توقفنا في المقالة السابقة عند قيام الاتحاد اليمني بثورة 48، والتي أسفرت عن اغتيال الإمام يحيى حميد الدين ووزيره العمري. تمكن الثوار من السيطرة على صنعاء، وبدأ توافد رجال الحركة الوطنية عليها، وتشكل مجلس الشورى والحكومة، وعُيِّن عبد الله الوزير إمامًا دستوريًّا، وأُعلن الميثاق الوطني والدستور.

تمكن الإمام أحمد ابن الإمام يحيى في هذه الأثناء من الهرب من تعز، والوصول لحجة؛ ليحشد القبائل، ويحاصر صنعاء، كما فعل والده قبل ذلك. طلب الثوار الدعم من الجامعة العربية، وحاولت الجامعة دعم الثورة اليمنية، لكن الملك عبد العزيز عرقل جهود الجامعة العربية، بل ساند الإمام أحمد في حصاره لصنعاء، أرسل الثوار محمد محمود الزبيري، والفضيل الورتلاني، ومحمد الوزير لاستعجال الدعم، لكن أيضًا جرت عرقلتهم في الرياض.

بعد ترك الثوار لمصيرهم، تمكن الإمام أحمد من دخول صنعاء والقضاء على الثورة، وأباح صنعاء للقبائل نهبًا وسلبًا.

إن ثورة 48 كانت أول محاولة لتأسيس دولة دستورية حديثة، تلغي فكرة الحاكم المقدس، كما أنها أول محاولة لليمنيين منذ قرون للمشاركة في حكم في بلادهم وعدم تسليم أمرها للهادويين.

اتبع الإمام أحمد سياسات والده القائمة على البطش والتجويع، لكن التغييرات الهائلة التي كانت تحدث في المحيط الإقليمي والدولي، جعلته أكثر انفتاحًا من أبيه؛ فسمح بفتح بعض السفارات، وأدخل بعض التحديثات لجهاز الدولة والجيش، لكن الوضع الذي وصل إليه اليمن من جراء حكم الأئمة، وما أحدثته ثورة 48 من وعي، جعلت النضال ضد الأئمة مستمرًّا.

في عام 1952، استغل المقدم أحمد الثلايا خلافًا بين بعض الجنود والمزارعين بتعز؛ لقيادة تمرد ضد الإمام أحمد، وسعى الثوار لاستبدال أخيه عبد الله به، وحاصر الجنود الإمام أحمد في قصره، تظاهر الإمام أحمد بالاستجابة لمطالبهم لكسب الوقت، حتى تمكن من حشد أنصاره وضرب الثكنات الموالية للثلايا، وألقى القبض عليه ليُعدم مع مجموعة من الثوار، وأعدم الإمام إخوته.

أدت أحداث 55 لمزيد من الانفتاح؛ إذ تحالف الإمام محمد البدر ابن أحمد مع المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. كذلك دخل الإمام أحمد في تحالفات مع عدة دول عربية، مثل الحلف الثلاثي مع مصر والسعودية، وسعى للانضمام للجمهورية العربية المتحدة.

لم تغير هذه الإجراءات من حال اليمنيين، بل شجعت الساعين منهم في التغيير على الاستمرار في سعيهم. شهدت الفترة بين 1955 حتى ثورة 1962 مجموعة من الانتفاضات ففي سنة 1959 انتفضت خولان ضد الإمام أحمد، لكن الإمام أحمد صدهم بقصفهم بالطائرات. وفي عام 1960 انتفضت قبائل حاشد لإطاحة حكم الإمام البدر في صنعاء، بعد سفر والده إلى روما أحمد للعلاج، ودخلت قبائل حاشد صنعاء، لكن البدر استطاع تهدئتها بإعلانه فساد حكم أبيه، وتشكيل مجلس نيابي برئاسة أحمد السياغي. تلا ذلك حركة الجيش برئاسة شرف المروني في صنعاء وتعز؛ مما اضطر الإمام أحمد لقطع رحلته العلاجية والعودة للحديدة، ليدخل في معارك مع قبائل حاشد انتهت بهزيمة الأخيرة وإعدام حسين الأحمر وابنه حميد، والقضاء على تمرد الجيش.

تيقن الراغبون في تغيير نظام الحكم بضرورة إزاحة الإمام أحمد بالقوة، كما فعلوا مع والده، وتشكل هذه المرة تنظيم سري في الجيش النظامي، تأسِّيًا بتنظيم الضباط الأحرار في مصر، يسعى لإسقاط الإمام أحمد.

جدير بالذكر أن الإمام أحمد اضطر تحت تزايد التذمر ومطالبات الإصلاح والمطامع الخارجية، لتحديث الجيش النظامي، فافتتح مثلًا المدارس الحربية، وعقد صفقات أسلحة، واستجلب عسكريين من مصر لتدريب الجنود اليمنيين، لكن الجيش القبلي ظل القوة الموثوق بها التي يعتمد عليها الأئمة، وهو ما يعني وجود قوتين عسكريتين في البلد، إحداهما تعادي حكم الأئمة، والأخرى موالية لهم.

جرت محاولة اغتيال الإمام أحمد أثناء زيارة لأحد مستشفيات الحديدة، حيث قام الملازم العلفي والهندوانة والفقيه بإطلاق الرصاص عليه وعلى مرافقيه، لم يمت الإمام أحمد مباشرةً من جراء محاولة الاغتيال، لكنه أصيب، أما المنفذون فقد لقوا حتفهم بعد ذلك، فقد انتحر العلفي، وأُعدم الفقيه والهندوانة.

في أغسطس (آب) 1962 خرجت مظاهرات حاشدة في صنعاء ضد حكم الإمام أحمد، وحاول البدر تهدئتها، لكن والده أمر بقمعها واعتقال قياداتها، وخرجت بعد ذلك بأيام مظاهرة طلابية مماثلة في تعز، واعتصم المتظاهرون في المدارس؛ فحوصروا وقطع الماء والطعام عنهم لأيام، حتى تدخل القاضي الأرياني ففك الحصار، لكن قوات الإمام اعتقلت الكثير من الطلاب.

 في 19 سبتمر (أيلول) 1962 توفي الامام أحمد متأثرًا بجراحه، وتولى الحكم بعده ابنه البدر.

إن موت الإمام أحمد، وقبله والده يحيى، لم يغير كثيرًا في طريقة الأئمة في الحكم، فها هو البدر يتعهد بأن يسلك نهج والده في الحكم القائم على البطش والتنكيل باليمنيين. وعجَّل تنظيم الضباط الأحرار في خططه، وكانت ساعة الصفر للتحرك هي منتصف ليل يوم الخامس والعشرين من سبتمبر 1962. تحركت مجموعة من قوات الجيش إلى قصر البشائر الذي يسكنه الإمام، ونسفته بالدبابات والعربات المصفحة، كما سيطرت مجموعات أخرى على أهم مراكز الدولة والإذاعة، وألقت القبض على الأسرة الحاكمة.

وفي صباح 26 سبتمبر 1962 أعلن قيام الجمهورية العربية اليمنية، وإنهاء الحكم الإمامي في اليمن، لكن الإمام البدر تمكن من الهرب في ظروف غامضة إلى المملكة العربية السعودية.

كانت جمهورية مصر العربية أول دولة تعترف بالجمهورية الجديدة، وكانت الداعم الأكبر لها، كذلك اعترف بها الاتحاد السوفيتي، بينما قررت دول أخرى مثل السعودية، والولايات المتحدة، وبريطانيا عدم الاعتراف بالثورة ودعم الملكية، وهو ما أدى لنشوب الحرب الأهلية 62- 68.

تمكن الإمام البدر من حشد العديد من قبائل شمال الشمال ضد الثورة، وحصل على الدعم من السعودية، وبريطانيا، وأمريكا ليحارب الجمهوريين، في المقابل دعمت مصر الجمهورية، وأرسلت على مدى الخمس سنين الأولى من الحرب قرابة 70 ألف جندي لمساندة الجمهوريين، وقتل منهم الآلاف حتى عرفت حرب اليمن بفيتنام مصر.

أدى تدخل الأطراف الجانبية في الحرب الأهلية لتعقيد الوضع كثيرًا، فبالإضافة للصراع بين الجمهوريين والملكيين، أصبحت هنالك صراعات إقليمية، كالصراع بين الدول الملكية كالسعودية، والأردن، وإيران، والدول الجمهورية ممثلةً بمصر وسوريا، والصراع بين الاشتراكية والرأسمالية، بالإضافة إلى خوف بريطانيا من انتقال عدوى الثورة لجنوب اليمن، وهو ما حدث بقيام ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 63، وتحرير جنوب اليمن نوفمبر (تشرين الثاني) 67.

في سنة 1967 اضطرت مصر للانسحاب من اليمن بعد نكستها أمام الكيان الصهيوني، لكنها استمرت في دعم الثورة، كما دخلت الجمهورية في صراعات داخلية كعزل المشير السلال.

تمكن الملكيون في هذه الظروف من التوسع نحو صنعاء، وفرضوا عليها الحصار فيما عرف بحصار السبعين.

انتهت الحرب عام 1968 بعد تمكُن الجمهوريين من فك الحصار عن صنعاء وهزيمة الملكيين، وعُقدت اتفاقية حرض التي اعترف بموجبها أنصار الإمامة بالجمهورية، بينما فرت أسرة حميد الدين خارج اليمن.

ظن اليمنيون أن هذه الأحداث هي الفصل الأخير في حكاية الإمامة في اليمن، لكن تبين بعد عقود أن الحكاية لم تنته، وأنه ما زال لها فصول أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد