توقفنا في المقالة السابقة عند وفاة الإمام المتوكل على الله إسماعيل أقوى أئمة الهادويين، وأنه على الرغم من تمكنه من بسط نفوذ الإمامة على كامل اليمن، إلا أن الصراع اشتعل بين أولاد وأحفاد القاسم بعد موته مما حول اليمن إلى إقطاعيات يحكمها مجموعة من أمراء الحروب، سواء أكان هؤلاء من الأئمة الهاشميين، أو شيوخ القبائل، أو السلاطين.

على الرغم من غياب الأحداث المحورية في هذه الحقبة من تاريخ الإمامة إلا أن أحداثها تتسم بالتعقيد لكثرة الصراعات والأسماء مما يجعل مهمة تتبع أحداثها والإحاطة بها وتلخيصها مهمةً بالغة الصعوبة. كان من أبرز من ادعى الإمامة بعد وفاة المتوكل على الله إسماعيل الإمام محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم الملقب بالمؤيد صاحب المواهب.

كانت أبرز موهبه للمؤيد هو إسرافه في سفك الدماء والبطش بمناوئيه، ولكثرة من خرج عليه وادعى الإمامة كالحسين بن محمد بن أحمد بن القاسم والحسين بن عبد القادر شرف الدين فقد قتل عشرات الآلاف في المعارك التي خاضها مع خصومه، بل يقال أن المؤيد قتل ابنه المحسن حين تعاون الأخير مع خصوم المؤيد في إب.

استمر النزاع بين الأئمة الهادويين بعد وفاة المؤيد وكان من أبرز من ادعى الإمامة الحسين بن القاسم والقاسم بن الحسن بن القاسم. ونلاحظ هنا أنه على الرغم من أن الصراع انحصر في سلالة القاسم، وأحيانًا أسرة شرف الدين إلا أن فكر الإمام الهادي ظل السبب الرئيس للصراع بينهم فكان كل إمام يتهم الإمام الأخر بالظلم والفساد ومنع أموال الزكاة لتهييج الناس على منافسيه وأنهم إن قبلوا به إمامًا فسيرفع عنهم المظالم.

لا شك أن الأئمة اعتمدوا على فكرة الحق الإلهي لآل البيت في الحكم لإيجاد شرعية لحكمهم وهو ما أصبح بعد قرون من قدوم الهادي إلى اليمن عقيدة راسخة لدى اليمنيين خاصة في مناطق شمال الشمال وهو ما جعل اليمنيين يسارعون إلى مبايعة الأئمة اعتقادًا منهم أنهم بهذا يؤدون فريضة دينية.

لم يمنع هذا الأئمة من اللجوء لوسائل الترغيب لدفع القبائل لاتباعهم كإعفائهم من الزكاة. وبجانب الترغيب تفنن الأئمة في وسائل الترهيب، سواء أكان ذلك بالتهديد بعذاب الله لمن يختلف عن مساندتهم أو بما اعتادوا عليه من بطش بأعدائهم وإحراق قراهم مما سنه الإمام المؤسس الهادي.

نعود لنكمل سير الأئمة في هذه الفترة المضطربة ففي سنة 1611 هجرية، ادعى الإمامة الإمام المهدي عباس والذي دخل في حروب متقطعة مع إمام أخر وهو أحمد محمد عبد القادر شرف الدين. بعد وفاة المهدي عباس تولى الإمامة ابنه علي المنصور واتسم الاثنان المهدي والمنصور بسوء الإدارة فقد كثر في عهدهم تغير الوزراء، واتسما أنفسهما بالبذخ والإسراف فقد كانا يهتمان كثيرًا ببناء القصور والمساجد التي يتخذها الأئمة أضرحة لهم بعد وفاتهم، وهو ما وصفه بانبهار الرحالة الدنماركي كرستن نيبور حين زار المهدي عباس في قصره بصنعاء.

على الرغم من أن هذه الصفات منكرة عمومًا إلا أنها كانت ديدن الملوك في ذلك العصر، لكن اليمن ذلك العصر تعرض لعدة مجاعات وأصاب اليمنيين فقر شديد يدعو الإمام المنعم إبانه اليمنيين للصبر والزهد.

مما يبرهن على سوء إدارة المنصور هو تعامله مع توسع الدولة السعودية الأولى في اليمن فقد تمكن الوهابيون من التوسع في السواحل الغربية لليمن، استنجد عمال منصور به ليعينهم على إيقاف المد الوهابي إلا أنه لم يقم بعمل أي شيء. لم يوحد خطر المد الوهابي الذي يمكن أن يقضي على نفوذ الهادويين في اليمن الأئمة في اليمن ففي نفس الوقت الذي كان الوهابيون يتوسعون في اليمن كان الإمام المنصور مشغولًا بمحاربة الأئمة الأخرين كابن إسحاق ويحيى بن علي المتوكل.

أدت كذلك حالة القحط الشديد التي مرت بها اليمن إلى هرولة اليمنيين لأي طرف يعلي شعار رفع الظلم؛ مما أضعف نفوذ المنصور وشعبيته. اضطرت الحالة الداخلية في دولة المنصور والصراعات التي يخوضها وعدم قدرته على إيقاف الدولة السعودية التي وصل نفوذها إلى الشام لإعلان الدخول في طاعتهم مقابل تثبيته حاكمًا، على مناطق نفوذه وعمله على نشر المذهب الوهابي.

قد يقال إن المنصور تصرف ببرجماتية للحفاظ على ملكه، لكن الواقع أن تصرفه كان ليقضي على حركة الهادوية التي تتناقض كيلة مع الفكر الوهابي الذي كان ليقضي على شرعية الأئمة الهادويين إن تأتى له الانتشار في اليمن.

إن أخطر ما اتسمت به هذه الحقبة من تاريخ الإمامة رغم غياب الأئمة الأقوياء هو غياب المقاومة الشعبية الحقيقة وتفكك الوحدة الوطنية في اليمن، فخلال هذه الأحداث لا نجد أي ذكر لمحاولة إنشاء دولة قوية كالدولة الرسولية وهو ما أعطى الإمامة مساحة لتكريس فكرها ونفوذها في اليمن.

بالتأكيد توحدت بعض الأصوات المنتقدة للإمامة، كالأمير الصنعاني والإمام الشوكاني، لكن لا يوحد ذكر لمحاولة سياسية للقيام بثورة ضد حكم الأئمة.

أضف إلى ذلك أن كثرة الأئمة في هذه الفترة لدرجة تجعل من الصعب تتبع الأسماء، وهو ما يعني كثرة الصراعات وتحول اليمن إلى دويلات يتصارع فيها الأئمة والشيوخ والسلاطين، وهو ما أسس لمشاكل النعرات القبلية والطائفية التي ما زالت موجودة حتى الآن.

في الواقع أننا حين نتوسع في قراءة أحداث هذه الفترة سنجد أن بعض الحساسيات الموجودة بين بعض المناطق بدأت، خاصة بين القبائل في مناطق شمال الشمال والوسط والجنوب، أو قبائل حاشد وبديل وخولان، التي تعود جذورها لتلك الحقبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد