تحدثنا في المقالة السابقة عن تأسيس حركة الحوثي، ما مرت به من تحولات والحروب الستة التي خاضتها ضد الحكومة اليمنية إبان حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح. شارك الحوثيون سنة 2011 في الاحتجاجات المطالبة بإسقاط نظام صالح وتم الترحيب بهم في ساحات الاعتصام وحصلوا على فرصة للاندماج مع كافة أطياف المجتمع وتغيير الصورة التي عرفت عنهم كامتداد للإمامة والظهور بمظهر الضحية لنظام صالح الذي خلق الصراع معهم وشوه صورتهم كمعاديين للجمهورية. على الرغم من حسن النية التي تم التعامل بها مع الحركة، إلا أن الشعارات والخطاب الذي تبنته في الاحتجاجات كان مغايرًا للخطاب السائد كما أنهم في الوقت ذاته ظلوا متمسكين بسلاحهم الذي استخدموه في ظل حالة الوهن والانقسام الذي كانت تعانيه الدولة لبسط سيطرتهم على كامل محافظة صعدة.

انتهى حكم علي صالح لليمن عام 2012 بموجب اتفاقية المبادرة الخليجية ودخلت اليمن في مرحلة انتقالية. لم تشارك جماعة الحوثي في حكومة الوفاق الوطني لكنها شاركت في مؤتمر الحوار الوطني الذي جعل من قضية صعدة أحد أولوياته. وبالرغم أن الجماعة كانت تصرح بنجاعة الحوار لحل مشاكل اليمن إلا أنها استمرت في الوقت ذاته بالتمدد عسكريًا شمالًا في محافظات حجة وعمران تحت ذريعة محاربة خصومهم من حزب الإصلاح مستغلين عجز الدولة عن التصدي لهم نتيجة ضعف القيادة وتواطؤ كثير من القيادات العسكرية الموالية لصالح مع الجماعة كذلك فقد دأبت الجماعة على اعتبار أبسط هجوم عليها حيادًا عن الحوار والإجماع. كانت أحداث عمران وحصار الحوثيين للواء 310 مدرع من أبرز معارك الحوثيين فبعد عدة أسابيع من الحصار وتخلي جميع قطاعات الجيش والقيادة السياسية عن اللواء المحاصر تمكن الحوثيون من إسقاط اللواء ولم تمض أيام حتى أسقط الحوثيون كامل محافظة عمران – البوابة الشمالية للعاصمة.

في سبتمبر (أيلول) 2014 تعذر الحوثيون بقرار حكومة باسندوه برفع أسعار المشتقات النفطية لتنظيم احتجاجات في شمال صنعاء وطالبوا بإسقاط الحكومة. تحولت الاحتجاجات – كما كان مخططًا لها – لانقلاب عسكري في 21 سبتمبر حيث قام الحوثيون في هذا اليوم متذرعين بتذرعين بأن حزب الإصلاح يسعى للتصعيد ضدهم بالسيطرة على كافة مفاصل الدولة والمعسكرات الموجودة في العاصمة صنعاء. لم يجد الحوثي مقاومة فعلية حيث تم تسليم معظم المعسكرات للحوثي نتيجة تحالفهم مع صالح الذي لا زال مسيطرًا على أجزاء واسعة من الجيش وانحصرت المواجهات مع قطاعات الجيش المحسوبة على الإصلاح كالفرقة الأولى مدرع. في نفس الوقت الذي كان فيه تحالف الحوثي وصالح يسقط الدولة في صنعاء كان يوقع على اتفاقية السلم والشراكة مع الأطراف المشاركة في العملية السياسية برعاية مبعوث الأمم المتحدة لليمن. أفرزت هذه الأحداث واقعًا جديدًا على الساحة السياسية فقد أصبح تحالف الحوثي – صالح الحاكم الفعلي لليمن وأصبحت سلطة الحكومة الجديدة التي شُكلت بناءً على اتفاق السلم والشراكة بل وسلطة الرئيس هادي سلطة صورية لتغطية وشرعنة سلطة الحوثي وصالح. لم يكتف الحوثي بالسيرة على مراكز صنع القرار في صنعاء، بل استمر في مد سيطرته العسكرية على المحافظات التي كانت تسلم لهم دون مقاومة.

في يناير (كانون الثاني) 2015 تم الانتهاء من كتابة مسودة الدستور بحسب مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي رفضها بها الحوثي وصالح واعتبروا اعتمادها للحكم الفيدرالي تأسيسًا لتجزئة اليمن لذلك قاموا باختطاف رئيس لجنة صياغة الدستور أحمد عوض بن مبارك واعتبروه «توقيفًا» بغرض منع الانقلاب على اتفاق السلم والشراكة، ثم قاموا بعدها باقتحام دار الرئاسة مما دفع الرئيس ورئيس الوزراء للاستقالة. سارع الحوثي إثر ذلك لإعلان تشكيل مجلس لحكم اليمن برئاسة رئيس لجنته الثورية محمد علي الحوثي والإعلان الدستوري كما منعوا مجلس النواب من الانعقاد للبت في استقالة الرئيس للحيلولة دون تولي رئيس المجلس الموالي لصالح من تولي الرئاسة كما ينص الدستور اليمني كذلك وضعوا الرئيس المستقيل تحت الإقامة الجبرية.

تمكن هادي من الهروب من إقامته الجبرية في صنعاء وهناك أعلن سحب استقالته وبطلان كافة الإجراءات المتخذة منذ انقلاب الحوثي وقد لقي هادي تأييد المجتمع الدولي الذي أكد على أنه الرئيس الشرعي لليمن. لم يقبل الخوثي عدول عادي عن استقالته ولجأ هذه المرة للتخلص منه بالقوة، فقام بقصف القصر الرئاسي لليمن بالطائرات لاغتياله وزحفت قواتهم مدعومة بالقوات الموالية لصالح كالحرس الجمهوري والامن المركزي تجاه عدن وسيطروا على المدينة في مارس (أذار) 2015.

تمكن هادي ثانيةً من الفرار لكن هذه المرة للسعودية وفي فجر اليوم التالي ٢٥ مارس 2015 أعلن السفير السعودي في واشنطن تشكيل تحالف عربي من عشر دول بقيادة السعودية بهدف دحر الانقلاب الحوثي وإعادة السلطة الشرعية عبر عملية عسكرية سميت عاصفة الحزم. بدأ التحالف  عملياته بسلسلة من الغارات الجوية لتدمير القدرات الجوية والصاروخية للحوثي وتمكن من تحرير المحافظات الجنوبية التي دخلها الحوثيون، بالإضافة لمأرب والجوف وأجزاء من تعز، بل تمكن من السيطرة على جبال نهم المتاخمة للعاصمة صنعاء.

في سنة 2018 أعلن التحالف عن عملية عسكرية لتحرير الساحل الغربي لليمن وتمكن من إحراز تقدم في محافظة الحديدة، لكن مقاومة الحوثي ازدادت شراسة لمنع التحالف من السيطرة على مدينة الحديدة ومينائها لما تمثله من أهمية قصوى كونها المنفذ البحري الوحيد الذي تسيطر عليه الجماعة. مع اشتداد المعارك على حدود المدينة كثفت الأمم المتحدة جهودها للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار وعقدت مفاوضات في إستوكهولم، وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار في جبهة الساحل الغربي تليها مجموعة من الإجراءات لتسليم المدينة لقوات محلية وانسحاب الطرفين خارجها، لكن حتى اللحظة لم يتم تطبيق الاتفاق.

في الوقت الحاضر وبعد مرور خمس سنوات من بدء الحرب الأهلية أصبح الحوثي دولة أمر واقع في المناطق الواقعة تحت سيطرته خصوصًا بعد أحداث ديسمبر (كانون الأول) 2017 التي حاول خلالها صالح الانقلاب على الحوثي وانتهت بمقتله وتطورت قدراته العسكرية بفعل الخبرة وبفعل الدعم الإيراني له بينما تعصف بالشريعة والتحالف الصراعات الداخلية نظرًا لتضارب أجندات التحالف وأطراف الشرعية. تمكن الحوثي من تهديد العمق السعودي بالأسلحة التي طورها بدعم إيراني وعلى الأرض يخوض معارك كر وفر مع قوات الحكومة في محافظتي مأرب والجوف. بعد خمس سنين من الحرب يدرك الحوثي أنه غير قادر على السيطرة على كامل اليمن لكن لا يمكن للشرعية هزيمته وهو ما يعني أن الجماعة ستقبل في النهاية بحل سياسي ينهي الحرب ويبقيها مسيطرةً على أجزاء من اليمن وممسكةً بالكثير من عوامل القوة فيه. لا يمكن معرفة النظام السياسي الذي ستسعى الجماعة لفرضه في مناطق سيطرتها أو على اليمن إن أتيحت لها الفرصة، لكن حكايتها حتمًا فصل من فصول الإمامة في اليمن التي لا زالت مستمرة حتى يكتب اليمنيون آخرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد