توقفنا في المقالة السابقة عند وفاة أبناء الإمام المطهر في الأستانة بعد أن تمكن الوزير العثماني حسن باشا من القبض عليهم.

عمل الأئمة على تأليب اليمنيين على العثمانيين وممارساتهم وهو ما يبرر جزئيًا عدم استقرار حكم العثمانيين في اليمن كباقي الدول العربية وعداء اليمنيين للعثمانيين أكثر من باقي الشعوب العربية حينها.

ادعى الإمامة إبان الحكم العثماني الأول لليمن الإمام القاسم بن محمد بن علي بن محمد بن علي بن الرشيد، وبعيدًا عن اللغط الذي أثير حول حقيقة نسبه، أو المبالغات والهالة التي حاول أن يخلقها لنفسه وألف أتباعه عنها كتبًا ذكروا فيها قصصًا عن كرامته ونظموا أشعارًا في تمجيده، فالإمام القاسم من أبرز وأهم أئمة الهادوية، فقد تهيأت له ظروف جعلت إمامته بداية لمرحلة جديدة في حكاية الإمامة.

أدى دخول العثمانيين لليمن لخلو الساحة اليمنية من أي دولة يمنية منافسة، فقد قضى العثمانيون على الدولة الطاهرية. كذلك فإن الصراع المستمر بين الهادويين أضعف كثيرًا الأسر الهاشمية التي يمكن أن يظهر منها أئمة تنافس سلالة القاسم.

أما بالنسبة للعثمانيين أنفسهم فقد أصبح العداء بينهم وبين اليمنيين كبيرًا، نتيجة لممارساتهم وعدم اهتمامهم بالتنمية ونقل العلوم لليمن كباقي الولايات العربية، ولتهيج الأئمة اليمنيين على العثمانيين تحت شعارات أنهم أغراب وليسوا عربًا تارة وأنهم كفار تارةً أخرى. توفي القاسم سنة 1029 هجرية ليدخل أبناؤه في صراع انتهى بأن آلت الإمامة لابنه اسماعيل المتوكل على الله.

ادعى المتوكل على الله اسماعيل الإمامة سنة 1045 هجرية من رضوان أنس، وتمكن بالحرب مرة وبالسلام أخرى من إبعاد إخوته عن المنافسة على الإمامة.

استمر الإمام المتوكل في شن الحروب على العثمانيين، واضطرهم في النهاية للخروج من اليمن، رغم إهمال العثمانيين للتنمية في اليمن، إلا أنهم خلفوا وراءهم بعض هياكل الدولة من الأنظمة العسكرية والإدارية الحديثة، وهو ما مكن حركة الأئمة من الازدهار.

بخروج العثمانيين من اليمن وغياب أي أسرة هاشمية قوية، وخاصةً أسرة شرف الدين يمكنها منافسة المتوكل، أصبحت الساحة خالية أمام المتوكل الذي تمكن من بسط سيطرته على كامل جغرافيا اليمن من نجران لعسير لحضرموت بعد أن أعلن السلطان الكثيري الدخول في طاعته ووصلت دولته لصلالة وظفار.

يعتبر الإمام المتوكل على الله إسماعيل الإمام الوحيد منذ تأسيس الهادوية الذي تمكن من حكم كامل اليمن، وتعتبر دولته ثالث دولة في العهد الإسلامي توحدت في عهدها اليمن بعد الصليحيين والرسوليين.

لم يسلم اليمنيون في عهد إسماعيل المتوكل من البطش، إذ إن المتوكل اعتبر اليمن أرضًا خرجًا بحجة أنه حررها من الأتراك الكفار بنظره، فحكمها هو حكم أراضي غير المسلمين التي يفتحها المسلمون، والمعلوم أن اليمن أرض مسلمة منذ عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – بل ازداد في عهده خوف اليمنيين من بطش الأئمة، وهو الاعتقاد لديهم بأن عدم مناصرة الإمام ذنب كبير.

بعد وفاة المتوكل على الله إسماعيل سنة 1087 هجرية، دخل أولاد القاسم وأحفاده في صراع على الحكم، وكان كل من هؤلاء يسعى إما للوصول للحكم أو مساومة الإمام الأقوى ليثبته على ما يسيطر عليه.

وللأسف، كانت القبائل اليمنية تسارع في مبايعة الأئمة خوفًا من بطشهم حال ظهورهم، واعتقادهم أن التخلف عن مبايعة الإمام ومناصرتهم ذنب كبير، فأصبحت اليمن عبارة عن إقطاعيات يحكمها الأئمة.

كان من أبرز هؤلاء محمد بن الحسن بن القاسم، الملقب بالمهدي صاحب المواهب. توحد علي بن أحمد، والحسن بن الحسين اليمن بن إسماعيل، والحسين بن عبد القادر والحسين بن محمد بن أحمد أولاد القاسم، لمحاربة صاحب المواهب الذي تمكن من هزيمتهم جميعًا. اتسمت فترة صاحب المواهب بعدم الاستقرار لكثرة مدعي الإمامة من سلالة القاسم، ولما عرف عنه من بطش وسفك دماء الآلاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد