قال أبو بكر بن أبي داود: «ما تقولون في مسألة اتفق عليها: مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والحسن بن صالح وأصحابه، وسفيان الثوري وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه؟ فقالوا له: يا أبا بكر؛ لا تكون مسألةً أصحًّ من هذه؛ فقال: هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل أبي حنيفة»اهـ (تاريخ بغداد 15/516)

من هذه القصة يمكننا أن نستنتج حجم الرَّفض الذي قُوبِل به أبو حنيفة عند بدأ تأسيس مدرسته الفقهية حتى أنَّه كثرت الشكوى عليه مما دفع بأكبر عالم في ذلك العصر محمد الباقر وهو حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستدعاء أبو حنيفة وقال له « أنت أبو حنيفة الذي غيَّر دين جدِّي؟» ومن هنا نعلم أن التهمة الأساسية لأبو حنيفة أنه يسعى إلى تغير دين الإسلام عن طريق اجتهادات خاطئة.

خلال المناقشة ما بين الإمام محمد الباقر والإمام أبو حنيفة قدم أبو حنيفة الأدلَّة التي تؤكد صحَّة منهجهُ ومن ثم بيَّن سبب خروجه عما اعتاد عليه العلماء فقال: «إنما فعلت ذلك لأن العراق فيها طوائف تحب التجديد فأحببت أن أحمل على دين جدك ولكن وفق منهج عقلي وعلمي» فما كان من الإمام الباقر «إلا أن قام وقبل رأس أبو حنيفة» وكانت هذه القبلة بمثابة اعتراف بصحة منهج أبو حنيفة. وهنا نلاحظ جرأة الإمام الباقر على إقرار الحق وكيف لم يفكر ولو للحظة واحدة بما قيل عن أبو حنيفة.

وفي آخر القصة لا بد لنا من ذكر رأي أبو حنيفة فيما اجتهد به حيث قال: «قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا». بهذا القول نعلم جليَّاً أن أبو حنيفة لم يعطي صفة القُدسية لآرائه ولم يُغلق الباب من خلفه وإنَّما عَلم أنه قد يأتي من هو أفضل منه وبالتالي سيأتي بآراء أفضل من آرائه.

الجدير بالذكر أن ذلك العصر لم يكن أبو حنيفة وحده المطالب بالتجديد، ولكن كان هناك أشخاص آخرين منهم مَن لم يكن بقوة أبو حنيفة فلم يصلنا علمه ومنهم مَن طالب بالتجديد لتدمير الدين فاندثر صيته مع الزمن.

اليوم تعلو الصيحات بتجديد الخطاب الديني وفي كل يوم يظهر لنا من يقول أنه المجدِّد ويبدأ بنقض آراء علماء هذا العصر والعصور السابقة. بنظرة سريعة على الواقع نجد أن الزمان يعيد نفسه فاليوم توجد فئات تطالب كل يوم بالتجديد وفئات ترفض التجديد رفضًا قاطعًا وأخرى بينهما تسعى للتجديد بخطوات خجولة مخافة سخط العامة عليهم.

لا بد من الإشارة إلى حقيقة وجود بعض الثغرات في الفقه الإسلامي مثل وجود عدد من الأحاديث المستخدمة في إصدار الفتاوى، وهي أحاديث ضعيفة ولكن كثرة تداولها جعلها صحيحة بين العامة وغير قابلة للنقاش مثال حديث «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» وهو حديث ضعيف وهناك أمثلة أخرى.

أما فيما يخص بعض الأحكام فنذكر حكم «الرجم حتى الموت للزاني المحصن» وهو حكم غير قابل للنقاش عند عامة علماء المسلمين، ولكن يجب أن نذكر ما قاله بعض العلماء من مخالفة هذا الرأي وهنا يحضرني ما نقله الدكتور القرضاوي عن الدكتور محمد أبو زهرة، فقال القرضاوي «إن الشيخ محمد أبو زهرة قال في إحدى الجلسات إنه يريد أن يكشف عن رأيه في موضوع كتمه لمدة عشرين سنة، يتعلق بالرجم في حق الزاني والزانية. وتابع أن أبا زهرة شدد على أن حكم الرجم في الزنا شريعة يهوديَّة أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، ثم لمَّا نزلت الآية الكريمة «سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ» ألغت حد الرجم». وأوضح الدكتور القرضاوي أن ما دفع أبو زهرة للبوح بهذا الرأي بعد الصمت كل هذا الزمن مخافة أن يموت وهو كاتم لعلم. وهنا يحضرني التسائل التالي كم عالم ثقة يكتم علمه اليوم مخافة ردة فعل العلماء الآخرين والعامة وكم عالم مات وهو كاتم لعلم؟

ما هو الحل للوصول للتجديد الذي أصبح ضرورة في هذا الزمن كما كان ضرورة في زمن أبي حنيفة؟

للوصول لهذا التجديد يجب أن نمر بمجموعة خطوات نستنتجها من قصة أبي حنيفة:

1. فئة العلماء الرافضين للتجديد يجب عليهم إعادة التفكير والتخلي عن رفضهم اليوم قبل أن يجدوا نفسهم مجبرين على التخلي عنه بعد فترة من الزمن كما حصل مع علماء عصر أبي حنيفة.

2. فئة العلماء المجددين يجب على غالبيتهم التوقف عن نقد ما جاء في الشرع الإسلامي فقط من أجل النقد، وإنما يجب عليهم تحكيم العقل واتباع منهج أبي حنيفة في النقد.

3. فئة العلماء التي تتأرجح بين هاتين الفئتين يجب عليها الخروج عن حالة الصمت والخوف، لأنها هي الفئة المسؤولة عن التجديد وهي الوحيدة القادرة على ضبط هذا التجديد، فهي اللَّاعب ما بين تلك الفئتين فيجب عليها أن تجلس مع كل من يدَّعي التجديد ممن ذاع سيطهم بين العامة، لأنَّ ليس كل ما جاؤوا به صحيحًا وليس كله خطأ. فعليهم مسؤولية تبيان الصَّح من الخطأ ولا يجب أن يكون هذا عن بعد من خلال خطبهم أو برامجهم وإنَّما من خلال الجلوس معهم على طاولة واحدة، ومن ثمَّ أخذ ما صح من أفكار جديدة والجلوس مع الفئة الرافضة لإقناعهم بصحتها. بالمختصر يجب عليهم لعب دور الإمام محمد الباقر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد