حزمتُ ما يلزمني للبقاء واستعددتُ للرحيل، جلست قليلًا أستعيد أوامر قائدي التي كنت قد حفظتها عن ظهر قلب ثم رحلت.

ما إن وصلت إلى النقطة المرجوة، حتى أخذت أجمع شتات نفسي، غريب هو ذاك الحنين الذي يتملكني نحو كل أرض أطؤها، الرجفة التي تعتريني في أنحائي لأني ما عرفت يومًا إلى ما أنتمي، وإلام تسكن روحي وتبتهل نفسي لتصبوا إليه؟، لكن أملي بذلك كبير.

«الأمل ذروة اليأس؛ فيا صاحبي توجّع قليلًا، توجع كثيرًا؛ فإنّ الأمل ذاته موجع حين لا يتبقّى سواه!»

في البقعة المحددة اتضجعت متوسلة راحة أصبو إليها بعدما انتهيت من بناء بيتي الذي سأمضي فيه شطرًا من حياتي، وبعدما فرغت من وضع الأثاث الأحمر وتقوقعت تحت السقف الأبيض، سلمت نفسي للسهاد حينًا حتى أدركني النوم.
وقتما استيقظت كنت أتضور جوعًا، هرعت أتناول الطعام حتى أُتخمت، حينها فقط تسللت الحيوية إليّ، ودبّت الطاقة في أنحائي، وعلى حين غرة شعرت كأن طوفانًا من الماء يتسلل نحو بيتي.

مرّ الزمان كالأبد، حقبة عايشتها هي دهر وما ينيف تمر أمامي كسويعات، غطاني غبار الزمن وأنا بداخلي ما زلت بعد أحبو.

طوفان الماء المسعور كان كثيرًا ما يغمر بيتي محاولًا النيل منه، بيتي يراه صديقًا يداعبه ويحتضنه وقت ضعف يلمّ به كضعف إنساني، وأنا وحدي أرى الحقيقة كشمس تكاد تعميني، ليتني كنت مثل الجميع أستطيع فقط إغماض عيني وفتح أجفان قلبي.

اثنان في الحياة سيقصان عليك ما لا يمكن قوله وما لم يستطع أحد يومًا التعبير عنه، الموسيقى وأنا.

كنتُ أخدم امرأةً هي مثال للجمال المصبوب قي قالب سماوي كما عبّر تولستوي قي روايته «أنا كارنينا»، ذاب قلبها ولهًا بأحدهم، والذي سرعان ما أعماه منعطف الزمان بعد أن مسح عليه بالكِبر وطبعه بالجفاء.

افترقا.

تزوجت بآخر.

أصبحت ملتاعة شقية عاثرة لكأنما وُجدت لتشقى، زوجها كان نقي السريرة سخي النفس، لكن هيهات أن تفلح محاولاته فتحبه، ستقابل رياح حبه الوديعة بخيانة غادرة، موليةً وجهها عن الاستقامة والشرف مع مهاجر إلى خارج البلاد.

رحلت عنها أنا ولم أدر ما أصابها إلا بعد حين، فمن فرت معه كان سجينًا هاربًا ذا سوابق مشينة في القتل وهتك الأعراض، ذبحها بدم بارد بعد أن أبت أن تسلمه مصوغاتها.
بعد ذاك أصبحتُ جزءًا من طفل ذي طبع متمرد وشكيمة قوية، كان ظاهر الطفل العناد والكبرياء وداخله مبطن بالهشاشة. لقد نزعني من حياته نزعًا كما نزع صديقه الوحيد من قلبه؛ لأنه تُوفي في حادث أليم وتركه وحيدًا كما ظل يردد ساخطًا.
أحيانًا أسرح بخيالي مفكرةً ماذا لو أحبت المرأة زوجها، وشرّعت له نوافذ قلبها على مصراعيه؟ ماذا لو تبنيا ذاك الطفل اليتيم وغمراه عطفًا وحنانًا، ثم ما ألبث أن أعيد على مسامعي مرارًا وتكرارًا أن الحياة ليست سوى مسرح كبير، وأني وُلدت أتنقل بين الممثلين في مسرح متواضع بناه شخص حالم لطالما كان يردد: «ما لقنته لي الحياة، أن الأحلام ليست تلك التي نراها في النوم والسهاد، بل هي ذاك الشيء الذي لا يجعلنا ننام». وفي الحلم أخذت أردد تعاليم بتاح حتب وهو يقول: «اتبع قلبك ما دمت حيًا.
أبصرت الجمال في الفن؛ الفن الذي به نرفع المشي إلى الرقص، ونرفع النثر إلى الشعر، ونجعل من الكلام بلاغة».
طال بي العمر، حتى صرتُ أكبر من أن ألقي الوداع وأمضي، غمرتني الذكريات كما يغمر الموج الشاطئ، وكما تغمر الشمس الفضاء، أصبحت أشعر بثقل الحياة، ما عدت أقدر على الاستهانة بها كما مضى، وأشعر بأداة حادة تنخر فيّ بعد أن اقتلعت سقف بيتي، أضحى العالم في عينيّ وهمًا، جال بخاطري أني ربما لا أستحق الحياة لكني بالتأكيد لا أستحق الموت.
لملمت جروحي، تجاهلت ألمًا قد جاب أنحائي، أنزف كمدًا بعدما تلاشى سقف بيتي الذي يأوي روحي المعذبة، أتعثر قارئة خطاب قائدي أن أرحل في الحال، فهمت أخيرًا أني عرفت الجميع وجهلت نفسي، أتراني حكمة شيخ سنواته تزحف نحو القبر؟ أتراني بذرة حب نبتت بين ثنايا الحرب؟ أم أنا وهج تنامى بين النجوم؟ أم تراني نجم يسطع وينير السدوم؟ من أنا، من أكون؟
جمعت أغراضي ولملمت ثنايا ذاتي المشتتة وهأنذا راحلة تاركة خلفي أثاثي الأحمر.
وكومضة أضاءت ثنايا روحي عرفت من أكون؛ أنا من لا أملك اسمًا، ولا أكترث لأني أخيرًا عرفت حقيقتي، تعرفت على ذاتي وتصافحت معها واحتضنتها وبكينا معًا، فهطلت عبَراتنا وانصهرت مع ألحان الطبيعة الشجيّة، مع ضحكة رضيع وبكاء شاعر وآلام إنسان جلدَه القدر.
أنا من اهتممت لأمرك يومًا، وبقيت شهرًا أمسك يداك ولم أتركها، أنا المطب التي تتقافز فوقه الدموع، وأنا من آذيتك وآذيتني، فرحلتُ وتركتُك تاركةً جزءًا مني كي لا تنساني.
أنا فيفي، أنا فسفوسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد