توقفنا في المقالة السابقة بالحديث عن أول ثورة شاملة أدى إليها تدهور الأوضاع في اليمن نتيجة الصراعات التي لعب الفكر الإمامي دورًا في تأجيجها وكيف أن الأئمة بعد هزيمتهم على يد الرعيني استعانوا بالأيوبيين وأغروهم بدخول اليمن للقضاء على دولة الرعيني وهو ما تم.

ظلت اليمن تحت حكم الأيوبيين حتى قيام الدولة الرسولية في اليمن على يد عمر بن علي بن رسول – أحد رجالات جيوش الأيوبيين في اليمن.

دخل الأئمة كعادتهم في صراع مع الدولة الرسولية وحاولوا الخروج عليها للسيطرة على مقاليد الحكم، وكان أحد حججهم في تأجيج الناس على الرسوليين أن الرسوليين ليسوا يمنيين، وهو ما رد عليه الرسوليون بأن الأئمة الهادويين ليسوا يمنيين وإنما قدموا من فارس. وليست المشكلة في أصل الأيوبيين أو الأئمة أو الرسوليين، فالرسوليون أثبتوا ولاءهم لليمن، إذ أنهم أسسوا دولة قوية موحدة ومزدهرة وبرز اهتمامهم بالحركة العلمية وبناء المدارس.

أدت قوة الدولة الرسولية إلى كبت ثورات الأئمة باستثناء بعض حركات التمرد التي كانوا يقودنوها من وقت لآخر ويخمدها الرسوليون بالقوة، فمثلًا نذكر محاولة الإمام المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن القاسم التمرد على الرسوليين، حين استعان بالقبائل لشن حرب عصابات على جيوش الدولة الرسولية.

على الرغم من ضعف حركة الأئمة إبان حكم الرسوليين إلا منصب الإمام وفكرة وجود إمام ظلت مستمرة حتى وإن كانت شكلية أو لا يتعدى نفوذ صاحبها القبيلة أو المديرية.

نجح الرسوليون في تضييق الخناق على الأئمة وقلت قدرتهم على إشعال الصراعات لكنهم فشلوا في حل جذور المشكلة وهي الفكر الهادوي. لا شك أن ازدهار الدولة يمثل عائقًا أمام حركة الأئمة لكن تعامل الرسوليين بالقوة فحسب مع حركتهم لم يعالج مشكلة المعتقد الذي ترسخ في قبائل شمال الشمال-صعدة وما جاورها بقدسية الإمام واعتبار مولاة الأئمة ومشروعهم واجبًا دينيًا ونصرةً للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته أو مشكلة النعرات والثارات التي أنتجتها صراعات الأئمة بين القبائل عبر القرون، فأصبحت كل قبيلة توالي إمامًا لإضفاء شرعية دينية في صراعها مع قبيلة أخرى توالي إمامًا آخر.

كذلك فإن تبني الأئمة منهج البطش المبالغ فيه بكل من يخالفهم وإضفاء الصبغة الدينية بتكفير أعدائهم على ذلك ولد خوفًا لدى القبائل الموالية فمثلًا يعتبر الإمام عبد الله بن حمزة من أكثر الأئمة في عهد الرسوليين بطشًا حيث يذكر عنه أنه أثار القبائل على قبيلة همدان ليفرط في قتلهم.

ورثت الدولة الطاهرية الدولة الرسولية بعد سقوطها، والطاهريون يمنيون من الضالع اتخذوا من عدن عاصمة لدولتهم، وتمكنوا من حكم كامل اليمن في أول عهدهم الذي اتسم بالرخاء والازدهار.

اصطدمت الدولة الطاهرية كجميع الدول التي سبقتها في اليمن بمشروع الإمامة، حيث خرج على الطاهريين ثمانية أئمة حاولوا منازعة الطاهريين في حكم اليمن أو حتى بعض مناطقها وتحارب بعضهم فيما بينهم كحال أجدادهم.

أدى فشل الأئمة في هزيمة الطاهريين إلى استعانتهم بقوى أجنبية للمرة الثانية، حيث عمل الإمام المتوكل على الله شرف الدين بن أحمد بن يحيى بن شمس الدين على إغراء المماليك لدخول اليمن بتدبير مكيدة بين قوات المماليك في جزيرة كمران أثناء ملاحقتهم البرتغالين بقيادة حسين بك والطاهريين.

تمكن المماليك بما امتلكوه من تفوق عسكري على الطاهريين وامتلاكهم البنادق من هزيمة الطاهريين لكن في الوقت الذي كان المماليك يحققون الانتصارات في اليمن، كانت القاهرة عاصمة دولتهم تسقط بيد العثمانيين.

دفع دخول سليم الأول مصر الإمام شرف الدين للانقلاب على المماليك واضطرهم للخروج من صنعاء، وبهذا أصبح جنوب اليمن حتى تعز وإب ورداع تحت حكم الطاهريين وشماله تحت حكم الإمام المطهر ابن المتوكل شرف الدين.

يعتبر الإمام المطهر من أكثر الأئمة بطشًا وعرف عنه ارتكابه للمجازر في صراعاته مع مدعي الأئمة والمماليك والطاهريين.

أدرك العثمانيون أهمية موقعة اليمن، خاصة في حروبهم مع البرتغاليين، لذلك توجهوا نحوه ودخلوه للمرة الأولى عام 945 هجرية. كان المطهر يحارب العثمانيين تارة ويهادنهم تارة، وبعد وفاة المطهر سنة 980 هجرية، دخل أبناء المطهر في صراع فيما بينهم البين على الإمامة كلًا متحصنًا بقبيلة أو قرية، حتى تمكن الوزير العثماني حسن باشا من هزيمتهم ونفيهم إلى الأستانة ليموتوا هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد