم، ومن ظن غير ذلك فهو واهم. وقد يقول قائل، إذن لايوجد أمل، طالما أن القوى العظمى متحكمة هبذه الطريقة، أقول، لا، الأمل موجود ولكنه يُعقد على القادة الأفذاذ الذين تلتف حولهم الشعوب، حتى وإن حاربهم العالم، وأسوق هذا المثال لنقف على حقيقة الفارق الكبير ما بين فصيل وبين قائد، أو أي شخص صار مناهضًا لأي نظام من الأنظمة، فمثلا عند اعتقال الشيخ حازم أبو إسماعيل، كم مصريًا ناله الأذى؟  وكم واحدًا تضرر بتضرر شفيق، وكذلك الفريق عنان وكذا معصوم مرزوق، وغير هذه الأسماء.

ماذا لو تتابع الأمر على هذا النحو. حتى يخرج من تلتف حوله الملايين لا الألوف، ليصل إلى الهدف المنشود بحق.

وهذا على عكس الفصائل التي بسببها تدخل الدولة كلها في حالة من الطوارئ التي قد تستمر عقودًا، فتتسع دائرة الاشتباه ليمسي ويصبح كل مواطن مهددًا، ونتيجة ذلك أنه لا تنمية ولا تقدم ولا أمان.

إن الفصائل تقوم بالدور المطلوب منها حتى تتحقق النتائج التي يرجوها النظام الإقليمي والدولي، وليس أدلُّ على ذلك من جماعة الإخوان المسلمين، التي ما تركت حاكمًا إلا وتحالفت معه على  مدار تاريخها،( باستثناء المستشار عدلي منصور) ولقد تلقَّت الدعم المتنوع من جهات مختلفة داخلية وخارجية، كما قال ذلك العلامة أحمد شاكر، في تقريره عن شؤون التعليم والقضاء، وأيضًا قال بذلك أيمن الظواهري الزعيم الحالي لتنظيم القاعدة في الطبعة الثانية من كتابه الحصاد المر.

ثم ماذا بعد؟ ثم رغم الدخول في تحالفات مع تلقي الدعم لم تحقق الجماعة أي شيء، بل  في لحظة معينة ، وبعد أداء ما هو مطلوب منها يتم جرُّها إلى الصدام، أو أنها تدخل مختارة في صدام، وذلك ما شهده عصر جمال عبدالناصر، ثم مبارك ثم عصرهم هم، ثم عصر السيسي حتى يومنا هذا، وهكذا 90 عامًا بلا إنجاز على أرض الواقع -أتكلم عن واقعهم السياسي، أما الديني فلقد أدلى أهل العلم بدلوهم- هذا الواقع السياسي ليس فيه سوى الصياح والضجيج والشعارات التي لا علاقة لها بالممارسات والنتائج، فكل نظام يفعل ما يشاء وبالطريقة التي يشاء، ولا يأبه بوجود تلك الجماعة وما خرج من عباءتها، كالجماعة الإسلامية، مثلا، التي اشتركت في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات في أكتوبر (تشرين الأول) 1981، وذلك بعلم معظم من كانوا حول السادات في ذلك اليوم، (إنه الاستخدام).

ولقد أجرت الجماعة مراجعات وقف العنف، ولقد اعترفوا بأن قتْلَهم السادات كان خطأً. وهذا ما قاله الشيخ علي الشريف، القيادي بالجماعة الإسلامية ومسؤول تنظيمها باليمن في حوار أجرته معه جريدة الرأي الكويتية عام 2011، ولقد قال بالحرف، (ولو دارت بنا الأيام مرة أخرى لما وافقنا على قتل السادات خصوصًا بعد الأحداث التي ترتبت على ذلك، حيث جاء حسني مبارك الذي كان خطيئة من خطايا السادات. فالآن نترحم على السادات لما رأيناه من مبارك)، وهكذا بمنتهى البساطة يتم توريط الدولة ثم يتم التراجع، ورغم ذلك وما له من تبعات، فالجماعة الإسلامية أفضل قليلا من جماعة الإخوان، التي دأبت على توريط المصريين في كثير من الكوارث دون اعتراف بالأخطاء.

إنه الاستخدام من قِبَل القوى الحاكمة، نعم، فهذه الفصائل ما سُمِح لها بالوجود أو الاستمرار إلا ليكونوا صداعًا في رأس العالم العربي والإسلامي دون تحقيق أية إيجابيات. وذلك على عكس فصيل آخر، كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي صُنِعَ على يد أجهزة الاستخبارات العالمية، وذلك ما قاله  ضابط الاستخبارات البريطانية السابق في مكافحة الإرهاب، تشارلز شوبريدج، في مقابلة تليفزيوينة أجرتها معه قناة روسيا اليوم: إن المخابرات البريطانية وشركاؤها، كالاستخبارات الأمريكية، كانوا يتابعون التحركات الإسلامية بالعالم ويستغلون نشاطها، من خلال تقديم الدعم والتمويل للحركات المسلحة سواءً في ليبيا أو سوريا، وبخاصة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بغية إشعال الصراع المسلح في تلك البلدان.

وهكذا، فلئن كان تنظيم الإخوان المسلمين قد سُمِحَ له بالوجود والاستمرار، فذلك تحت سقف محدد لم ولن يتجاوزه. أما تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فقد صُنِعَ لكي يحكم في فترة زمنية قياسية كي تستطيع الدول الكبرى تنفيذ أجنداتها من خلاله، وإن مدى استمراره مرهون بانتهاء مهمته.

إن الغرب قد فهم طبيعة المعركة ولقد فهم الطبيعة العربية، ولقد برع في إتقان اللعبة على أرض العرب، إنها لعبة الفصائل والطريق المرسوم لها كي تبادر بالسير فيه.

وأخيرًا، أختم بهذه الدلالة الخطيرة والمهمة، ففي مساء الرابع عشر من أغسطس (آب) 2013، وبعد ساعات من إعلان وسائل الإعلام عن انسحاب معتصمي رابعة، خرج وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم، ليدلي ببيانه، وكان من بين ما قاله: (لن نسمح لأي أحد بالاعتصام مرة أخرى في أي مكان على أرض مصر)، وقد كان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!