توقفنا في المقالة السابقة عند أحداث ثورة سبتمبر (أيلول) 62 ضد المملكة المتوكلية، وإمامها محمد البدر، والحرب الأهلية التي تلتها بين الجمهوريين والملكيين. انتهت الحرب الأهلية عام 1968 بانتصار الجمهوريين وتوقيع اتفاقية حرض، والتي اعترف الهاشميون أو تظاهروا بالاعتراف بموجبها بالجمهورية.

مثلت ثورة سبتمر نهاية لحقبة خروج مدعٍ للإمامة في اليمن، لكن هذا لم يعنِ نهاية حكاية الإمامة في اليمن؛ فقد تبين لليمنيين بعد عقود أن الاعتقاد بأن فكرة الإمامة في اليمن قد انتهت اعتقاد خاطئ. لم تعد الإمامة إلى اليمن بالهيئة التقليدية نفسها التي عرفها اليمنيون عبر تاريخهم، والمتمثلة بخروج أدعياء الإمامة ومحاولتهم السيطرة على الحكم في البلد، فقد احتاجت الإمامة بعد الثورة للعمل تحت مظلة الجمهورية، وتولت جماعة الحوثي مهمة إعادة الفكر الهادوي لحكم اليمن.
مرت جماعة الحوثي بعدة مراحل قبل وصولها للشكل الحالي الذي يسيطر على أجزاء كبيرة من اليمن كسلطة أمر واقع.

كان أول ظهور لجماعة الحوثي سنة 1968 تحت مسمى اتحاد الشباب المؤمن، وكان الهدف المعلن للاتحاد هو تدريس شباب الطائفة الزيدية المذهب الزيدي. أنشأ هذا الاتحاد ثلاثة من علماء المذهب الزيدي، وهم صلاح أحمد فليته، ومجد الدين المؤيدي وأهمهم بدر الدين الحوثي. يعود نسب بدر الدين الحوثي حسب مواقع الزيدية إلى أسرة القاسم الهاشمية، والتي احتكرت الإمامة في اليمن منذ عهد المتوكل إسماعيل. درس بدر الدين الحوثي بنجران وإيران، ويُعد من أبرز علماء الزيدية. بعد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 سُمح بالتعددية السياسية وتأسست مجموعة من الأحزاب، ومنها حزب الحق ممثلًا للطائفة الزيدية.

لم تتفق أهداف الحوثي مع رؤية حزب الحق كليًّا؛ فجعل بدر الدين الحوثي سنة 1992 منتدى الشباب المؤمن حركة سياسية، وأصبح اسمها تنظيم الشباب المؤمن. ازداد نشاط الحركة بعد هذا بقيادة حسين بدر الدين الحوثي، لكن التنظيم الجديد لاقى معارضة من فليته والمؤيدي، وانشقوا عن التنظيم، متهمين الحوثي بالحياد عن المذهب الزيدي، وباعتناق المذهب الثانى عشري، والارتباط بإيران.

 بعد أحداث سبتمبر 2001، سعى نظام علي عبد الله صالح إلى دعم الزيدية ممثلةً بالحركة الحوثية لمنافسة القوى الدينية السنية، كالإخوان المسلمين والسلفيين. تم دعم الحوثي لدخول العملية السياسية وأصبح حسين الحوثي نائبًا في البرلمان اليمني. بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003 ميلادية، قدم الحوثي نفسه على الساحة اليمنية الزيدية في صعدة شمال اليمن – معقل الإمامة التاريخي – مدافعًا عن القضية الفلسطينية، ومعاديًا لأمريكا وهو ما يعبر عنه في صرخته التي بدأ أنصاره بترديدها سنة 2004.

تمكنت الحركة الحوثية، كحركة سياسية، من حشد الكثير من الأنصار بين قبائل صعدة لعدة أسباب، منها سخط أبناء هذه المناطق على الحكومة لإهمالها مناطقهم، وكذلك لكون هذه القبائل القاعدة التاريخية لفكرة الإمامة، والتي يمثل الحوثي امتدادًا لها، ولكون خطاب معاداة إسرائيل وأمريكا من أفضل الطرق لحشد الأنصار في الدول العربية.

 في سنة 2004 ميلادية، وبعد انتهاء صالح من أداء صلاة الجمعة بأحد مساجد صعدة، ردد كثير من المصلين الصرخة الحوثية، وكان هذا الشرارة الأولى للصراع بين الطرفين؛ إذ عد هذا تحديًا لنظام صالح. أصبح الحوثيون حركة مناهضة لنظام صالح، ونظمت الجماعة فعاليات ومظاهرات مناوئة له، فقرر محاربة الحوثيين خصوصًا أن الدعم لهكذا تحرك متوافر، فداخليًّا تعد الحوثية امتدادًا للإمامة، ودوليًّا تتهم الجماعة بالارتباط بإيران المعادية للسعودية وأمريكا، وتبني شعارات تصنفها القوى الدولية إرهابية.

بدأ نظام صالح حملته ضد الحوثي بشن حملة اعتقالات في صفوف الحوثي، وقطع مرتبات موظفي الدولة الذين انخرطوا في المظاهرات التي نظمتها الجماعة، و مع تصاعد الصدام بين الطرفين أصدرت الحكومة مذكرة اعتقال بحق حسين الحوثي بتهمة إنشاء تنظيم مسلح، والسعي للانقلاب على الجمهورية وإعادة النظام الملكي؛ ليشتعل فتيل الحرب الأولى بين الحكومة والحوثيين في الفترة يونيو- سبتمبر 2004.

حاول النظام أولاً ضرب الحوثي بقبائل العصيمات الموالية له، لكن خطته باءت بالفشل، مما اضطره للزج بالجيش في هذه المواجهات التي انتهت بمقتل حسين الحوثي، وتولي أخيه عبد الملك قيادة الجماعة. في مارس 2005 دارت معارك بين المسلحين الحوثيين والجيش، انتهت في يونيو بإجبار الجماعة على تسليم عيضة الرزامي أحد قيادات الجماعة نفسه. اندلعت الحرب الثالثة بعد خمسة أشهر نتيجة اشتباكات بين قبائل وادعة الهمداني الموالية لصالح، وقوات الحوثي، وانتهت هذه الحرب قبل الانتخابات الرئاسية سنة 2006.

في يناير 2007 أقدم المسلحون الحوثيون على قتل مجموعة من الجنود اليمنيين؛ فشنت الحكومة حملة عسكرية عليهم انتهت بعقد هدنة بين الطرفين قضت بلجوء عبد الملك الحوثي إلى قطر وتحرير بعض سجناء الحوثي لدى الحكومة. في مارس 2008 اتهمت الحكومة اليمنية الحوثيين بالقيام بمجموعة من الأعمال الإرهابية التي أدت لقتل مجموعة من الجنود، وفُجَّر خلالها مسجد بن سلمان، ووقعت إثر ذلك مواجهات بين الحكومة ومسلحي الحوثي حتى شهر يوليو (تموز). في أغسطس (آب) 2009 شنت قوات الجيش اليمني حملة عسكرية على الحوثيين في معقلهم بصعدة أسموها عملية الأرض المحروقة.

لم تكن الحرب السادسة كسابقاتها في محدودية القتال، حيث هاجم الحوثيون الحدود السعودية، وادعوا حينها السيطرة على بعض المناطق داخل الأراضي السعودية بحجة دعم الأخيرة للجيش اليمني، مما اضطر السعودية للمشاركة في الحرب ضد الحوثي وشن غارات على مواقع مسلحي الحوثي. أما الحوثي، فقد اتهمت الحكومة إيران بمد الحوثي بالأسلحة وأعلنت ضبطها شحنات أسلحة موجهة للحوثي من إيران، وهو ما نفاه المسؤولون الإيرانيون وعدُّوه تضليلًا إعلاميًّا. لم يقتصر الصراع على هذه الأطراف؛ فقد انخرطت الولايات المتحدة في الصراع عبر سلسلة من الغارات التي قيل إنها ضد تنظيم القاعدة، بينما ادعى الحوثي مقتل بعض أفراده على إثرها. استمرت المعارك بين الطرفين حتى فبراير 2010، حين جرى الاتفاق على وقف إطلاق النار وانسحاب الحوثي من شمال صنعاء، ولقي الكثير من الطرفين ومن المدنيين حتفهم، وبذلك انتهت حقبة حروب الحوثي المتقطعة مع الدولة، لتدخل الجماعة سنة 2011 مرحلة جديدة من تاريخها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإمامة, حكاية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد