(ب)

 

الجمعة 28 يناير 2011 جمعة الغضب

 

مع غروب الشمس ، وحوالى الساعة السادسة مساء، فوجىء المتظاهرون بنزول دبابات الجيش المصري إلى شوارع القاهرة معلنة سيطرتها على المشهد ، وسط تهليل وترحيب من المتظاهرين الذين بدأوا هتافهم “الجيش والشعب يد واحدة” ، وتسابق الجميع فى تحيتهم وتقبيلهم ، بل التقاط الصور بجانب الدبابات ، نتيجة للتقدير والمكانة التى يحظى بها الجيش لدى الشارع المصرى منذ سنوات .

 

 

و قامت المحطات التليفزيونية والتليفزيون الرسمي للبلاد بنقل أول صور مدرعات الجيش فى شوارع القاهرة ، ثم أعلن التليفزيون قرار رئيس الجمهورية باعتباره الحاكم العسكرى للبلاد : بفرض حظر التجوال فى محافظات القاهرة الكبرى والاسكندرية والسويس من السادسة مساء إلى السابعة صباحاً اعتباراً من يوم الجمعة الثامن والعشرين من يناير وحتى إشعار آخر .

 

 

كما أصدر الحاكم العسكرى قراراً بأن تقوم القوات المسلحة بالتعاون مع جهاز الشرطة (الذى اختفى تماماً) ؛ لتنفيذ هذا القرار والحفاظ على الأمن وتأمين المرافق العامة و الممتلكات الخاصة ،

 

 

 

 

وتمركزت قوة من أربع دبابات من الحرس الجمهورى أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون لتأمينه

 

 

 

 

عندما نزلت أولى مدرعات الجيش للشارع عند بداية كوبرى قصر النيل ، سارع المتظاهرون بالهتاف للجيش والتعلق بالمدرعات ؛ ظناً منهم أن الجيش قد أتى ليحميهم من قوات الأمن المركزي !

 

 

وبينما كان المتظاهرون فى غمار فرحتهم ، فإذا بمدرعات الجيش تتجه مباشرة ناحية قوات الأمن المركزي ، مما دفع بالمتظاهرين الذين تعلقوا بالمدرعة إلى النزول من على ظهرها فوراً والعودة مسرعين ناحية المتظاهرين بعدما أيقنوا أن تلك المدرعات أتت لتمد قوات الأمن المركزي بالسلاح .

 

 

وهنا صاح المتظاهرون صيحات مملوءة غضبا وألما و أسىً “خلاص ، خلاص ، الجيش معاهم ، الجيش معاهم يا جماعة ، الجيش مش معانا يا عم” ، فى نفس الوقت تقريباً ، بدأت قوات الشرطة المتمركزة بجوار مجلسي الشعب والشورى  تنفد ذخيرتها ، وتوقفت عن إطلاق الرصاص ، وبعد دقائق رأى المتظاهرون سيارات الشرطة العسكرية التابعة للجيش تخترقهم وتعبر لقوات الشرطة المحاصرة ثم تعود مرة أخرى .

 

 

وبعد رحيل سيارات الشرطة العسكرية بدأت قوات الشرطة فى إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين من جديد ، وهكذا تكرر مشهد مرور سيارات الشرطة العسكرية بين المتظاهرين وإمداد الشرطة بالذخيرة الحية فى مناطق متعددة فى محيط ميدان التحرير ،

 

 

 

 

 

 

وهنا أدرك بعض المتظاهرين أن الجيش ليس فى صفهم ، وأنه هو الذى كان يمد الشرطة بالذخيرة ، فأحرق المتظاهرون الغاضبون سيارتين جيب تابعتين للشرطة العسكرية ، ومدرعة تابعة لسلاح المدرعات ، وتمكنوا من الاستيلاء على 4 دبابات ، ولم ينس المتظاهرون فى فورة غضبهم إثبات سيطرتهم على الدبابات بكتابة عبارات “يسقط مبارك” بالاسبراى الأسود!

 

 

 

لاحقاً وفى لقاء قادة للمجلس العسكرى مع د. رفعت السعيد ، بعد خلع مبارك بنحو 4 أو 5 أيام ، في فندق تريومف بشارع الخليفة المأمون ، قال السعيد لأحد أعضاء المجلس العسكري : “أنتم جيش منضبط ، فما معنى أن يكون مبارك جالسا في بيته وهو لم يزل رئيسا للجمهورية ، وتسمحون بمرور دبابة أمام كاميرات التليفزيون مكتوب عليها يسقط مبارك، تمر هذه الدبابة بهذه اللافتة ، فمن كان يقف وراء المكتوب عليها ، وهل كان ذلك دون إذن من قادة الجيش، مثلا؟”

 

 

 

كان السؤال يحمل فى طياته معنى واحد ، أن الجيش القوى لا يستطيع حماية دباباته من أفراد الشعب الغير المسلح ، حتى من تشويهها ، فأجاب العضو العسكري البارز قائلا : “نحن مَنْ كتبها ، هذه رسالة للعالم ، ولك، ولـ 25 يناير ، ولمبارك نفسه ، رسالة لمبارك بأن الجيش لم يعد معه” ، وبالطبع لم تكن الاجابة منطقية ، وإنما كانت مجرد محاولة بائسة من عضو المجلس العسكرى لحفظ ماء الوجهه بعد أن أحرجه سؤال السعيد.

 

 

لاحقاً شهد أسامة السيد عبدالعال المدير التنفيذى لمجمع التحرير أمام النيابة ، أنه فى اليوم التالي لأحداث جمعة الغضب ، وتحديداً يوم 29 يناير ، قامت عناصر من القوات المسلحة بكسر غرفة المراقبة بالطابق الأول بمجمع التحرير والتى تحوي شاشات عرض للكاميرات الست التي تغطي خارج المجمع ،

 

 

 

 

 

وقام المقدم أحمد كمال من سلاح الإشارة بنقل كاميرات المجمع لمقر المجلس العسكري ، وفى يوم 2 فبراير 2011 حضر ضباط آخرون من الجيش واكتفوا تلك المرة بالحصول على نسخة من كافة ما سجلته الكاميرات الخارجية لمجمع التحرير فى الفترة السابقة ، وأرسلوها للفرقة رقم 66 بالجيش .

 

 

 

 

 

 

 
بحلول مساء الجمعة ساد القاهرة حالة من الانفلات الأمنى لم يسبق لها مثيل ، بعد اختفاء الشرطة من الشوارع والأقسام ، وتم اقتحام المقر الرئيسي للحزب الوطني على كورنيش النيل بالقرب من ميدان  التحرير من قبل أشخاص يجتاحهم غضب عارم ، وغادروه محملين بالسجاجيد والمقاعد الوثيرة وأجهزة الكومبيوتر ، وبعد قليل كانت النيران تلتهم مقر الحزب بالكامل وألسنة الدخان تخرج من منافذه تشق عنان السماء وكأنها تشارك الثوار ثورتهم فى الأيام السابقة .

 

 

كان أحمد عز قد توجه لمبنى الحزب ، وقام بعملية إخلاء وتفريغ لكافة المستندات ، وللمواد الموجودة على أجهزة الكمبيوتر تحسباً لما يمكن أن يحدث ، وظلت ألسنة اللهب والدخان تتصاعد من مقر الحزب دون أن يحاول أحد إطفاءها ، ودون أن تجرؤ عربات الإطفاء على الاقتراب منه لإطفائه ، وكأن مقر الحزب قد استسلم لمصيره المظلم .

 

 

أتت النيران على جدران المبنى الذى ظل لسنوات جاثما بسياسته على أنفاس المصريين ، لدرجة أن الدخان المتصاعد منه كان مرئياً عن بعد ولمسافات كبيرة  ، ولم يتوقف الأمر عند العاصمة : فمقار الحزب الوطنى فى دمياط والمنصورة قد جرى تحطيمهما ، بل الأسوأ من ذلك أن مبنى المحافظة في العاصمة الثانية الاسكندرية قد اشتعل .

 

 

 

وفى ظل تصاعد حالة الانفلات الأمنى بدأ هروب المساجين من السجون المنتشرة فى جميع أنحاء الجمهورية بشكل بدا ممنهجاً ، وقالت الأرقام الرسمية إن هناك أكثر من 24 ألف مسجون جنائي قد فروا فى يوم 28 يناير والأيام التالية له ، الأمر الذى أثار حالة من الذعر فى صفوف المصريين !

 

 

 

وحتى يومنا هذا يظل السؤال حائراً بلا أجابة ، من أطلق المساجين الجنائيين وساعدهم على الفرار؟

 

 

 

أتلقى حراس السجون أوامر من العادلى أو من قيادات كبيرة فى الداخلية لتسهيل هروب السجناء لبث الذعر بين الشعب ، أم أن هناك بالفعل وحدات من حركة حماس قطعت تلك المسافات المهولة فى ساعات قليلة لتهريب بعض أفرادها المسجونين ، والذين ظهروا بالفعل في بيوتهم في فلسطين في الأيام التالية؟

 

 

 

أم أن الاعراب القاطنين بجوار معظم السجون هم الذين تولوا تهريب المساجين فى مقابل مادي أو نكاية فى الداخلية ؟

 

 

 

الإجابة لا يعرفها أحد حتى الآن!

 

 

 

و خسرت الشرطة خلال المظاهرات ما يقرب من 2000 سيارة شرطة إضافة إلى 99 قسماً للشرطة تم إشعال النيران فيها فى القاهرة وباقى المحافظات فى وقت واحد تقريباً ، و حتى الآن لا يوجد دليل ثابت على هوية مقتحمى الأقسام .

 

 

وفسر البعض تتابع عمليات الاقتحام بأن الشرطة التى بدأت بالعنف قد ضربت المتظاهرين بالرصاص الحي أمام الاقسام وهذا بالفعل مثبت من خلال فيديوهات وشهادات للضحايا ، وعليه فقد احتل المتظاهرون الأقسام وأحرقوها انتقاماً لذويهم .

 

 

وفسر البعض الآخر أنه ربما أن يكون للإخوان المسلمين يد فى إشعال فتيل عملية الاقتحام ، وهذا احتمال وارد ،  لكن المؤكد هو أن البلطجية وأصحاب السوابق وكل من له ثأر مع الشرطة وكل من تعرض للتعذيب داخل الاقسام قد استكملوا عمليات الاقتحام ؛ بدافع الانتقام من الشرطة ،

 

 

 

 

حتى أن سائق ميكروباص شارك فى عمليات الاقتحام قال فى شهادته التى نشرتها أحد المواقع : “أنا أخذت بثاري من الضباط والأمناء ، وكذا أنام وأنا مرتاح” ؛ ذلك لأن معظم أمناء الشرطة فى مصر كانوا يقومون بفرض إتاوات على السائقين وعلى الباعة الجائلين وعلى الفئات المطحونة والمهمشة عامة .

 

 

وأضاف السائق : أنه قد تعرض لإهانة منذ عامين عندما رفض أن يدفع الإتاوة لأحد الأمناء ذات مرة ، فكان مصيره الضرب والسحل فى الشارع أمام زملائه وأمام المارة ، أيضاً شارك العديد فى الاقتحام بدافع نهب الأموال والاجهزة الكهربائية والسلاح وأحراز المخدرات الموجودة داخل الأقسام ،

 

 

 

 

وشارك أقارب بعض المحتجزين فى الاقتحام لتحرير ذويهم من داخل الأقسام ، وقام أهالي المساجين بإتلاف وإحراق محاضر الشرطة والأوراق الرسمية والأدلة التى تدينهم ، ومنعوا قوات الإطفاء المدني من إطفاء الحرائق المشتعلة .

 

 

 

وقامت سرعة سريان أخبار الاقتحام وسهولته وهروب الشرطة بتشجيع الآخرين ؛ لتكرار نفس التجربة ، وتكرار عمليات الاقتحام فى جميع أنحاء الجمهورية ، وبلغت الرغبة فى الثأر أن قام الأهالى بإحضار جرافة لهدم أسوار قسم دار السلام ؛ رغبة فى إبادة القسم ومحوه من على وجه الأرض .

 

 

ولم يتوقف المقتحمون على السيطرة على أقسام الشرطة ، بل أحرقوا المنشآت التابعة لها مثل السجلات المدنية ، وإدارة المرور فى القاهرة الكبرى ، ولم تسلم محاكم ونيابات القاهرة من هجوم البلطجية والمسجلين خطر بغرض حرق السجلات التى تدينهم وملفات التهم والقضايا المسجلة عليهم ، وقامت مجموعة من البلطجية بحرق مجمع محاكم الجلاء أسفل كوبري أكتوبر الذى يضم أكثر من 14 نيابة جزئية و 14 محكمة جنح .

 

 

 

وبدأت حالة من الفوضى العارمة تعم جميع أنحاء البلاد ، وانتشرت حالات السلب والنهب لتشمل المقار الحكومية والأماكن العامة ومحطات السكك الحديدية ، والمنشآت الخاصة الشهيرة ،

 

 

 

 

 

مثل : المجمع التجاري “أركاديا مول” المطل على نيل القاهرة ، والذى تم نهبه وحرقه تماماً من قبل الغوغاء ، وكارفور المعادي الذى تم نهبه تماماً ، وانتشر فى شوارع المعادي باعة جائلون يبيعون حواسب محمولة مسروقة من ماركة Apple الشهيرة التى يصل سعرها إلى آلاف الجنيهات بسعر 300 جنيه مصري ،

 

 

 

 

 

أيضاً تم نهب محلات الذهب والألماس المنتشرة فى المول التجاري الشهير “سيتى ستارز” بمصر الجديدة ، وتوالت الاتصالات والاستغاثات من الأهالى تفيد بتعرضهم لنهب وأعمال بلطجة ، وبالفعل فإن بعض المناطق المتطرفة فى أنحاء القاهرة قد تعرضت بالفعل لأعمال سلب ونهب حقيقية ،

 

 

 

 

 

 

لكن الأكثرية من تلك الاستغاثات كانت مكالمات ملفقة ومرتبة لبث الرعب فى قلوب المشاهدين وقلوب الشعب ؛ لحثهم على العدول عن إكمال الثورة ضد النظام .

 

 

 

وخرج الاعلامى طارق علام على الهواء مباشرة على شاشة التليفزيون المصري ، و أخذ يذرف الدموع وهو يروى ما يحدث فى الشارع ، وصرخ باكياً : إن مصر تنهار ، وإن هناك 60 حالة اغتصاب وحالات اعتداء على المنازل وهو ما ثبت عدم صحته بعد ذلك .

 

 

 

 

وقبل هبوط ليل القاهرة الثقيل الطويل بدأت فكرة إنشاء لجان شعبية لحماية البيوت والشوارع من هجوم الهاربين والفارين من السجون ، وهي تجمعات من الشباب والرجال المسلحين بالأسلحة البدائية من السكاكين والهراوات الخشبية ، وموزعين بانتظام على بدايات ونهايات الشوارع التى وضعت فى أطرافها المتاريس البدائية المصنوعة من صفائح القمامة الكبيرة الحجم وجذوع الأشجار .

 

 

 

 

وامتدت محاولات النهب حتى وصلت للمتحف المصرى الذى اقتحمه الغوغاء ، بينما سارع المتظاهرون إلى حمايته ، قبل أن يظهر المخرج خالد يوسف على قناة العربية الفضائية مستنجداً بقوات الجيش لإنقاذ المتحف من لصوص الآثار وقد ملأت الدموع عينيه ،

 

 

 

 

وبالفعل استجابت وحدة من القوات الخاصة بالجيش المصرى سريعاً ، لكن بالفعل كان هناك قطع أثرية لا تقدر بثمن قد نهبت أو تعرضت لأذى من جراء هذا الاقتحام ومن جراء مطاردة المقتحمين داخل ردهات المتحف
.

 

 

 

فى نفس الوقت كان رئيس أركان حرب الجيش المصرى الفريق سامى عنان فى الولايات المتحدة الأمريكية ، ليؤكد ولاء الجيش المصري لمبارك ، وأن الجيش المصرى لن يتخلى عن مبارك كما فعل الجيش التونسى ،

 

 

 

 

 

 

وأورد موقع www.stratfor.com الإخبارى الأمريكي يوم 25 يناير 2011 فى تقريره عن الثورة المصرية “أنها ليست مصادفة وجود رئيس أركان الجيش المصري فى واشنطن الآن ؛ ليؤكد للولايات المتحدة الأمريكية أن الجيش المصري لن يتخلى عن مبارك مثلما فعل الجيش التونسي مع ابن علي” .

 

 

 

و فى الولايات المتحدة عقد أوباما اجتماعا طارئا لمجلس الأمن الأمريكى ؛ لمتابعة آخر التطورات فى مصر ، ثم صرح أوباما بعدها  “أن ما يريده المصريون هو نفس ما تريده واشنطن : حياة أفضل وحكومة عادلة ومسئولة”.

 

 

 

يظل السؤال الأهم ، لماذا يتدخل الجيش – أى جيش – فى السياسة ؟
هناك نظرية جاهزة دائماً لتفسير تدخل الجيش فى السياسة ، هى نظرة المسلك الطبيعي كما صاغها “ألكسندر روستو” أستاذ العلوم السياسية الألماني المولد ، فالبيان رقم (1) لأي أنقلاب ، يتضمن دائماً أن هذا الانقلاب هو “المسلك الطبيعى” لكى يتدخل جيش البلاد ؛ لوضع حد نهائي للفوضى الاجتماعية والسياسية .

 

 

و هنا ، تندرج تحت نظرية المسلك الطبيعى ثلاثة افتراضات:

 

 

 

 

 

الافتراض الأول : هو وجود أزمة انتقال لا يمكن تخطيها ، إلا عن طريق الانقلاب لتغيير البناء الاجتماعى والنظام السياسي . و يتضمن الافتراض الثاني : أنه ليست هناك قوة قادرة على إحداث التغيير المطلوب باستثناء الجيش . أما الافتراض الثالث : فمفاده أن الجيش لديه القدرة على إحداث التغيير ، وبمعنى ما ، فإن الجيش يتدخل فى ظروف معينة ، مثل وجود أزمة أو مأزق ، وغياب وضعف القوى الأخرى فى المجتمع التى يمكنها إحداث التغيير ، وقدرة الجيش وحده على إحداث التغيير .

 

 

 

وكما يقول “جون كامبل” الكاتب والمحرر الأمريكي : فإن الجيش يتحرك عادة للسيطرة على الحكم عندما تصبح قوة سياسية ضاربة تطغى على المؤسسات الأخرى .

 

 

بيد أن تدخل الجيش ومستوى تدخله (الحكم المباشر ، الوصاية ، الدور السياسي) أمر يرتبط بعلاقة الجيش بالمجتمع والدولة.
ما حدث فى هذا اليوم كان يستدعي أن يخرج مبارك على الفور ليتحدث للشعب ، لكن كان هناك وجهة نظر أخرى تقول : إن الرئيس لا ينبغى أن يظهر الآن طبقاً لقاعدة الشطرنج الشهيرة التى تقول : إن الملك لا يتحرك الا عند اقتراب النهاية ، لذا فظهور مبارك الآن سيعطى الإحساس بجلل وأهمية ما يحدث ، وسيؤكد اقتراب النهاية مما سيشجع الجميع على الاستمرار والصبر ،

 

 

 

 

 

 

لكن فى النهاية ، لم يجد مبارك بداً من أن يتحدث إلى الشعب ، وأعلنت وسائل الاعلام عن خطاب منتظر لمبارك ، وقبل منتصف الليل كان الجميع بمن فيهم من المتظاهرين المعتصمين فى ميدان التحرير في انتظار خطاب مبارك المزمع.

 

 

 

كان خطاب مبارك  الذى أعلن عنه رئيس مجلس الشعب فتحى سرور على التليفزيون المصرى قد تأخر كثيراً ، و طال انتظار المصريين إلى ما بعد منتصف ليلة السبت .

 

 

وأخيراً خرج مبارك ليلقي بخطاب للأمة متأخراً ، كعادته فى الاستجابة البطيئة ! أطل مبارك على المصريين الغاضبين بوجه شمعى بلاستيكى جامد وشعر يبدو من شدة سواده أنه مصبوغ لتوه ، ليدلي بخطاب ممتلئ بالتعبيرات المتكررة التى طالما سمعها المصريون على مدار ثلاثين عاماً وملوا من ترديدها مرة أخرى ؛ ليؤكد مدى انعزاله عن الشعب وعن الأحداث الحالية ، وأدان مبارك المتظاهرين لتهديدهم أمن البلاد ثم حاول تهدئتهم ،

 

 

 

 

وقال : إنه طلب من حكومة أحمد نظيف أن تتقدم باستقالتها اليوم ، وسوف يكلف الحكومة الجديدة برئاسة وزير الطيران المدنى أحمد شفيق اعتباراً من الغد بتكليفات محددة للتعامل مع أولويات المرحلة الراهنة .

 

 

وأعلن فى خطابه تعيين اللواء عمر سليمان رئيس المخابرات العامة نائباً لرئيس الجمهورية بعد ثلاثين عاماً من رفض تعيين نائب له بدون أسباب مقنعة ، وما أن انتهى خطاب حسني مبارك حتى بدأت القناة الفضائية المصرية وباقى القنوات التابعة للنظام فى إذاعة أفلام تسجيلية قديمة تمجد فى مبارك ، وتذكر الشعب بإنجازاته وبكل ما قدمه للبلاد ،

 

 

 

 

 

ثم قام التليفزيون الرسمي للدولة بإعادة إذاعة حديث قديم لمبارك مع زوجته يتحدث فيه عن بداياتهما المتواضعة بغرض استدرار عطف الناس ، وهو ما أدى إلى العكس تماماً واستفز خطاب مبارك الجماهير المنهكة ، وشهد الميدان تدفقا ملحوظا من جماهير غاضبة ، لم تكن قد عرفت طريقها للميدان بعد ، متحدين حظر التجول المفروض .

 

 

 

ورفعت الجماهير الغاضبة رايات و لافتات تحمل نفس الهتاف الذى يرددونه ، “ارحل”

 

 
كان مبارك قد انتظر كثيراً فى رد فعله ، وسقف المطالب قد ارتفع بشدة خلال الأيام الماضية ولم يعد يكفي المتظاهرين الغاضبين استقالة حكومة أو تعيين نائب ، بل تحول المطلب الرئيس للشعب هو الرحيل ، وبدأ إعداد الميدان للاعتصام الكامل حتى سقوط النظام .

 

 

 

وفى اتصال تليفونى لمحمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين على قناة الجزيرة ، طالب بديع برحيل مبارك ، ثم أكد “أن أي حوار ستشارك فيه الجماعة سيكون فى إطار القوى الوطنية ولكن بعد رحيل النظام ، وأن الجماعة وعناصرها لا يسعون مطلقاً للمناصب ، وليسوا بسعاة للوصول إلى كرسى الحكم”.
بعد أن قام المتظاهرون بحرق مدرعات الجيش فى منتصف اليوم ، أدركت القوات المسلحة أنها لن تستطيع أن تواجه المصريين فى حرب شوارع ، ستكون هى حتماً الطرف الخاسر فيها ، وقد يتحول الامر إلى ما يشبه الحرب الأهلية ، فبدأت القوات المسلحة فى تغيير خطابها مع المتظاهرين ، وقام ضباط الجيش بمخاطبة المتظاهرين المعتصمين وطمأنتهم ومسالمتهم!

 

 

 

 

يتبع الأسبوع القادم

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

- كتاب الثورة V.2- وائل غنيم
- كتاب سقوط فرعون - روبير سوليه - ترجمة دار الطنانى للنشر
- كتاب الجيش و الثورة - مصطفى بكرى
- يوميات تحت حكم العسكر..وقائع إنتهاكات و محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية بعد الثورة
- مركز هشام مبارك للقانون
- يوميات شعب ثائر تحت حكم العسكر - مركز النديم للعلاج و التأهيل النفسى و ضحايا العنف
- سلسلة الافلام الوثائقية : يوميات الثورة المصرية - انتاج قناة الجزيرة الوثائقية
عرض التعليقات
تحميل المزيد