قبل اقتناء رواية «إخضاع الكلب» من إحدى المكتبات الواقعة وسط العاصمة المصرية القاهرة، كنتُ أتحدث مع زميلين اثنين حديثًا قد يبدو قديمًا ومُعادًا، مُلخصه أنّ العاقل الآن عليه «ترويض» الحياة التي صارت تضجُ بالأزمات؛ أمراض، أوبئة، انتكاسات، وكل صنوف ووقائع الخذلان في كل قريبٍ أو صديقٍ، وبعدها بيومين أيضًا شاهدت منشورًا على صفحة إحدى الزميلات عليه عبارة موجزة هي: «الحياة مشروع مقاومة».

بالطبع لم أكن أعلم أنني مقبلٌ على قراءة عملٍ قد يبدو قريبًا لي من تلك النظرة أو الحديث – أو هكذا أحسست أثناء قراءة تلك الرواية – هنا يبدو المصور هارون عبد الرحيم بطل رواية «إخضاع الكلب» للكاتب والصحافي المصري أحمد الفخراني، محاطًا بضغوطٍ عنيفةٍ طوال أحداث الرواية؛ بدايةً من اعتقاده خيانة زوجته له السيدة الألمانية «باربرا» مع صديقه سمير الضميراني، ثم هروب تلك السيدة التي صارت طليقته إلى ألمانيا بصحبة طفلها «آدم»، مرورًا بهروبه هو نفسه إلى «دهب» تلك المدينة القليلة السكان والمساحة في جنوب سيناء، بحثًا عن نسيانٍ كاملٍ ونهائي لتلك الوقائع الحزينة.

في «دهب» يعيش المصور هارون عبد الرحيم مطاردًا من تلاحق الصور والأحداث القريبة القاسية، مقاومًا غواية الانتحار، في الوقت نفسه يدخن بشراهةٍ، يهمل في أدوية الضغط والسكر والكوليسترول، ولا ينتظم في تناول الوجبات، كخطةٍ وضعها تساعده ألاّ يعيش طويلًا.

لكنّه وسط محاولاته للعزلة عن المجتمع والعيش من عائد عمله في القاهرة وميراث والدته الذي باعه، يجد نفسه متورطًا مع «كلبٍ» تُطلق عليه صاحبته اسم «ونيس»، وعلى الرغم من كراهيته الشديدة والعمياء للكلاب، إلا أنّه يبدأ في «ترويضه» لدرجة أنه يقرأ عن ذلك النوع من الحيوانات، يشاهد فيديوهاتٍ عنها، يُعالجه، تصير علاقته معه إعلانًا مدوٍّ للحب حتى محاولات التخلص منه لاحقًا تفشل.. هل الإنسان مُطالبٌ أن يفعل ذلك مع الحياة كلما ضغطت عليه؟

لا تضج الرواية بشخصياتٍ أو أحداثٍ كثيرة؛ لكنها تركز على الصراع النفسي للبطل، هذا الذي كان طموحه عظيمًا عندما كان يعمل مصورًا تابعًا لمنظمةٍ عالميةٍ وحقق شهرةً ومالًا بعد تصويره الجانب الكرنفالي لـ«ثورة يناير»، يسافر حاصدًا الجوائز والتكريمات، وفي ألمانيا يقابل «باربرا» تلك السيدة الجميلة التي يتزوجها وينجب منها طفلًا يتحول فى النهاية إلى شبحٍ هو الآخر بعد أن يشك بطل الرواية في أبوته، بل إنّ كل شيء يصير شبحًا.

لم أقرأ عن ثورة 25 يناير في الرواية إلاّ في تلك السطور القليلة التي كانت تُقدم لجزءٍ سابقٍ من حياة البطل، لا أنكر أنّ هناك ربطًا تسلل إلى فكري سريعًا وتلقائيًّا بين الانتعاشة الحياتية والطفرة المهنية والشهرة التي حققها بطل الرواية من حدثٍ متعلقٍ بثورةٍ عظيمةٍ مثل «25 يناير 2011»، وبين ما يحدث لـ«البطل/الثورة» فيما بعد من انتكاسةٍ على جميع المستويات؛ بسبب فعل خيانة مبادئ الثورة أيضًا من أطراف سياسيةٍ، وما كانت تدعو إليه تلك الثورة من عيشٍ، وحريةٍ، وعدالة اجتماعيةٍ.

أثناء قراءة الرواية، يحضر العنصر النسائي بقوةٍ في الرواية، لكنني أحسست أنهنّ يتآمرنّ على بطل الرواية المصور هارون عبد الرحيم، باستثناء والدته التي لا تظهر في الأحداث، لكنه يعيش من ميراثها الذي باعه؛ هنا نجد الزوجة التي خانته كما يعتقد البطل، وكانت سببًا في هروبه وعزلته، مرورًا بـ«أسما» التي تفلت هي الأخرى لفترةٍ بعد أن تسرق منه مبلغًا ماليًا وتتركه بصحبة «كلبٍ»، وكذلك زوجة «الطيب» التي تريد الإيقاع به في فخ علاقةٍ جنسيةٍ عابرةٍ، وابتزازه هي وزوجها، يرفض البطل في المرة الأولى، ولكن عندما يستجيب في المرة الثانية، تنهره وتصفعه، فضلًا عن جارته الريفية.

أعتقد أنّ كثيرين لن تروق لهم نهاية الرواية؛ ثمة شخصيات بتلك الرواية أعتقد أنها كانت تحتمل مساحةً أكبر، وتشريحًا أعمق لنفسياتها وأفعالها، مثل شخصية «أسما» أو حتى «الطيب» وزوجته، أو سمير الضمراني الذي لا نعرف لماذا اندفع ليتلاعب بمشاعر صديقه هارون عبد الرحيم، لتحطيمه من الداخل؟

رواية «إخضاع الكلب» صادرة عن دار الشروق في 154 صفحة، الطبعة الأولى 2021 بغلافٍ متميزٍ ومعبرٍ جدًا لـ«محمود عبده»، وهي العمل الثالث الذي أقرأه للكاتب والصحافي المصري أحمد الفخراني بعد كتابه «في كل قلب حكاية»، ورواية «بياصة الشوام» التي حصل بها الكاتب مؤخرًا على جائزة ساويرس فرع شباب الأدباء، وهذه الجائزة وفقًا لما يذكره موقع المؤسسة المانحة، (تأتي ضمن مجموعة جوائز أخرى تقدمها مؤسسة ساويرس التي بدأت منذ عام 2005 في تنظيم مسابقة لاختيار أفضل الأعمال الأدبية المتميزة لكبار وشباب الأدباء والكتاب المصريين في مجالات الرواية، والمجموعات القصصية، بهدف تشجيع الإبداع الفني لديهم وإلقاء الضوء على المواهب الجديدة الواعدة).

درس «الفخراني» الصيدلة، وعمل في عدة تجارب صحافية مصرية شهيرة مثل «المصري اليوم» و«الشروق»، كما نشر مقالات في جرائد عربية، وفاز بجائزة هاني درويش: جائزة العين المفتوحة 2013 التابعة لموقع مراسلون الألماني فئة أفضل مقال، وفازت روايته «ماندورلا» بجائزة ساويرس عام 2016، المركز الثاني.

صدر له ديوان «ديكورات بسيطة» عام 2007، ثم «في كل قلب حكاية» عن دار العين عام 2009، والمجموعة القصصية «مملكة من عصير التفاح» عام 2011، عن دار نهضة مصر، ثم رواية «ماندورلا» عن دار العين عام 2013، ورواية «سيرة سيد الباشا» عن دار بيت الياسمين عام 2016، ورواية «عائلة جادو» عن دار العين في عام 2017.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد