توقفنا في المقالة السابقة عند وفاة مؤسس الهادوية الإمام الاول في اليمن يحيى بن الحسين الرسيّ، وتطرقنا للصراعات التي خاضها مع اليعفريين للسيطرة على صنعاء، وصراعه المذهبي مع الإسماعليين بقيادة علي بن الفضل ومنصور اليمن، مما جعل جميع جغرافيا اليمن من صنعاء لعدن منطقة صراع.

على الرغم من أن الإمام الهادي إلى الحق فشل في تأسيس دولة الخلافة التي كان يحلم بها ويحكمها سليل آل البيت، وأنه خلف دولة صغيرة في صعدة وما جاورها ذات وضع سياسي واقتصادي هش، فإن فكره ونهجه كان سببًا لصراعات دارت وما زالت تدور في اليمن.

فمثلًا، تعطي الهادوية الحق لأي شخص من البطنين – الحسن والحسين رضي الله عنهما – أن يدعي الإمامة ويخرج على الحاكم بالسيف؛ مما يعني إمكانية وجود أكثر من مدعٍ للإمامة في آن واحد. وفعلًا ادعى الإمامة أبناء الإمام يحيى بعد وفاته، ودخل أبناء الإمام يحيى الرسيّ ومن ثم أحفاده في صراعات للاستفراد بالإمامة، وكانت قبائل الشمال وقودًا لهذا الصراع. وبالإضافة إلى صراع الهادويين فيما بينهم، ظل صراعهم مع اليعفريين والإسماعليين والزيديين قائمًا.

لم تتمكن سلالة الإمام الرسيّ من حكم اليمن أو حتى أجزاء واسعة منه، وانشغلوا بالصراع الذي اشتعل بين جيل الأبناء والأحفاد، كذلك فإن مشروعهم اصطدم دائمًا بمقاومة اليمنيين كلما حاولوا التوسع، نظرًا لاستعلاء الأئمة على عامة اليمنيين وممارسات التنكيل التي انتهجوها، مثل حرق بيوت الخصوم وقطع الأشجار مما سنه الإمام يحيى الرسيّ، لكن هذا الرفض لا ينفي قدرة دعاة الإمامة دائمًا على الحصول على قبائل تناصرهم وتدفع فاتورة حروبهم.

يمكن تعليل ذلك بطموح هذه القبائل إلى الحصول على الثروة والنفوذ عبر مساندتها هذا الإمام أو ذاك. كما أن نهج الأئمة في تقديم القبائل التي تناصرهم على غيرها يجعل من السهل استمالة القبائل المتضررة لدعوة إمام آخر.

أغرت حقيقة حصول دعاة الأئمة في اليمن دائمًا على مناصرين وما تجلبه هذه المكانة لصاحبها من نفوذ وقدسية وقدرة أي شخص ينتسب إلى الحسن أو الحسين – رضي الله عنهما – بحسب الفكر الهادوي ادعاء الإمامة – أدت إلى انتقال بعض الأسر العلوية المتضررة من العباسيين والطامحة لتأسيس دولة من فارس والعراق إلى اليمن.

بالإضافة إلى سلالة الرسيّ انتقلت إلى اليمن أربع عائلات ليكون مجموع السلالات التي تدعي الإمامة حينها خمسًا، يتصارع أبناء السلالة الواحدة على الإمامة أو الحسبة، ويتصارعون مع أئمة السلالات الأخرى ومع القوى الموجودة في اليمن. قدم على اليمن القاسم بن على العياني، ثم القاسم بن الحسين الزيدي وادعيا الإمامة. كذلك أسس أبو هاشم الحسن بن عبد الرحمن وأبو الفتوح الديلمي القادم من فارس سلالتين.

دخل هؤلاء الأئمة في صراع مع جميع الدول التي حكمت اليمن وكان من أبرز هذه الدول الدولة الصليحية القوية. قاد الأئمة ثورات عديدة لإسقاط الدولة الصليحية، والاستيلاء على الحكم بحجة إعادة الحكم لأهله والخروج على الحاكم الظالم، لكن الصليحيين تمكنوا من إخماد الكثير من هذه الثورات، ونجحوا في إبقاء نفوذ الأئمة ضيقًا، بل ألقوا القبض وقتلوا العديد منهم.

لم يتسبب صراع الأئمة مع الدولة الصليحية القوية في توقف صراعاتهم الداخلية، فمثلًا، نجد أن الحسن بن الحسن الناصر ادعى الإمامة بعد أن دعا أول الأمر لأبي طالب القادم من فارس؛ مما أثار أهل صعدة عليه ليقتلوه وليشتعل صراع بين أهالي صعدة وأنصاره مسببًا خرابًا كبيرًا في صعدة.

لم يتمكن الأئمة من إسقاط الدولة الصليحية، إلا أن حركات التمرد التي قادوها لا بد أنها أنهكت الدولة، وأسهمت في إضعافها وظهور النجاحيين الذين دخلوا في صراع مع الأئمة والصليحيين في سعي من كل طرف للقضاء على الآخر والتفرد بحكم اليمن.

 استمر صراع الأئمة مع الصليحيين ومع النجاحيين وكان نتيجة استمرار الصراع أن تدهورت أحوال الناس بشدة وأدى ذلك إلى أول ثورة شاملة ضد حكم الأئمة قادها علي بن مهدي الرعيني وابنه مهدي.

تمكنت ثورة الرعيني من إسقاط دولة النجاحيين والصليحيين والقضاء على حركات مدعيّ الإمامة أو الحسبة ودانت له معظم اليمن متخذًا زبيد عاصمةً لدولته.

اضطر الأئمة تحت ضغط الثورة وتضييق الخناق عليهم للاستعانة بالخارج، إذ قام الإمام قاسم بن يحيى السليماني بدعوة الأيوبيين لدخول اليمن. وبالفعل تمكن الأيوبيون بقيادة توران شاه من هزيمة الرعيني وإسقاط دولته الوليدة، واستمروا في حكم اليمن دون وصول الأئمة إلى ما كانوا يسعون له حتى قيام الدولة الرسولية على يد رجال جيش الأيوبيين، لتبدأ مرحلة جديدة في حكاية الإمامة في اليمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد